مسيرة الأدب العربي عندنا (شهادة) - حنّـا أبو حنّا
1

الفلسطينيون الذين بقوا في الوطن متشبثين بالأرض بعد عاصفة التطهير العرقي الصهيونية سنة 1948 كانوا حوالى ستين ألف نسمة في الجليل والبقايا الضئيلة في حيفا وعكا ويافا واللد والرملة. كان هؤلاء الإخوة من خلّفته العاصفة في ظروف رهيبة.

في السنة التالية تنازل ملك الأردن عبدالله، فيما عرف باتفاقية رودس، عن «المثلث» فأصبحنا معاً حوالى 160 ألف نسمة.

معاناتنا ممعنة في المأساوية: حكم عسكري يقيد الحركة بتصريح من مكتب الحاكم العسكري ولذلك لا يستطيع الذي لجأ في أثناء الحرب إلى بلدة أخرى أن يعود إلى بلدته وأصبح لاجئاً في «الداخل» يرى بيته يُنسَف وأرضه تصادَر وتقام عليها مستوطنات لقوم قادمين من شتى أنحاء العالم. وتتوالى القوانين التي تسلب الأراضي بمختلف الأسماء: حوالى عشرين قانوناً لسلب الأرض مستهلة بالوقف الإسلامي والقرى والأملاك الشاسعة محتالة بمختلف الذرائع لمصادرة الباقي وتهويده.

انقطعت الصلة الثقافية بالعالم العربي. لا تصل كتب أو صحف. والمدن العربية التي كانت مراكز للثقافة والصحافة والحياة الاقتصادية مثل يافا وحيفا بقي القليلون فيها يعيشون في غيتو مقيدة حياتهم بتصاريح عسكرية.

أما الذين حاولوا العودة إلى بلداتهم عبر الحدود فاعتُـبِروا «متسللين» منهم من قُـتِل بدم بارد، ومنهم من حوصر في بيته أو حُـمل في شاحنات لتقذف به إلى وراء الحدود.

يرنّ في الخاطر صوت الشاعر أبي تمّـام: «لا أنتِ أنتِ ولا الديار ديار». لكن الجراح تصيح: بل أنتِ أنتِ!

2

وجوه النكبة عديدة ومنها نكبة الثقافة والأدب، فقد حملت المأساة العديدين من رجال الثقافة والأدب إلى مجاهل اللجوء، ومع الشاعر أبي سلمى والشاعر حسن البحيري اللذين شُـرِّدا من حيفا وسميرة عزّام وغسّان كنفاني اللذين شرِّدا من عكا، ووديع البستاني الذي لم يبق في بيته الجميل في حيفا إلا قليلاً.. تطول القائمة.

المطابع والمكتبات نُـهِبت، والصحف والمجلات اختفت، وبعض الكتب أُعدِمت. وبقي عدد من الشعراء والكتّاب لا يتجاوز عدد أصابع اليدين وجلّهم في مطلع مسيرتهم الأدبية.

انقطعت الصلة الثقافية بالعالم العربي، فما عادت تصل إلينا كتب أو صحف، وكل ما بقي للصلة بالأقارب اللاجئين وراء الحدود تحية مسجّلة في الإذاعة، من دون معرفة العنوان المحدّد لأولئك الأحباب.

3

شنّت السلطة هجوماً كثيفاً على الساحة الثقافية والأدبية. والغاية غسل دماغ وترويض النفوس على الأسرلة.

يشن الهجوم على المعلمين والتعليم: يدرس بن غوريون مع اثنين من «المستشرقين» اليهود إمكان عبرنة التعليم العربي وإلغاء اللغة العربية في المدارس. وتبدأ حملة على ولاء المعلمين. الأستاذ الذي علّم تلاميذه في يافا الناصرة النشيد الذي كتبه الشاعر حليم دموس ومطلعه:

عليك مني السلام يا أرض أجدادي

ففيك طاب المقام وطاب إنشادي

هذا الأستاذ فصل من سلك التعليم ليكون مصيره عبرة لمن يعتبر.

تبدأ حملة فصل المعلمين من ذوي العمود الفقري وتعيين «معلمين» يعلنون الخنوع في مدارس تفرض على التلاميذ أن تتحول دروسهم إلى استعداد للاحتفال بعيد استقلال اسرائيل والإنشاد:

في عيد استقلال بلادي غرّد الطير الشادي

وتتسع الحملة المنظمة فتصدِر السلطة صحيفة يومية اسمـها «اليوم» يُلزَم المعلمون جميعهم الاشتراك فيها. وتُصدِر صحيفة نقابية اسمـها «حقيقة الأمر»، كما تُصدِر صحيفة «أدبية» اسمها «الهدف»، وتنشئ داراً للنشر اسمها «دار النشر العربي» تُصدر الكتب التي تلبي غاياتها، كما تصدر صحيفة للتلاميذ. ويشترك في هذا الهجوم «الثقافي» حزب صهيوني يساري اسمه «مبام» أصدر صحيفة اسمها «المرصاد» ومجلة اسمها «الفجر»، وأنشأ داراً للنشر تصدر كتباً أدبية. هذا الحزب من مؤسسي القوة العسكرية المسماة «بلماح» ومن هذا الحزب أول حاكم عسكري على الناصرة.

من يتصدّى لهذا الهجوم العنيف الممتد في جميع السّاحات؟

كانت القوة المنظمة الوحيدة لمن بقي في البلاد هي «عصبة التحرر الوطني». فأخذت العصبة على عاتقها أن تبذل ما تستطيع لتهتم بشؤون العمال، فأعادت تنظيم «مؤتمر العمال العرب» الذي أنشئ قبل النكبة، وقام بتظاهرات ضد تشريد العائدين إلى بيوتهم الذين سمّتهم السلطة «متسللين». وأعادت إصدار صحيفة «الاتحاد» الأسبوعية.

لا تسمح السلطة بإنشاء حـزب عربي فاتحدت العصبة مع الحزب الشيوعي في إطار من التحالف الأممي. وكان لا بد من مجابهة الهجوم السلطوي «الثقافي». فاجتمعنا سنة 1951 لبحث إصدار مجلة ثقافية شهرية سميناها «الجديد». صدرت في البداية ملحقاً لصحيفة «الاتحاد»، إلى أن حصلت على رخصة بعد سنتين.

وفي سنة 1953 أصدرتُ مجلة «الغد» لتكون فضاء للشباب. ثم أقمنا في مطلع الستينيات دار نشر سميناها «الكتب المختارة». ومن الكتب التي أصدرناها «الأيام» لطه حسين و«أرخص ليالي» ليوسف إدريس و«أبو العلاء المعري» لجبرا نقولا و«أوراق الزيتون» لمحمود درويش.

4

كانت الرؤية السائدة في هذا المناخ أن الثقافة والأدب كتيبة في المعركة، والالتزام شعار الأديب والأدب. أما المذهب الأدبي فكان ما عرف باسم «الواقعية الإشتراكية». وعقدت ندوات ودراسات عن هذه المدرسة، وكان التعريف بإنتاج مكسيم غوركي وماياكوفسكي وشولوخوف وناظم حكمت وبابلو نيرودا ولوركا وغيرهم. وبشعراء فلسطين: ابراهيم طوقان وعبد الرحيم محمود وأبو سلمى وحسن البحيري وآخرون. وأدباء فلسطين: خليل السكاكيني واسعاف النشاشيبي واسحق موسى الحسيني وغيرهم. وكان ردّنا على الشعارالصهيوني: «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض» من تاريخ الأدب العربي: إن هذه الأرض كانت عامرة بشعب حي أنبت الشعراء البارزين قبل أكثر من ألف عام، وقد اقترن اسم كل شاعر باسم بلده، فكان ابن القيسراني (ت 1153 م) الذي ولد في عكا وعاش في قيسارية إلى أن شردته حرب الفرنجة إلى دمشق حيث ظل يدعو إلى تحرير بلاده: «فإن يكُ فتح الرّها لجّة فساحلها القدس والساحل»، وأبو اسحق الغزي (1130 م) والقاضي الفاضل العسقلاني (ت 1199 م ) وزير صلاح الدين الأيوبي وصاحب مدرسة متميزة في النثر العربي علاوة على شاعريته. وعرّفنا بالتميمي الطبيب صاحب الكثير من المؤلفات في الطب وصناعة الأدوية، والمقدسي الجغرافي الذي اعتبره أحد المستشرقين أنه «أكثر الجغرافيين العرب أصالة».

5

السلطة تعقد جوّ إرهاب صارم وتفرض حرماناً على هذا النشاط الأدبي. ويل للمعلم أو أي موظف يسَجّل عليه أنه يقرأ صحفنا أو يشارك في أي نشاط محـرَّم. وكان الوصول إلى القراء عبر فِرَق تحمل الصحيفة أو المجلة إلى البيوت: تقرع الأبواب أو توصل الصحيفة عبر «مؤتمن». لكن كيف الوصول إلى من لا يقرأون، ونسبة هؤلاء عالية؟ كان الجواب مبدعاً وجريئاً: نقيم مهرجانات شعرية في القرى والمدن: نتحدّى الحكم العسكري، نسافر من دون تصريح، وإن لم تتح قاعة يكون المهرجان تحت قبة السماء، وفي ذلك تجاوز لقانون آخر. أما الثمن فندفعه.

كنا ندعو الشعراء ـ ممن يتحرّجون ـ للمشاركة في هذه المهرجانات وكان بعضهم يشارك بقراءة شيء من الغزل أو الوصف. لكنهم انقطعوا بعد أن وُبِّـخوا. وكان حساب سكرتير «جمعية الشبان المسيحية» في الناصرة عسيراً، فقد شارك في المهرجان من تجاوز الخطوط الحمراء بشعر وطني، بل زاد أحدهم حين ألقى قصيدة يسخر فيها من بن غوريون الذي اضطر إلى الانسحاب من سيناء عنوانها «قد لفّ ذيله وانسحب».

أمّا في كفرياسيف فلم يتسع «النادي الثقافي» للجمهور الذي جاء يحمل الكراسي الصغيرة الواطئة. وانطلق الميكروفون يملأ الليل بصوت الشاعر راشد حسين ينشد:

اليوم جئت وكلّنا سجناءُ فمتى أجيء وكلّنا طلقاء

وكان على الشعر أن يصل إلى الناس مباشرة ليؤدي الرسالة فكان مباشراً. وكان على الشعراء المتمرّدين أن يحتملوا السجن أو النفي أو الإقامة الجبرية. وكانت لي زاوية أسبوعية في جريدة «الاتحاد»، في كل يوم جمعة، تحت عنوان «وحي الأيام» أكتب فيها شعراً وخواطرَ في الأحداث. وعندما سُجنت سنة 1958 تطوّع عدد من الشعراء لتستمرّ الزاوية فكتبوا شعراً بروح تلك الزاوية. وظل «وحي الأيام» حيّاً ينبض.

وتكاد لا تجد من الشعراء الملتزمين من لم يدفع الثمن المشرِّف للسجن: توفيق زيّاد، محمود درويش، سميح القاسم، شفيق حبيب وآخرون.

6

كانت إحدى المقولات في الاجتماع التأسيسي لمجلة «الجديد»: نحن بحاجة إلى كتّاب. طبعاً سيكون هؤلاء من الجيل الجديد. وقد حملت مجلة «الغد» هذه الرسالة. ومن يراجع أعدادها يجد الكثير من التشجيع للأقلام الواعدة حيث القصائد والقصص والخواطر. بل إن في أحد الأعداد مقابلتين مع محمود درويش وسالم جبران الطالبين آنذاك في مدرسة كفرياسيف الثانوية، وفيها إجابات عن أسئلة تتعلق برؤيتهما للأدب وعن إنتاجهما ورأيهما في المهرجانات الشعرية التي أخذا يشاركان فيها. وفي هذه المقابلة نرى شخصية محمود القوية ورؤيته الحاذقة الواعدة.

وقد ذكرت في سيرتي الذاتية (الجزء الثالث «خميرة الرماد» ص. 44- 50) كيف جاء إلى بيتي راشد حسين ليراجع معي ديوانه المعدّ للطبع «مع الفجر»، وكيف طلب إليّ محمود درويش مراجعة ديوانه «أوراق الزيتون» وكتابة تظهير للكتاب فكان له ما أراد. وذكرت في مكان آخر كيف جاء إليّ سميح القاسم يحمل مجموعته الشعرية «مواكب الشمس»، كما كتبت له عنوان الديوان بخطي، وهذا ما فعلته بعناوين مجموعات محمود درويش التي نشرها هنا.

وكنا نهتمّ في مجلة «الجديد» بأن نشجع الأقلام الفتية بتوجيه ملاحظات موضوعية. وعندما تسلم مني محمود درويش تحرير المجلة صار هو يكتب الملاحظات للكتاب والقراء.

7

كان الميراث الشعري الفلسطيني ثريّاً، أما القصة والرواية فكانت ما تزال في عهد المراهقة. كان إميل حبيبي مشغولاً بالعمل السياسي والكتابة الصحافية إلى أن حان الوقت ليتفرّغ للأدب. وبدأت تظهر القصص القصيرة في «الجديد» و«الغد». أما الرواية فبدأت تظهر في تجارب تطمح إلى النضوج. وبدأ يظهر النقد الأدبي بشكل منتظم في مجلة «الجديد» في باب افتتحه الشاعر عيسى لوباني حيث كان يراجع الأدب المنشور في مختلف المواقع ويعلق عليه. كما كان الدكتور إميل توما يعالج النقد بين حين وحين.

هذه ملاحظات أولية على مسيرة الأدب عندنا حتى أواسط الستينيات حين نجد انطلاقاً وتجديداً في شتى المجالات الأدبية وفي المسرح وأدب الأطفال ومجال الحديث عن ذلك واسع يقتضي جهداً أوسع من الدراسة والبحث.

* حنّـا أبو حنّا أديب فلسطيني كبير وصحافي قدير ومناضل وطني


فلسطين - "السفير" 15 كانون اول 2010






® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600