من مدن الموتى خرج الشباب إلى ميدان التحرير لينهوا حكم 30 عاما في 30 ثانية - إبراهيم درويش


ثورة مصر الجديدة، انتصار الارادة، فجر جديد،عالم عربي شجاع، ثورة الشعب، سقوط الفرعون، ثورة ميدان التحرير، كلها عناوين لحدث هزنا وهز العالم معه، فقد اعادت الثورة في مصر ، التي اسقطت الطاغوت، الينا كل ما فقدناه؛ الروح والحب والامل والتفكير، لأن الاستبداد سرق منا اغنى ما نملك وحولنا لشحاذين امام السفارات نستجديها فيزا للخروج من جحيم اليوم الى مستقبل أسوأ في مدن الصقيع الباردة.

ما اجمل ان تعود روح الثورة الى العالم العربي، الذي تعود الهزيمة والغارات والقصف ودبابات 'جيش الدفاع الاسرائيلي' وهي تنتهك العمق العربي وتستهتر بنا وبثقافتنا وبروحنا، وتترك وراءها على الجدران شعاراتها المتغطرسة، معيدة الينا مشاهد من زمن بات قديما، ما أقسى اللحظة، فقد اصبح الاحتلال هو عمرنا، ولدنا مع احتلال القدس وظلت القدس تحتويها وتكبر حولها المستوطنات واللحى الطويلة والقبعات، هناك غنوا مرة عن 'محمد الذي مات وخلف بنات'.

في ميدان التحرير عاد كل ابطال الحكايات والآمال المسحوقة اليه من كل انحاء الجرح العربي، عادوا محملين بالحب والامل وخرجوا من صفحات الروايات والقصص التي سجلها ابطال المقاومة، كأنني بتوفيق زياد يقول بدلا عن ام درمان ' اعطني حبة سكر منذ عامين وفي حلقي مرارة... ميدان التحرير- يناديني وفي قبضته سيف معطر وانا اشعر نفسي سيدا ينهى ويأمر... رايتي تكبر في الشمس وتكبر'. في زمن الاغنيات خرجوا من مدن الموتى ورفضوا ان يعودوا اليها مرة اخرى 'فقراء كما انتم .. يا احبابي الموتى عودوا' رفض المصريون الذين صنعوا من المأساة نكتة العودة الى بيوتهم وحولوا ميدان التحرير لأول مرة نقطة لمركز العالم، كل العالم جاء اليه وكل العالم مر به، في زمن التكنولوجيا، لنا ان ندعي اننا كنا هناك، كنا مشاركين افتراضيين لكن الابطال الحقيقيين هم من وزعوا الامل وزرعوا فينا والينا، رأيناهم في اول معركة في التاريخ وهم يرقصون بدون بنادق وبدون زي عسكري، كانوا مسلحين بالتكنولوجيا الحديثة واليافطة والاغنية، وبعد 18 يوما من الرقص الطقسي خرج الطاغوت من قصره رمز قهرهم ومأساتهم، سيكتب التاريخ كيف أنهى شبان في ربيع العمر حكم ثلاثين عاما من الفساد والتسلط في 30 ثانية، ها هم المصريون وقفوا امام الباستيل وحطموه في ثورة بأقل الضحايا وبالابتسامات ودموع الفرحة (كما قال ابو سلمى: جبل المكبر لن تلين قناتنا حتى نحطم فوقك الباستيلا) حيث كان بيت المعتمد السامي على فلسطين، بدا ميدان التحرير كأنه حفلة غناء على الطريقة الاجنبية؛ مغنون ومعجبون يهتفون لا للمغني ولكن للحرية في ميدان الحرية.

نشعر بالخيانة امام هؤلاء لأننا لم نكن معهم ولم نرافقهم في رحلتهم الى ميدان التحرير لا ليبيعوا انفسهم كما في حكاية العائلة في واحد من اعمال الروائي يوسف القعيد التي خرجت من هامش القاهرة في مدينة الموتى، من اجل ان تعرض نفسها في ميدان التحرير. مات كل تجار النخاسة اليوم ومن بقي منهم اصبحت تجارته بيع الحرية ومن هنا جاء الشبان كي يستعيدوا حريتهم ووطنهم الذي سرق منهم ومنذ عقود.

اتخيل كيف خرج ابطال الروايات المقهورون ممن خاب أملهم من مثل بطل غسان كنفاني في 'ارض البرتقال الحزين' الذي اوقظ ابنه كي يشهد وصول القوات العربية لتحرير فلسطين في منتصف الليل حافيا، حاملا مع شبابه الجديد خمسين عاما من العمر، ينحدر من الجبل ملاحقا رتل العربات الذاهبة للأعلى نحو الناقورة، ويعود للبيت ويشعل سيجارته ومن خلال الشعلة يشاهد البطل على خد ابيه دمعة او دموعا ساحت، فقد ضاع حلم تحرير فلسطين. في ميدان التحرير صنع الشباب لأمتهم مجدا جديدا. ومن هنا أتخيل الشيخ محمد الغزالي- الداعية المعروف كيف سيكون شعوره لو بقي حيا وهو من خصص كتابا عن الفساد السياسي في المجتمعات العربية والاسلامية وكتب في نص مثير يصلح لوصف الرئيس السابق لمصر يصور المستبدين في أعلى حالاتهم قائلا 'الفساد السياسي مرض قديم في تاريخنا، هناك حكام حفروا خنادق بينهم وبين جماهير الأمة لأن أهواءهم طافحة وشهواتهم جامحة لا يؤتمنون على دين الله ولا دنيا الناس ومع ذلك فقد عاشوا آمادا طويلة'. استفاقت مصر يوم السبت بعد يوم من التحرير على عالم جديد وزمن طامح لم تعد في الكلمات نعوش 'الكلمات الكلمات، لن تترك نفسها تعامل كالنعوش وكل لغة غريبة'، هكذا قال الفرنسي غيللفك وهكذا يحلم المصريون اليوم ان تكون لغتهم تحمل معنى، ان تخرج من حياتهم كل كلمات القمع والخوف والهمس والبوليس السري. مثلما تطهرت حياتهم من القمع والاستبداد والطاغوت. فهم امام معركة لاستحداث لغتهم الخاصة، تضيء كما اضاءت على العالم العربي من خلال اعمال الشعراء والكتاب والمفكرين، فقد ظلت مصر وخلال القرن الماضي مئة عام- مصدرا للثقافة والكلمات الجميلة والشعر والرواية والثقافة بمعناها العام. في مصر اليوم قوة اسمها العمار وهي تلك القوة التي تحدث عنها العقاد في كتابه 'مجمع الاحياء' :' قوة الينبوع العذب الفياض، تنسرب في مجاريها وتسري سريان الدم في العروق فتروي العطاش وتصلح الموات وتنبت على ضفافها الخيرات وتنشأ فوقها المدن الآهلة فيها سكن للناس ومستراح والمروج الناضرة فيها مسرة للناظرين ورزق للعباد وهذه قوة العمار'. كتب ادوارد سعيد في مقال له 'شعائر مصرية' عن ان المعركة في شأن مصر ليس من اجلها ولكن اجل الكتابة عنها او تصويرها. واشار الى التوزع بين قراءتها بين فضائها التاريخي القديم والافريقي والعربي والاسلامي، ولكنه اضاف ان كل من زار مصر او لم يزرها لديه رؤيته عنها ولكن المشكلة في حالة مصر هي اشكالية تمثيل وعرض، وقدم سعيد عرضا لرؤية مصر في الكتابات الاوروبية وكيف تحولت في القرن التاسع عشر الى قطعة من الامبريالية ينهبها كل من نهب ويسرق ثروتها من يريد ان يغتني. ويحلل في قلب مقاله- بحثه الاهتمام الامريكي بمصر- ثقافيا وفنيا، ويرى ان الاهتمام الدائم بمصر وكما يبدو من الافلام والكتابات ظل مرتبطا بمحاولة دائمة من الامريكيين العودة بمصر الى ما كانت عليه قبل التاريخ بسيطة ومذعنة.

ويشير الى الدور الذي حاول الرئيس المصري الاسبق أنور السادات لعبه كفرعون اي كرمز جاذب للامريكيين، وهو الدور الذي كانت امريكا مستعدة لقبوله منه. وهي الفكرة التي تحدث عنها محمد حسنين هيكل في كتابه 'خريف الغضب.' وتابع سعيد قائلا ان سياسات السادات جاءت تصديقا للرؤية الامريكية حسب ما جاءت في فيلم 'الوصايا العشر' وايديولوجيته، وهو الفيلم الذي وصفه سعيد قبل ذلك بالمشبع بالايديولوجيا وهو تأكيد ارتباط مصر بعالم الكتاب المقدس اكثر من ارتباطها بعالم العرب وفضائها المحيط بها. وعليه جاءت اهتمامات الفرعون المصري الجديد من امريكا مع املاءات: وقع معاهدة مع اسرائيل، واعترف بوجودها.

وتم اغتيال السادات من قبل جنوده لأنه فرط بالثوابت العربية والاسلامية. وكان محمد حسنين هيكل قد كتب عن السادات قائلا انه 'كان اول فرعون جاء الى شعبه محملا بالكاميرا وأول فرعون يقتله شعبه. كان بطل الثورة الالكترونية وضحيتها في نفس الوقت. ومع غياب وجهه عن شاشة التلفاز فان سنوات حكمه الاحدى عشرة يبدو انها انمحت بضربة زر الكتروني'.

وما اشبه الليلة بالبارحة فخلفه عاش فرعون احبته المؤسسة الامريكية ولم يحبه الامريكيون، كرهه شعبه لأنه احب اسرائيل وفرش البساط الاحمر لرجالها في شرم الشيخ التي نقل اليها العاصمة، وفي لعبة المقارنات هو اول فرعون مصري يخلعه شعبه، واول فرعون مصري يخرج الملايين يطالبون بخلعه ويرفعون امام صوره الاحذية ويقيمون الاعدامات الوهمية له. وهو اول فرعون مصري ظل يعتقد انه ممثل للشعب وانه يدافع عن الشعب الذي اعتقد انه أحبه. ومأساة الفرعون المصري الاخير انه في عبوره في عام 1973 وبطولته خرج من البطولة والمجد خاوي الوفاض.

وهو اول فرعون يتفرج العالم على غيابه وانتظر خروجه بفارغ الصبر بل ووزعت الجماهير الحلوى فرحا بخروجه. فما اغرب الحياة وتعسا للمجد الذي يمثله الفرعون ويسعى اليه. والفرحة عمت بارتفاع الاسهم في الاسواق المالية وربما استفاد باعة الحلوى في العالم من رحيل الفرعون الاخير خارجا من حلم مصر ومن ملح ذاكرتها هكذا قال محمود درويش.

ناقد من اسرة 'القدس العربي'


17/2/2011




® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600