الصنوبر الأصلي باق في الكرمل - جوني منصور
ها هوذا الكرمل يتلوى ويتلوع على ما حل به من كارثة ومأساة أودت بحياة خمسة ملايين شجرة كانت تعيش فيه، وتم ترحيلها بفعل النار اللئيمة إلى الفناء الأبدي. اشجار وفدت إليه من بلاد غريبة لتغطي على القديم والأصيل، وتخفي الحقيقة وتبني واقعًا جديدًا، ولا يصح إلا الصحيح والأصيل.

  • للكرمل مكانة تاريخية وانسانية

    وبالرغم من هذه الكارثة إلا ان للكرمل مكانة خاصة في وجدان ساكنيه من اهالي حيفا وقراه كعسفيا ودالية الكرمل وعين حوض وأبناء القرى المهجرة والمدمرة على يد آلة الدمار الاسرائيلية من العام 1948 كأم الزينات واجزم وعين غزال وجبع والمزار والسنديانة وغيرها. وللكرمل مكانة تاريخية كبيرة إذ فيه اكتشف علماء الآثار والانثروبولوجيا وجود حياة منذ فترة العصر الحجري. وفيه عاش الإنسان القديم وانطلق نحو بناء حياته ومستقبله. وفي الكرمل وعلى قممه المختلفة نشطت ديانات وعبادات متنوعة منها التعددية كعبادات ومعتقدات الكنعانيين وإيمانهم بالبعل، والعبادات التوحيدية كاليهودية والمسيحية والإسلامية. ونشط على وجه الخصوص إيليا النبي أو كما يعرف في أوساط الفلسطينيين باسم "مار الياس" وهو "الخضر" عند المسلمين. ويرمز الكرمل بثروته النباتية إلى تجدد الحياة، وخصوبة الأرض إلى خصب الحياة وإثمارها. وكثرت على جبل الكرمل الاحتفالات الدينية كعيد مار الياس في شهر تموز في دير ستيلا مارس ودير المحرقة، وكثرت أيضا النذور التي اعتاد الناس على تقديمها في كنيسة مار الياس وفي مقام الخضر عند أنف الكرمل (الإشارة هنا إلى أنف الكرمل عند التقائه وانحداره غائصًا في البحر قبالة مقام الخضر). هذا المقام عربي إسلامي سيطرت عليه وزارة الأديان الاسرائيلية وجعلته مزارًا لليهود فقط، بعد أن كان طيلة الزمن مقامًا مفتوحًا أمام جميع الناس دون تحديد أو تخصيص.

  • الكرمل يتأهب ليُجدد ذاته

    الكرمل احترق الأسبوع الماضي والفاتورة كبيرة جدا، إلا أن الكرمل اعتاد عبر العصور تجديد ذاته، كما تفيدنا الأساطير أنه "كرمل الرب"، أي وهذا معنى الاسم "الأرض المشجرة والمثمرة". هذا هو الكرمل الذي يحمل عبئًا كبيرًَا من المسئولية. مسئوليته أن يُجدد بناء ذاته ليعود كرملاً يانعًا ومفرحًا.

    ولم تقتصر مكانة الكرمل على الجوانب التاريخية والدينية ـ الروحية إنما تطرق إليه عدد كبير من الأدباء والكتاب والشعراء، حيث وضعوا أشعارًا ونصوصا ومقالات حوله. واخترنا لهذه المناسبة نصوصا لثلاثة أدباء/شعراء.

  • الكرمل: غابة البحيري

    شاعر حيفا المعروف حسن البحيري الذي خص حيفا ومناطقها بديوان كامل اسماه "حيفا في سواد العيون" وضع قصيدة حول الكرمل كل كلمة فيها تنطق بصدق مشاعره وحبه للجبل ولبيئته وأهله، وألقى هذه القصيدة على مسمع من أصدقاء له كانوا يتنزهون في إحدى غابات جبل الكرمل في أواخر شتاء عام 1944:

    وغابةٍ في أعالي "الكرمل" ازدهرتْ
    تلهو بأغصانها أنشودةُ الريحِ

    تَسْري بها نسمات بالشَّذا عَبِقَتْ
    كأنها الرَّاحُ تُذْكي نَشوَةَ الروحِ

    إذا بكى الغَيثُ وانْهلّتْ هواضِبُهُ
    تَبَسَّمَ الزَّهرُ في أرجائها الفِيحِ

    وفي أبيات أخرى غنى البحيري للكرمل الذي أحب وغنى له عند فراقه له في العام 1948 رغمًا عنه:

    من "كرمل" الأحلامِ غنَّى للصِّبَا
    لحنَ المنى فصَغَى الهوى يتسمعُ

    ثم استحالَ غناؤه ونشيدهُ
    دمعًا مسابِلهُ ضنىً.. وتوجُّعُ..

    رُحِلّ حسن البحيري عن حيفا في العام 1948 ووجد نفسه لاجئا في الأردن ثم استقر به المطاف في دمشق، حيث بقي فيها حتى مماته في العام 1998، ودفن في مقبرة اليرموك بأمل أن يكون قريبا من حيفا ليعود إليها يوم العودة.

  • اميل حبيبي: باق في حيفا والكرمل

    الأديب الراحل إميل حبيبي عاش وعمل ونشط في حيفا وكانت لهذه المدينة بمبانيها وحواريها وأزقتها وجبلها وبحرها حصة خاصة في داخله ووجدانه وحياته، ودارت احداث كثيرة في رواياته ونصوصه الأدبية في قلب المدينة وعلى تلال جبل الكرمل وفي محيطه. وطلب أن يدفن مستريحا في حيفا وكتب على قبره "باق في حيفا" على جانبها وعند سفوح كرملها. وورد ذكر الكرمل عشرات المرات في مناسبات عديدة ذكرت في مؤلفاته، واخترنا فقرة من خرافية "سرايا بنت الغول"، وهذه هي:

    "كنت أتخيل جبل الكرمل، وأنا نازل عليه من مرتفعات الناصرة وشفاعمرو، ثورًا أقعى متحفزًا للإنقضاض على مصارع ثيران جاءه من الأندلس. يهمله في ترقب غفلة منه. فإذا غفل عنه لم يمهله لحظة واحدة. داومت، على هذا الخيال، صباحًا صباحًا، قرابة أربعين عامًا، أتوقع أن يستشيط هذا الثور غضبًا، ولكن لا حياة بمن تنادي، فهو صبور صبر العرب".

  • محمود درويش: موعدٌ مع الكرمل

    قبل رحيله بعام تقريبًا عاد محمود درويش ليلتقي مع الكرمل في أمسية شعرية دافئة ليست كباقي الأماسي. فمن على قمة الكرمل عانق حيفا وأهالي حيفا والجوار الذين وفدوا إليها خصيصا ليؤكدوا معه وبه حبهم للكرمل. ومن خلال تصفحي لديوانه قرأت قصيدة رائعة كباقي قصائده الرائعة بعنوان "النزول من الكرمل"، اخترت مقاطع منها:

    ليومِ يُجدد لي موعدين قلت للكرمل: الآن أمضي.
    وينتشرُ البحر بين السماء ومدخل جرحي
    وأذهبُ في أفقٍ ينحني فوقنا، ويُصبي
    لنا، أو يُكسرنا. هذه الأرض تشبهنا
    حين نأتي إليها. وتشبهنا حين نذهب إليها.
    تركت ورائي ملامحها، واسمها كان يمشي أمامي
    يُسمّي ملامحها وإنفجاري. تركت سري الولادة
    تركت ضريحا مُعدًّا لأي كلام.
    ......
    يفتش كفي ثانية، فيصادر حيفا التي هرّبت سنبله
    ويا أيها الكرمل،
    الآن تقرع أجراس كل الكنائس
    وتعلن أن مماتي المؤقت لا ينتهي دائمًا، أو ينتهي مرة.
    أيها الكرمل، الآن تأتي إليك العصافير من ورق
    كنتَ لا فرق بين الحصى والعصافير،
    والآن بعثُ المسيح يؤجل ثانية
    أيها الكرمل، الآن تبدأ عطلة كل المدارس
    وتنشدني الآن فيروز
    والآن نأخذ أنبوبة من حبوبٍ تُسيل الدموع،
    فنبكي على جبل طائرٍ
    أيها الكرمل، الآن يجعلني ضابط آخر عرضة للخلود!
    .....
    وها أنا أعلن أن الزمان تغيَّر:
    كانت صنوبرةٌ تجعل الرب أقرب
    وكانت صنوبرة تجعل الجرح كوكبْ
    وكانت صنوبرة تنجبُ الأنبياء
    وتجعلني خادمًا فيهم
    أيُّها الكرمل المتشعب في كل جسمي
    لماذا تحمّلني كل هذي المسافات
    والبحر فاصلة بيننا؟

    رحل محمود درويش ودفن في رام الله، وليس في حيفا(من المحتمل انه اشتهى أن يدفن في ترابها) ولا في البروة مسقط رأسه ومرتع طفولته.

  • ويبقى كرملنا رمزًا للبقاء..
    كرملنا بصنوبره العتيق غير المزيف، وبزيتونه الصامد، وبسنديانه الأخضر باقٍ في وجداننا رمزًا للوجود والبقاء.

    جوني منصور - حيفا
    17/12/2010




  • ® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
      Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600