زيارة الى بيت لوركا: المغنّي الغجري الذي قتلته الفاشية - نور الدين بالطيب

نور الدين بالطيب في منزل لوركا

لوركا.. شاعر يختزل إسمه العبقرية الأندلسية التي كانت نموذجا للتمازج الثقافي بين العرب والثقافات الأخرى خلال ثمانية قرون حكم فيها العرب الأندلس وأضاءوا قناديل المعرفة في ظلام القرون الوسطى الأوروبية .

وعندما تذهب الى أي مقاطعة أسبانية مثل مدريد أو كتالونيا أو غاليسيا أو الباسك أو فلنسية أو غير ذلك من المقاطعات السبعة عشرة ذات الحكم الذاتي ، عندما تذهب الى هناك لا يمكن إلاّ أن تستحضر لوركا الذي كان ضحيّة فاشية فرانكو الذي حكم أسبانيا بالحديد والنّار وأشعل حربا أهلية دامت خمس سنوات وكان من أبرز ضحاياه لوركا الشّاعر والكاتب المسرحي والرّسّام وعازف البيانو والقيتار الأندلسي .

وإذا قادت الصّدفة أو الإلتزامات المهنية لزيارة مدن الأندلس مثل غرناطة أو قرطبة أو مايوركا أو ملقا فلا مهرب لك من زيارة بيت لوركا في ضواحي غرناطة فلا أحد يعرف قبر لوركا الذي قتل بطريقة وحشية ليبقى حادث إغتياله فضيحة في تاريخ أسبانيا وأوروبا بشكل عام .

في صباح ربيعي أندلسي حملتني حافلة نقل عمومي من إحدى محطّات غرناطة الى قرية فونيتا فايبروس التي ينسى إسمها عادة لأنّ أسم لوركا غلب على إسم القرية التي لا تبعد عن غرناطة أكثر من 30 كلم ويتطلّب الوصول إليها حوالي نصف ساعة ، طريق تشقّ بساتين البرتقال واللّيمون، وجوه فلاّحين كأنّني أعرفها في القرى الأندلسية في بنزرت أوالوطن القبلي يكفي أن تسأل أحدا عن قرية فونيتا فابيروس ليعرف أنّك ذاهب الى لوركا .

في الحافلة كنت أستحضر القصيدة التي كان لوركا يردّدها دائما حسب شهادات أصدقائه وهي من التراث الشعبي الأندلسي

'في البستان

سألقى الموت،

سأكون قتيلا

قرب شجيرات الورد

كنت ماضيا ،أمّاه

لأجني الورود

وفي البستان

لقيت الموت'



هل كان لوركا تنبأ بموته لأنّه مات بنفس الطريقة التي تخيّلها مات في البستان قرب شجرات الورد عندما إستدرجوه وأطلقوا عليه الرّصاص.

في كل شوارع القرية الصغيرة ومقاهيها وحاناتها ومحلاّتها صور وقصائد ونصوص للوركا في الحدائق والمحطّات وبمجرّد وصولك الى محطّة الحافلات تجد إشارة بارزة تدلّ الزّائر على بيت لوركا الذي تحوّل الى متحف منذ سنة 1986 وللدخول الى هذا البيت المتحف الصّغير لا بد من موعد لأنّ البيت صغير ولا يتّسع للزائرين لذلك عليك أن تنتظر لساعة أو ساعتين حتّى يكون بإمكانك الدّخول بعد دفع يورو ونصف .

لا توجد أيّة وثائق عن لوركا في هذا المتحف خارج اللّغة الأسبانية وكأنّ لوركا ليس ملكا للعالم أمّا مسؤول المتحف فلا يتحدّث بغير اللّغة الأسبانية ولا يوجد أي تفسير بأي لغة أخرى ممّا يجعل الإستماع إليه غير ذي جدوى .

في البيت كل شئ كما كان في حياة لوركا حتّى السّرير الذي ولد عليه مازال كما هو والبيانو الذي كان يعزف عليه ويؤلّف به مقطوعاته الموسيقية لمسرحياته وكذلك المطبخ ومهده عندما كان رضيعا وقاعة الجلوس وفناء البيت والبئر الذي يتوسّط الحديقة والتمثال الصّغير الذي أنجزه أحد أصدقائه لتخليد ذكراه

في الطّابق العلوي للبيت مكتبة تضمّ بعض مخطوطاته وكتب عنه ومعرض يفسّر حياته وتسجيل مرئي نادر يظهر فيه لوركا ممثّلا عندما كان يجوب القرى والمدن الأسبانية مع فرقته التي أسّسها وكان أسمها La barraca

ولد لوركا في 5 يونيو (حزيران) 1898 وقتل في اغسطس (اب) سنة 1936 وكانت حياته رحلة مع المسرح والكتابة التي كان يستلهمها من الأغاني الشعبية للغجر وكان يكتب دائما أنّه يريد أن يكون قريبا من النّاس لذلك أسّس مهرجان الأغنية الشعبية لجنوب أسبانيا وقال عن نفسه 'كان أبي مزارعا غنيّا وخيّالا ماهرا وتنحدر أمّي من أسرة عريقة.

وهو الأبن الأكبر للعائلة عانى من مرض في طفولته أقعده عن المشي ممّا نمّى لديه القدرة على التخييل وكان يقضي معظم الوقت مع الفلاّحين ومع الخدم ويستمع في إنتباه لأغانيهم وأهازيجهم سواء في بيت القرية أوفي البيت الصيفي وسط مزارع غرناطة الذي تحوّل الى متحف أيضا وحديقة عمومية

في شبابه إشترى مسرحا للعرائس في غرناطة وصدر كتابه الأوّل 'كتاب ألأشعار' سنة 1921 وديوانه الثّاني كان عام 1927 بعنوان 'أغان' وسنة 1920 عرضت مسرحيته الأولى 'رقيّة الفراشة' في مدريد وعرف النجاح مع مسرحية 'مارينا بينيدا'سنة 1927.

في صيف 1929 سافر الى نيويورك بعد إنقطاعه عن الدراسة الجامعية التي أدرك أنّها لن تضيف له شيئا قياسا بالشّعر والمسرح وحاول تعلّم الأنجليزية في الولايات المتحدّة الأمريكية وكتب قصائد في هذه المرحلة صدرت فيما بعد بعنوان 'شاعر من نيويورك' كما أقام في كوبا التي كان يقول عنها 'ذات الشّمس المحرقة' .

بعد عودته من نيويورك عرف لوركا أوج عطائه ومجده فكانت مسرحية 'زوجة الأسكافي'سنة 1930 ومجموعة شعرية 'قصيدة الأغنية العميقة' وسنة 1933 قدّم أشهر مسرحياته 'عرس الدّم' وعام 34 'يرما' وعام 35 'لغة الزّهور'و'ديوان التماريت الذي إستلهم قصائده من مصرع صديقه مصارع الثيران سانشيت ميخياس .

وضاعت مخطوطة ديوانه 'نجوى الحب المحزون ' في الحرب الأهلية الأسبانية .

عندما عدت من قرية لوركا وبيته الصيفي كنت أسأل نفسي لماذا يحتفظ الأسبان والأوروبيون بشكل عام بكل تفاصيل حياة مبدعيهم ويخصّصون لها المتاحف في حين يموت المبدع العربي في الحياة والموت فشاعر مثل البياتي مثلا الذي كان من علامات الشّعر العربي الحديث مات دون ذكرى وكأنّه لم يكن بالمرّة وهو ليس الوحيد على طول الخارطة العربية .

إنّ الذاكرة العربية إعتادت النسيان لذلك لا نجد متاحف تضاهي متحف لوركا إذا إستثنينا طه حسين وأم كلثوم أمّا نزار قباني والبياتي والسيّاب والماغوط والطّاهر الحدّاد وغيرهم عشرات فليناموا الى الأبد في النسيان وتلك هي إحدى حكم الثقافة العربية!

شاعر من تونس
nourdine_betayeb@yahoo.fr
موقع كيكا
4/12/2010




® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600