«الطنطورية» حكاية فلسطين - بيان نويهض الحوت


لأعترف.. بأنني لست من جماعة النقّاد، بل من جماعة القرّاء؛ غير أنني أعتقد أن من حقنا نحن القرّاء، ونحن الأكثرية، أن يقول أحدنا رأيه، وها إني أقول أنني طوال الساعات وأنا أقرأ «الطنطورية» لم أستطع أن أتركها، وما كنت حقيقة أقرأ فحسب، بل أعيش مع أهل الطنطورة، وغيرهم من أهالي الطنطورة الكبرى (أي فلسطين) أعيش مع عذاباتهم، وهجراتهم، ومع الأجيال الثلاثة التي تحكي لنا عنها رقيّة.

أقول إن رقيّة تحكي.. ولم أقل تروي. ورقيّة تحكي من البداية عن شاطئ قريتها قبل أن تحكي عن القرية، وكأن البحر هو البداية التي لا نهاية لها، وكأن القرية التي ولدت على شاطئه ليست إلا تكملة للمشهد البحري، وكأن الطنطورة، التي تقع على مسافة 24 كيلومتراً إلى الجنوب من حيفا، ليست إلا شاطئ خلاب يعيش على امتداده عشّاقه.

ورقية عاشت هناك أيام الطفولة، وأول المراهقة، وكان لها أول لقاء مع شاب بهي الطلعة طلع أمامها فجأة من قلب الموج، لم يتكلما كثيراً، لكن الشاب ابن القرية المجاورة، عين غزال، واسمه يحيى، عاد وتقدم لخطبتها، وتمت الخطبة قبل أن تقتلع العصابة الصهيونية الأهل والجيران، ويرحل كل منهما إلى مكان.

هل نقول إن رقيّة بطلة الرواية؟ ممكن. لكنها في الحقيقة واحدة منهم، فلا أبطال هناك في الرواية بالمعنى التقليدي. جميعهم أبطال. وجميعهم لاجئون. ولكل واحد منهم حكاية. ويمتد العمر بالفتاة حتى ما بعد السبعين لتجد نفسها تمسك بالقلم، وتلبي رجاء ابنها حسن، فتكتب سيرة الأجيال الثلاثة: الآباء والأبناء والأحفاد.

الخلاف بين الأخوين

تحكي رقية كم كانت الطنطورة قرية وادعة، وتحكي بأنه لم يخطر في بال سكانها أن شراً مستطيراً سوف يصيبهم. كانوا موقنين بأن النصر للعرب. ولمّا وصل إلى الطنطورة بعض أهالي قيسارية بعد سقوطها، ما عاملوهم كلاجئين، بل كضيوف، وكان نصيب عائلة رقية أمّاً وولديها.

أول خلاف عائلي حاد نشأ بين أبيها «أبو الصادق» وعمها «أبو الأمين» كان يوم قرر أبو الأمين أن يرحل إلى صيدا عن طريق البحر لينقذ النساء والأطفال على الأقل، قائلاً إن اليهود احتلوا حيفا في يومين، فكيف بالطنطورة؟ وردّ عليه أخوه الأكبر أبو الصادق:

ـ حيفا نصفها يهود، وكانوا متمترسين في الكرمل، هم على الجبل ونحن في السهل. وضعنا يختلف. سيحمي الشباب زمام البلد، والحراسة موزعة من الشمال والجنوب والشرق. والقرى التي في الجبل عرب لا يهود. أهل عين غزال وجَبَع وإجزم صدّوا الهجوم ولسنا أقل منهم... الله يسهل عليك، ارحل انت وزوجتك وابنك. ولكن أنا حر في أهل بيتي.

ـ وهل صرنا بيتين يا أبو الصادق؟

ـ نعم صرنا بيتين (ص 45ـ 46).

لا تنسى رقية الليلة الأخيرة قبل الاقتلاع. حكى لها أبوها عن أجمل ذكرياته، ولأول مرة كانت تنظر في عينيه، وتكتشف كم كان وسيماً. أما صباح اليوم التالي فكانت الكارثة، إذ اقتادوا الأولاد مع أمهاتهم كالأغنام، ولم تعلم أين أخذوا الرجال.

«كنا عدة مئات من النساء والأطفال والشيوخ... حشرونا في شاحنتين وبدأت الشاحنات في التحرك. صرختُ فجأة وجذبت ذراع أمي وأنا أشير بيدي إلى كومة من الجثث. نظرت أمي إلى حيث أشير وصرخت: جميل، جميل ابن خالي! ولكنني عدت أجذب ذراعها بيدي اليسرى وأشير بيدي اليمنى إلى حيث أبي وأخواي. كانت جثثهم بجوار جثة جميل، مكوّمة بعضها لصق بعض على بعد أمتار قليلة منا (ص62).

هكذا تبتدئ الحكاية. هجرة إلى الفريديس القريبة، ثم إلى الخليل، وتمر أشهر اللجوء الأولى الصعبة من الوطن إلى الوطن، حتى تقرر أم الصادق اللحاق بعائلة أبي الأمين في صيدا، التي وصلوا إليها في مطلع العام التالي. أم الصادق، المرأة التي نظرت إلى أكوام القتلى، لم تر زوجها وولديها، ولم تصدق شهادة الشباب الذين قاموا بدفنهم، عاشت بقية عمرها تقول للناس إن زوجها معتقل لدى الإسرائيليين، وولداها الصادق وحسن تمكنا من الهروب إلى مصر!

رقية، ابنتها النحيلة الرقيقة، لم تكن ذات جمال باهر، ولا ذكاء متوقد، ولم تكمل دراستها الثانوية، لكنها كانت مثالاً حياً للفتاة الفلسطينية ابنة القرية والهجرة القسرية والأيام الصعبة. زوّجها عمها أبو الأمين من ابنه الأكبر أمين، وكان أصبح طبيباً، وكانت رقية في الخامسة عشرة، هو ابن عمها، لكنها لم تكن تعرفه، وعاشت عمرها معه حتى استشهد في مجزرة صبرا وشاتيلا، وهي حقا لا تعرفه جيدا، كان زوجاً شبه مثالي، وأباً حنوناً على أولاده الثلاثة الصادق وحسن وعبد الرحمن، والصغرى مريم، وكان هادئاً إلى الحد الذي ألقى عليها مسؤولية تربية الأولاد كاملة، ففعلت، ونجحت. الصادق أصبح في أبو ظبي من رجال الأعمال، وحسن أصبح كاتباً وأستاذاَ وذهب ليعيش في باريس. وأما عبد الرحمن فتحول عن دراسة الهندسة قبل عام من تخرجه ليدرس الحقوق ويدافع عن شعبه. ومريم كبرت وقررت أن تدرس الطب.

أما جوهر هذه الحكاية فليس الأحداث نفسها، بل الشخصيات والقيم والمبادئ، وإن كان لا بد من بطل لكل رواية، فالبطل هنا هو الناس بمجموعهم، هو المشهد الإنساني، هو حياة اللاجئ اليومية في المخيّم ، هو التطور من ذل اللجوء إلى عنفوان الثورة.

أبو الأمين

نتوقف عند مثال أبو الأمين، وهو اللاجئ الذي رفض استيعاب معنى أن يكون لاجئاً. سكن في صيدا خارج المخيم، وكان يتحاشى دخول المخيم. رفض أن يسجّل اسمه وأسماء أفراد عائلته في وكالة الغوث. ابنه عز الدين فعل ذلك من دون علمه، حفاظاً على الهوية. أما بعد «الثورة» أو «العمل الفدائي» فصار للمخيم مكانة أخرى في نفسه. وتقول رقية:

«صار عمي أبو الأمين يشرب قهوته بسرعة في الصباح ثم يرتدي قمبازه والجاكيت ويضبط الحطَّة والعقال، ويمسك بعصاه، ويعلن لخالتي بصوت جهوري: «لا تنتظريني على الغداء يا حليمة، سأقضي اليوم في المخيم، لديّ شغل كثير». وأحيانا كان ينام في المخيم، وأصبحت له شعبية كبيرة، فهو ينقل للشباب خبرته كاملة بالسلاح والطرقات، فضلا عن سرده لذكرياته منذ أيام الشيخ القسام».

وتمرّ السنوات، وأبو الأمين يشارك في كل المظاهرات. وتقول رقية: «لا يكتفي عمي بالمشاركة في مظاهرة تنطلق من ساحة باب السراي في صيدا القديمة أو من عين الحلوة بل يسافر من بلد إلى بلد «لأنه واجب» (ص159). وكان يركب سيارة أجرة لينطلق في مظاهرة في صور، أو الخيام، أو النبطية، أو بنت جبيل، أو الرشيدية. وقبل عام من وفاته شارك في مظاهرة نظمها الإمام موسى الصدر للمطالبة بتسليح القرى الحدودية، لم يقتنع بأن المظاهرة للشيعة. رد على ابنه عز الدين: «يا عيب الشوم. لم يقصِّروا فينا، كيف نقصِّر فيهم؟» (ص159).

في أيامه الأخيرة كان يستفيض في الحديث عن ذكرياته في فلسطين، وينهيها كل مرة بتفاصيل الخناقة مع أخيه. «لم يفهمني أخوي. غضب عليّ. ذهب دون أن أودِّعه. وكلما عدت إلى البلد تسللاً، أزور قبر أمي وأبي ولكني لا أعرف مكان قبره لأصالحه وأراضيه» (ص169).

مفتاح الدار

ثمة بطل مستقل بشخصيته في «الطنطورية» هو مفتاح الدار.

كل امرأة في المخيم كانت تحتفظ بمفتاح الدار الحديدي حول رقبتها، أو في مكان أمين جداً. أم الأمين، أعطت رقية بعد وفاة أمها مفتاح الدار، وتعجبت رقية حين علمت بأن أمها كانت تضعه حول رقبتها من دون انقطاع. وهكذا.. فعلت مثلها. وتروي رقية ماذا فعل أهل مخيم عين الحلوة في اليوم الأول لحرب حزيران 1967:

«أخرجوا مفاتيح دورهم واستعدوا بهوياتهم وأوراق الطابو (سندات الملكية) التي تثبت ملكيتهم للأراضي والبيوت». وتعود لتتحدث كيف ابتدأت النساء يعرّبن الثياب: ماذا للعودة وماذا يفرقن... أما أم الأمين، وقد كانت تسكن صيدا لا المخيم، فهي راحت تطوف على الجيران وجيران الجيران تودعهم وتدعوهم لزيارتها في الطنطورة، وتقول: «دارنا واسعة وأهلاً وسهلاً بالجميع. أمانة لا تطوّلوا علينا. سنكون في الانتظار».

مرت السنوات الطوال، وتحرر الجنوب. وكانت رقية قد عادت لتسكن في صيدا، وعلمت بأن باصات كبيرة ستحمل اللاجئين نحو الحدود، هناك حيث يلتقون بالجموع القادمة من فلسطين المحتلة، فذهبت لتشارك في هذا اليوم العظيم. وكان الدعاء في الباصات ينطلق للسيد حسن نصر الله. وهناك عبر الأسلاك الشائكة كان كلام وأشواق وتحيات وأخبار، وفوجئت رقية بابنها حسن، وكان في زيارة لفلسطين من باريس، يقف على الجانب الآخر من الأسلاك مع زوجته وولديه، والطفلة الوليدة رقية، وتناولت رقية الجدة الطفلة من فوق الأسلاك، قبلتها، وفكرت ماذا تهديها، فقامت بنزع المفتاح من عنقها وتعليقه على رقبة الطفلة، وهي تصرخ ليسمعها حسن جيداً: «مفتاح دارنا يا حسن. هديتي إلى رقية الصغيرة» (ص453).

أي جديدٍ في الحكاية؟

تمر رقية على حياة الفلسطينيين في مخيمات لبنان وعلى أرض فلسطين بصورة عفوية للغاية، وعلى لسان هذا أو ذاك، وهي نفسها عملت سنوات في مخيم شاتيلا في محو الأمية، وهي استمرت تتابع مسيرة شعبها يوم انتقلت إلى أبو ظبي لتعيش مع ابنها الصادق، أو يوم سكنت الاسكندرية مع مريم لتكمل دراستها. كذلك نقرأ في هذه الحكاية أخبار الحروب مع إسرائيل، والأخبار عن حياة المعتقلات في إسرائيل، وأخبار الانتفاضـــة والأخبار جزء أساسي من الحكاية، لا مــجرد إضــافات. أما الجديد حقا فهو: الأبطال من خارج سيـــاق الحكاية، وهؤلاء الأبطال لم يُذكروا لأهميتهم فحسب، بل للحب والأثر الــعميق لكل منهم في نفوس أهل الحكاية، كرقية أو ابنــها حــسن او ابنتــها مريم، او غيرهم. من هؤلاء الكبار الذين دخلوا نسيج الحكاية كان غسان كنــفاني ومعــروف سعد وأنيس صايغ وناجي العلي الذي كانت رقية تحــتفظ برســومه الكاريكــاتورية في حقيبة يدها حين تسافر، وقد ورثت مريــم عنــها هذا الحب، وكتبت عن نــاجي العــلي فــي خاطــرة لها:

- رسوم ناجي العلي تعرّفنا بأنفسنا.

- وعندما نعرف نستطيع.

- ربما لذلك اغتالوه» (ص337).

والجديد أيضاً هو التقارير رسمية، والمقابلات السرية، والتحقيقات التي تدخل في صلب الحكاية. فرسالة رضوى عاشور أن تنقل إلى القارئ عمق الحدث، كمجزرة صبرا وشاتيلا، وأن تتحدث عن مكانة إنسان كبير كأنيس صايغ، غير أن الحديث لا يأتي من خارج السياق، فالعلاقة التي ربطت ولدها حسن، مذ كان فتى مراهقاً، بالدكتور صايغ، كانت علاقة نادرة وصادقة. وكبر حسن، وكتب عن سرقة مكتبة المركز، ومصيرها. وأعترف بأني لم أتصور يوماً أن خير ما أطلع عليه في هذا الشأن سوف يكون صفحات من رواية!

أخيراً...

أعود إلى التساؤلات التي أثرتها في البداية لأقول إن الروايات التاريخية الكلاسيكية، كروايات جرجي زيدان، ينسج كاتبها حول التاريخ وأحداثه وشخصياته الحقيقية شخصياتٍ أخرى متخيَّلة وأحداثاً متخيَّلة أيضاً، كي يُقرأ التاريخ بأسلوب أدبي روائي. هنا المسألة مختلفة تماما. رضوى عاشور كتبت رواية دمجت في أحداثها أحداثاً وشخصيات وتقارير رسمية لتصبح جزءا لا يتجزأ من «الرواية» نفسها. إنه عمل مهم، وجرأة نادرة، وقد تمكنت من القيام بذلك من دون المساس بروح الرواية أو غاياتها أو أسلوبها أو رفعتها الأدبية.

إن عملاً كهذا لا يخضع للمقاييس العادية والتصنيفات المعهودة، فرضوى كتبت عن فلسطين، وما كان همها الطنطورة وحدها، أو أهلها وحدهم؛ ومن يقرأ هذا الكتاب يعرف ما معنى النكبة، وما معنى خسارة الوطن، وما معنى اللجوء، وما معنى حياة اللجوء على أرض الوطن نفــسه، قبــل اللجـوء إلى سواه.

أمّا لماذا أعتز حين أقول بأنها حكاية فلسطين؟ لأن الشعب عادة يحكي تراثه وحكاياته الشعبية والأهوال التي مر بها، لكنه لا يؤلف، فكلمة الرواية تحتوي على معاني الصناعة الأدبية، وروعة هذه «الرواية» أنها تحمل القارئ إلى قلب العــائلة والمخيم والهجرة تلو الهجرة عبر الأجيال، إنها هرم من حكايات الناس.

لذلك فإنني أرى في كلمة «حكاية» هنا تعظيماً وتكريماً. ويبدو أن هذه الحكاية لا تنتهي.. ففي المشهد الأخير نرى رقية وهي ذاهبة إلى المخيم لتبحث عن فتى رسام كانت التقته في الرحلة إلى الجنوب اللبناني مصادفة. فتح أمامها دفتر رسوماته، كان حقا موهوباً. سألته عن مكان سكناه، فقال: «عين الحلوة»، سألته عن اسمه، فقال: «ناجي». فذهبت تبحث عن ناجي. عن الأمل.

*رضوى عاشور، «الطنطورية» (رواية)، القاهرة: دار الشروق، 2010


فلسطين 6 - (السفير) 5/11/2010




® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600