الصحف الأدبية في الحارات المقدسية في العهد العثماني - مهند عبد السلام تميم


عرفت فلسطين الصحافة منذ عام 1876 باصدار السلطات العثمانية جريدتين رسميتين هما ' القدس الشريف' و' الغزال' .

أما الصحافة الفلسطينية الوطنية فولدت عام 1908 باعلان الدستور العثماني الذي أجاز اصدار الصحف. وتميزت فلسطين بتنوع صحفها (أدبية ـ سياسية ـ وحتى اقتصادية) مقارنة بالدول العربية واتسمت وخصوصا الأدبية منها بقصر عمرها نتيجة للصعوبات المالية التي اشتدت مع اقتراب الحرب العالمية الأولى وبتضييق السلطات العثمانية ( والبريطانية لاحقا) الرافضة لتوجهها الوطني العروبي.

' الأصمعــي'

وشهدت القدس ميلاد أولى الصحف الأدبية الفلسطينية في الأول من أيلول ( سبتمبر) 1908 على يد حناعبدالله العيسى الذي أسس مجلة أدبية اجتماعية أسماها ' الأصمعي' وكانت تطبع وتحرر في القدس. وجذبت المجلة عدداً من الأدباء على رأسهم اسعاف النشاشيبي وخليل السكاكيني، وأخذت على عاتقها النهوض باللغة العربية لمواجهة التتريك وخدمة الثقافة والآداب وتنوير العقول فذكرت في احدى أعدادها أن ' الأمة ليست في حاجة لأن يكون جميع أفرادها سياسيين بل هي أحوج لفهم المسائل الاجتماعية والثقافية والادبية والعمرانية والاقتصادية والادارية'، واتسمت كتابات حنا العيسى بالسلاسة والعبارات الفصيحة التي يسهل فهمها على الخاصة والعامة، وجاء في افتتاحية العدد الاول أن من واجبات المجلة ' السعي وراء كل ما هو نافع للانسان والانسانية والوطن والوطنية وتوطيد دعائم القومية وتمتين روابط الجنسية' وطالبت بضرورة تعليم المرأة ودعم الفلاحين، وبالطبع ' الاصمعي' كغيرها من الصحف الادبية لم تبتعد عن الشأن السياسي فانتقدت الحكومة التي تساعد المهاجرين اليهود في شراء الأراضي، واستمرت المجلة في الصدور حوالي عام واحد أصدرت فيها 11 عددا وتوقفت في 12/9/1909 حين توفي صاحبها .

' القــدس'

كما صدر في زهرة المدائن جريدة علمية أدبية اخبارية وهي ' القدس' لجورجي حبيب حنانيا في 18/9/1908 وكانت تصدر مرتين في الاسبوع وتطبع في مطبعة حنانيا نفسه والتي تعتبر من أولى المطابع الوطنية التي تعمل على خدمة الوطن أجمع بمختلف أطيافه، وعملت ' القدس' على نشر أخبار بيت المقدس والمدن المجاورة كما نشرت مقتطفات مترجمة لموضوعات أدبية واجتماعية منشورة في صحف أجنبية، وكانت تطبع من كل عدد حوالي 1500 نسخة وحافظت على مستوى أدبي رفيع بنشرها مقالات وأشعار لكتاب مرموقين أمثال الشيخ علي الريماوي وخليل السكاكيني، ويذكر أن في احدى مقالات جورجي المنشورة في 6/11/1909 ردا على تقرير ينوه أن الكاثوليك في بيت لحم يرفضون تعميد أبناءهم على أيدي رجال دين محليين ويطلبون ارسال رجل دين خاص بهذا الغرض يقول ' متى كنا نحني رؤوسنا أمام الأجانب..... هل كتب للأجانب أن يتحكموا فينا دائما ماديا وثقافيا وروحيا؟..... أليس من واجبنا أن نعيش مستقلين؟ الا يتعين علينا السعي لجعل مدارسنا ومشافينا وطنية بالكامل؟ اذا لم نفعل ذلك فلن ننجح ولن نتطور ونزدهر بل سنبقى الى الابد تحت الهيمنة الأجنبية'. وما ان بلغ عمر المجلة الستة أعوام حتى أشهر حنانيا افلاسه فأغلق المجلة وغادر فلسطين بعد انكشاف عضويته في جمعية ' فلسطين الفتاة' المناهضة للسلطات العثمانية .

' النفائـــس العــصرية'

ومن المساهمين في الصحافة الادبية رائد القصة الحديثة خليل بيدس أحد الناشطين في الحركة الوطنية الفلسطينية الذي أسس مجلة ' النفائس العصرية' عام 1909 في حيفا ثم انتقلت الى القدس سنة 1911 وكانت مجلة فكاهية أدبية، واتخذ الصحافيون وعلى رأسهم بيدس من القصة سبيلا ً لتغذية القراء ثقافيا، وهو القائل في صحيفته أن للرواية ' تأثيراً خطيراً في القلوب والعقول حتى اعتبرت من أعظم أركان المدنية بالنظر الى ما تستنبطه من الحكمة في تثقيف الأخلاق'.

وعمل بيدس على نقل الأدب الروسي من خلال ترجماته لعدد من الكتاب الروس أمثال بوشكين (ابنة القبطان) وتولستوي ( أهوال الاستبداد) كما ضمت المجلة أدباء كباراً أمثال الريماوي، عبدالله البستاني، اسكندرالخوري، ابراهيم نجار وبولس خولي، وبفضل ذلك ازدادت انتشارا تجاوز فلسطين الى الدول العربية والمهجر، وحذر اسعاف النشاشيبي على صفحاتها من الخطر الصهيوني والاحتلال الأجنبي قائلا:

يا فتاة العرب جودي بالدماء بدل الدمع اذا رمت البكاء

فلقد ولت فلسطين ولم يبق يا أخت العلا غير الدماء

ونبه الى خدعة بيع الأراضي للصهاينة:

انها أوطانكم فاستيقظوا لا تبيعوها لقوم دخلاء

فاعلموا يا قوم ان لم تعلموا أن عقابكم هلاك وفناء

اذكروا أن غركم مالهم عزة الأنفس دوما الاباء

توقفت المجلة في عام 1914 ثم عادت للصدور عام 1919 حتى احتجبت نهائيا عام 1923.

' الدســـتور'

وفي السادس من كانون الأول ( ديسمبر) 1910 أصدرت المدرسة الدستورية التي أسسها خليل السكاكيني مجلة ' الدستور' وعملت على نشر المواضيع العلمية والثقافية وكانت تصدر مرتين في الاسبوع وعملت على تدريب الطلاب على الكتابة الصحافية، وفي عام 1913 ترأس تحريرها جميل الخالدي الذي تحدى وطلابه قرار اغلاق جريدة ' فلسطين' المناهضة للسلطات العثمانية والتي كانت تصدر في يافا وأصدروا عددا واحدا منها تضامنا معها .

' المنــادي'

وعرف بيت المقدس أول جريدة عربية اسلامية في فلسطين وهي ' المنادي' على يد سعيد جارالله و محمد موسى المغربي ( كمحرر فيها) في 8/2/1912، تطرقت للمواضيع الأدبية والاجتماعية والسياسية، وكانت أسبوعية تدعو الى الاصلاح الاجتماعي وهاجمت السلطات العثمانية لاهمالها التعليم واللغة العربية، و' المنادي' أول من تبنى المطالبة بالزامية التعليم . كما لاقت منذ أعدادها الأولى نجاحا واقبالا جماهيريا أرجعه المغربي الى ' لا تكاد ترى فيها ( المنادي) خبرا لا يهم الفلسطينيين أو يخرج عن أحوال بلادهم.... وسهلنا على جميع الطبقات تلاوته بتخفيض قيمة الاشتراك فيه وتكييف عباراته بصورة لا يعسر فهمها على العامي ولا يأباها الخاص' ( العدد12 تاريخ 14/4/1912 ).

وعالجت الصحيفة شؤون الأوقاف والمحاكم الشرعية ودعت إلى إصلاح المدارس الاسلامية، وتصدت للاستيطان اليهودي في فلسطين، واستمرت في عطاءاتها حتى توقفها عن الاصدار لأسباب مالية في 17/7/1913 حيث أصدرت 73 عددا.

'المنــهل'

وبعد شهر على وجه التقريب من توقف ' المنادي' أصدر محمد موسى المغربي مجلة ' المنهل' الشهرية في 15/8/1913 التي تناولت المواضيع الأدبية والتاريخية والاجتماعية . وصدر العدد الأول منها في 40 صفحة وأكدت افتتاحية عددها الأول بأن لا تدخر قوة في اعزاز مقام الأمة العربية وتنمية آدابها، وازدانت المجلة بكتابات الشيخ علي الريماوي، اسعاف النشاشيبي، خليل السكاكيني، أديب فرحات وعاشت لعام واحد فقط، لتبدأ الحرب العالمية الأولى وينتصر الحلفاء وتخوض الصحافة الوطنية والأدبية منها معركة جديدة مع الاحتلال البريطاني والصهيونية .

المراجع والمصادر:

ـ الصحافة العربية في فلسطين: يوسف الجوزي

ـ تاريخ الصحافة العربية 4ج: فيليب دي طرازي

ـ الصحافة العربية نشأتها وتطورها: أديب مروة

ـ صحافة فلسطين: عايدة النجار

ـ الموسوعة الفلسطينية

ـ دليل كتاب فلسطين: طلعت سقيرق

ـ الموسوعة الصحفية العربية: حسين عودات ويسين الشكر

ـ تاريخ الصحافة العربية في فلسطين 1876- 1948: أحمد خليل العقاد


14/10/2010




® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600