الفن يعانق الحجارة في استوديو ' ع موقف دارينا' في الناصرة - ناجي ظاهر


يقوم قرب حافة احد مقاطع الشارع المحاذي لدير السالزيان ومدرسته في مدينة الناصرة، استوديو فني، يحمل اسم ' ع موقف دارينا'.

يلفت نظر من يقترب من باب هذا الاستوديو ذاك القـِدم الذي يوحي بالماضي، رغم اشراقة الحاضر المنبعثة منه. تدخل الى هذا الاستوديو فتصادف ادوات اثرية تنقل اليك الماضي، رائحته وعبقه الذكي، اما على الجدران محدودة المساحة، كون مساحة الاستوديو لا تتجاوز عددا محدودا جدا من الامتار المربعة، فسوف تلفت نظرك عدد من اللوحات الفنية، التي ابدعتها يد الفنانة صاحبة الاستوديو، خلال العقد الماضي الاخير تحديدا.

صاحبة هذا الاستوديو الفنانة ماري فرح، من مواليد مدينة الناصرة، بفخر كما تقول، افتتحته قبل نحو السنتين، لرغبة في نفسها، مع انه بامكان من تعجبه واحدة من القطع التراثية او اللوحات ان يشتريها.

تقول ماري انها تحب ما يتضمنه الاستوديو، وانها لا تعبأ بأن تبيع او لا تفعل، ما يهمها هو ان تقضي ساعاتها الطيبة، بعد انتهاء دوامها في تعليم اللغة الانكليزية لطلاب مدرسة عمال الثانوية، في الاستوديو. ماري تضيف انها تعتبر نفسها هاوية للفن التشكيلي، اما ما يدفعها للرسم فانه الحب الغامر لمدينتها الناصرة، وتفكيرها الدائم في اناس واماكن، يمكن ان تنظر حولك بعد فترة من الزمن، فلا ترى لأي منهم اثرا، هي تريد ان توثق للمكان بفرحها وطباشيرها، كما تقول، وتتابع ان علاقتها بمدينة الناصرة تعود للحظات الاولى لتفتح وعيها على الحياة، منذ وعت ماري الدنيا ولامست يداها حجارة حارتها في حي السوق القديم من الناصرة - البلدة القديمة، وهي منبهرة بما تحمله تلك الحجارة من معان موغلة في مدى الزمن، ربما لهذا اطلقت على معرضها الشخصي في عام 2008، اسم ' عناق الحجارة'. المعرض اقيم في المركز الثقافي البلدي في الناصرة، تحت رعاية نائب رئيس بلدية المدينة علي سلام، وحضر افتتاحه العشرات من محبي الفن. اقامت ماري عددا من المعارض كان آخرها مع اربع فنانات من الناصرة، افتتح تحت رعاية رئيس بلدية الناصرة ذاته المهندس رامز جرايسي.

اجابة على سؤال ردت ماري قائلة، ان علاقة تاريخية وطيدة تربطها بمدينة الناصرة، تعود بدايتها الى اكثر من ثلاثمئة عام، حينما قدم جدها فرح في القرن الثامن عشر للاقامة في الناصرة مفضلا اياها على سواها من الاماكن القريبة من قلبه المحبوبة لديه.

هذا عن جدها الاكبر، جد عائلتها، اما عن جدها والد والدتها، الصائغ باسم فرح، الفنان عازف العود، فانها تقول، انه ترك الناصرة عام النكبة، متوجها الى القطر العربي اللبناني، غير انه ما لبث ان عاد الى الناصرة، ' لم يتمكن من البقاء بعيدا عنها، حمله شوقه على جناحيه ليعود اليها، هو لم يكن يتصور ان يواصل العيش، وان يشيخ في شوارع اخرى غريبة غير شوارع ناصرته. غلبه الشوق الى مرابع صباه فعاد اليها مصمما على البقاء فيها حتى يومه الاخير.

وهذا.. ما كان.

علاقة ماري بالناصرة، كما تقول، تظهر بوضوح في لوحاتها التي اتخذت فيها من السوق مساحة تتحرك فيها، وتضيف قائلة، انها تعشق سوق الناصرة القديم، في البلدة العتيقة، وان الاجواء الخاصة بالسوق، تركت بصماتها على روحها وشخصيتها الفنية. ' من يريد ان يعرف داخلي، يمكنه ان يتمعن في ما انتجته من لوحات لها علاقة بالسوق فيكون له ما يريد'.

تستعمل ماري في انتاجها لرسماتها الطباشيرالناشفة، اما تنفيذ الرسم، فانه يتم بالاصابع. ملامسة اصابع ماري للوحاتها يزيد في ارتباطها بما تنتجه من هذه اللوحات، ويترك لها المساحة لان ترتبط بما تنتجه من لوحات بصورة مباشرة ودون اية فواصل، تقول مضيفة ً انها تستقي المواضيع البادية في لوحاتها من تجربتها الشخصية، ومن علاقتها بمدينتها المنغرسة في اعماق وجدانها.

الشارع المفضي الى بيت عائلة فرح في السوق القديم من مدينة الناصرة، العربي يعتمر الكوفية والعقال المتكئ على عصاه، شبابيك البيوت في سوق الناصرة، عين العذراء، كنيسة البشارة، الصبية تحمل على رأسها جرة الماء، هذه كلها بعضٌ من لوحات ماري فرح، ' اذا لم اقم بالتوثيق لهذه المناظر عبر مشاعري واحاسيسي العامرة بالحب لها، من سيقوم بهذه المهمة؟'، تتساءل فرح وهي تعدل وضع لوحة في الاستوديو.

تقضي ماري ساعات فراغها في ممارسة محبتها للفن وعالمه الجميل، في استوديو ' ع موقف دارينا'، وعادة ما تكون هذه الساعات بعد الدوام في مدرسة عمال الثانوية لتعليم الطلاب اللغة الانكليزية، تقول وهي تبتسم مشيعة إياي باتجاه باب الاستوديو، ' اذا اردت الزيارة او الاتصال، يـُفضّل ان يتم هذا في ساعات ما بعد الظهر، في هذه الساعات عادة اكون هنا في الاستوديو الى جانب لوحاتي، وادواتي الصغيرة في حجومها الكبيرة في معانيها.'



عن القدس العربي
30/09/2010




® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600