صفحة البداية
عن الجمعية
حق العودة
عن سحماتا
أخبار سحماتا
مواقف ونشاطات
شهادات وذكريات
مقالات و دراسات
أخبار منوعة
فن, تراث وحكايات
قوس قزح
من رياض الثقافة
والأدب
أفلام وأغاني
صور سحماتا
دنيا الأطفال
تعزيات
روابط مميزة
دفتر الزوار
اتصل بنا
English

الحقيقة الثقافية - الياس خوري

كان لا بد من هذا الغياب الفاجع كي نكتشف ان فلسطين صارت حقيقة ثقافية كبرى. محمود درويش بحضوره المشرق، وبالأفق الشعري الذي افتتحه، اكد حقيقة ان النكبة لم تصنع لغتها فقط ، بل صنعت وطنا، وبنت ارضا ثابتة للصراع مع الاحتلال.

ركّز ادوارد سعيد على فكرة فلسطين، فالوطن فكرة تعطي المعنى للأشياء، وبنى غسان كنفاني الواقع كسؤال من اجل بناء الهوية بأفق نضالي، واستعاد اميل حبيبي الذات المنقسمة راسما التراجيديا بكلمات السخرية المرة. اما محمود درويش فكان سيد اللغة، وابن المكان وصانعه. جعل من فلسطين قصيدة كونية، وبنى 'سقف السماء' بحجارة الأرض.

كان لا بد من شاعر كي يستقيم المعنى، وتتشكل الهوية وترتسم الأرض. فالتأسيس يبدأ في الشعر، وفي الأفق الذي يعيد فيه المجاز تأويل الواقع، وتسميته.

تبلور الثقافة الفلسطينية في العلاقة بين الوطن والمنافي، جعل من فلسطين حقيقة على خريطة التاريخ، قبل ان تصير حقيقة سياسية. وهنا تكمن اهمية جيل التأسيس في صوغ الأفق الثقافي الفلسطيني، من احسان عباس الى جبرا ابرهيم جبرا الى وليد الخالدي وانيس صايغ...

تنبهت الطليعة الثقافية الفلسطينية مبكرا الى ان فلسطين المهددة بالامحاء، لا تستطيع ان تواجه آلة الجريمة الصهيونية المسلحة بلغة الضحية، من دون بلورة لغة متكاملة، ومن دون الاستيلاء على الحكاية، فالأرض واللغة تؤامان. لا وطن بلا فكرة، ولا فكرة بلا لغة جديدة.

وفلسطين الممتدة على الساحل السوري، لا تكون بلا افق عربي. لغة فلسطين ومداها ومعناها هو العربية لغة وثقافة وفضاء. ولدت فكرة فلسطين الكونية الثقافية كتجديد للثقافة العربية نفسها، وهو تجديد يطاول مختلف النواحي من النقد الاجتماعي والفكري الى النقد الأدبي، ومن الرواية الى السينما والمسرح والأغنية وصولا الى الشعر. ولا يضير الفكرة ان يشارك في تأسيسها كتاب وفنانون عرب وغير فلسطينيين، مثلما لا يضير القضية ان يستشهد من اجلها الوف المناضلين والمقاومين العرب غير الفلسطينيين.

ولدت هذه الثقافة كبداية للمقاومة وفي لهبها. العلاقة بين الفدائي والكاتب مثلما جسدها غسان كنفاني وكمال ناصر سوف تحتل المشهد بأسره في مرحلة طويلة امتدت من ستينات القرن الماضي الى تسعيناته. ولد 'احمد الزعتر' في رماد مخيم تل الزعتر، مثلما ولدت 'ام سعد' في مخيم برج البراجنة في مرحلة بداية العمل الفدائي. هذه اللغة المجبولة بالدم والمأساة كانت تمتلك وعيها المفارق. كانت منذ البداية، اي منذ قصيدة 'جندي يحلم بالزنابق البيضاء'، تطل على المشهد بعيون من يؤسس لا من يسعى الى الانتقام. التأسيس فعل مستقبلي، اما الانتقام فرد فعل على الماضي، وحنين مريض الى زمن العجز والهزيمة.

العلاقة بين المقاومة كفعل سياسي نضالي، وبين الثقافة كتأسيس جديد لفكرة فلسطين، هي مفصل الثقافة الفلسطينية . في هذا المفصل وصلت التجربة الثقافية الى ذروتها التأسيسية مع محمود درويش، حيث نجح الشاعر في تلخيص الشعر العربي الحديث، قبل ان ينطلق منذ 'ورد اقل' و'لماذا تركت الحصان وحيدا'، الى رحاب الملحمية الغنائية التي جعلت من فلسطين استعارة كونية كبرى، وحولت جسد الشاعر في مواجهة الألم والموت، الى ارض لحصان امرئ القيس، وهو يطل على تاريخنا من نافذة صنعها مثنى انقسام الأنا الى نصفين.

اربعون محمود درويش ليست مناسبة للرثاء، عدا ان الشاعر اقفل الرثاء حين استعار قصيدة مالك بن الريب في كتابه 'في حضرة الغياب'، ورثى الزمن في اجمل مرثية كتبتها العرب. انها لحظة للتأمل في المستقبل مع غياب رعيل المؤسسين، وبعد موت الشاعر، الذي اسس لغة جديدة في المجاز، وحول قضية العدالة الى قضية شعرية وثقافية.

مستقبل فلسطين التي تعيش ازمتها السياسية الكبرى اليوم، يكمن في قدرة الثقافة على مقاومة لحظة الانحطاط الراهنة، وفي اكتشاف آفاق ابداعية جديدة، كي تصوب الثقافة النضال الوطني، وتعيد للمقاومة افقها، كتجسيد لفكرة فلسطين.

فلسطين الوطن لا تستطيع ان تكون من دون افقها الانساني. الحلم الدرويشي صار اليوم بناء ادبيا شامخا، تستطيع الثقافة ان تجعله بيتا لمستقبلها، وتنطلق منه كي تتابع مسيرة بناء وطن من كلمات وحقائق.


23/09/2008



® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600