صفحة البداية
عن الجمعية
حق العودة
عن سحماتا
أخبار سحماتا
مواقف ونشاطات
شهادات وذكريات
مقالات و دراسات
أخبار منوعة
فن, تراث وحكايات
قوس قزح
من رياض الثقافة
والأدب
أفلام وأغاني
صور سحماتا
دنيا الأطفال
تعزيات
روابط مميزة
دفتر الزوار
اتصل بنا
English

شهادات وذكريات



"شواهد قبور المسلمين والمسيحيين في قرية سحماتا تشهد على الجريمة"


* تقرير أعده محمد كيال

يبدو ان الاموات ليسوا بعيدين عن الاحياء، فالاعتداءات تطال ايضا من هم في في القبور.

في الآونة الاخيرة اقتحم مجهولون مقبرتي المسلمين والمسيحيين في قرية سحماتا المهدومة منذ عام 1948 وسرقوا حجارة وشواهد القبور من المقبرة الاسلامية وانتزعوا حجرا كان فوق ضريح مختار القرية المرحوم قيصر سمعان الذي كان قد نقل من كنيسة القرية الى المقبرة.

سحماتا، بلدة تاريخية تقع في شمال فلسطين، شرقي بلدة ترشيحا، ولا يعرف بالضبط من اين جاء اسم القرية. كامل العبد قدورة، احد ابناء سحماتا، يسكن في قرية الرامة حاليا، روى لنا نقلا عن جده ان شخصا موسراً يدعى "متى" اصيب بمرض السل وانه نصح بأن يسكن على رأس التلة. ففعل ذلك وقد صح هناك، فقالوا "صح متى" وحرفت العبارة لتصبح سحماتا. وهذه هي الرواية الشائعة.
وفي كتابه عن عكا وقراها، يقول الاستاذ ناجي مخول: "ان سحماتا بلدة كنعانية اقيمت على تلين مرتفعين"، يفصل الواحد عن الآخر، حاليا، طريق معلوت صفد.

توجهنا الى سحماتا برفقة الشاب اميل سمعان، ابن القرية الذي يسكن اليوم في حيفا، وكان اميل قد ابلغنا عن سرقة حجارة المقبرة قبل ذلك بيومين، مع ان عملية السرقة والانتهاك قد تمت قبل شهور طويلة. الفينا القرية مسيجة من جميع الجهات، ولكننا دخلناها ولم نلق احدا هناك. في مركز القرية واجهتنا لافتة كتب عليها: مواقع اثرية، كما وجدنا الاطلال والانقاض. كانت القرية أثرية وقديمة وعادت في القرن العشرين لتصبح أثرية مرة ثانية فانضمت الاطلال الحديثة الى الاطلال القديمة، ولم يبق فيها سوى جدارين يوشكان على السقوط، هما جدارا الكنيسة واطلال جامع لم يسلم من الهدم، وحوض ماء كبير جاف ومقبرتان واشجار الفاكهة الرمان والتين والصبير وبعض الاشجار التي ظلت صامدة. وفي مركز القرية، التقينا ابو سليم رزق قيصر سمعان، عم اميل الذي جاء برفقة صالح خير، درزي من قرية البقيعة المجاورة، الذي جاء ليقطف الصبير.
التقينا عند البركة الجافة التي كانت مصدرا لري النباتات وسقاية المواشي، حيث كانت سحماتا بلدة عامرة. ابو سليم قال: ان صالح متدين وانه جاء برفقته وباذن منه ليقطف الصبير، كي لا يتهمه اهالي القرية "بأنه سارق". هناك على الطريق الرئيسي في القرية شاهدنا آثار البلاط وآثار الفسيفساء، اضافة الى روث بقر "موشاب تسوريئيل" المجاور، القائم على اراضي سحماتا مع سقيفة "موشاب حوسن". تقدمنا قليلا فالتقينا برجل يعتمر قبعة دينية، اسمه حبيب عمار، كان يحمل دلوا مليئا بالزيتون الاخضر. حبيب يسكن في "تسوريئيل" ويقطف اثمار اشجار زيتون سحماتا منذ 16 عاما.

قال: "لي ارض في سحماتا، فيها زيتون وتين ورمان!!! الحكومة اعطتني هذه الارض، واضاف ردا على سؤالي "لا اعارض عودة اهالي سحماتا الى بلدهم، ولكن الحكومة لا تريد ذلك". ابو سليم (64 عاما) من عائلة سمعان، التي سكنت القرية حتى عام 1948. يعرف خارطة القرية جيدا ويعرف موقع كل منزل فيها. قال مشيرا بيده: هنا دار مبدا سمعان، وهناك دار فهد سمعان، وهذا بيت المختار قيصر سمعان وابنه جريس الذي اصبح مختارا من بعده. لم تكن هناك سوى الحجارة، ولكن ابو سليم يحدد موقع كل بيت في القرية.
غالبية سكان سحماتا كانوا من المسلمين، وفي عام 1948 لم يتجاوز عدد سكانها 1200 نسمة، بينهم حوالي 60 شخصا من المسيحيين. وابو سليم كان طيلة الوقت يؤشر بيده الى مواقع بيوت ابناء القرية من عائلات قدورة، وموسى، وعسقول، واليماني، والجشي، ومحمود اضافة الى عائلة سمعان.
كانت عائلة قدورة اكبر عائلات القرية، وشكلت اكثر من نصف سكانها. وكانت تملك اراضي واسعة مفلوحة ومغروسة بالزيتون. كما ان عائلة موسى كانت تمتلك اراضي واسعة ايضا وكان لعائلة سمعان حصة كبيرة من اراضي القرية. كان في سحماتا جامع، وكنيسة من ايام البيزنطيين، ولكن معاول الهدم الصهيونية لم تستثن شيئا، فاطاحت بالاماكن المقدسة ايضا. لم يبق من الكنيسة سوى جدارين يوشكان على السقوط. الصليب الذي انتصب عند باب الكنيسة الغربي سرق، وروث بقر "تسوريئيل" غطى ارضية بقايا الكنيسة والمدخلين الغربي والجنوبي لها.

جامع القرية يقع على بعد 50 مترا فقط من الكنيسة، (كقرب المسيحيين من المسلمين) لم يبق منه سوى الحجارة المغطاة بالاشواك والنباتات البرية في قرية كانت مأهولة بالسكان.
يقول ابو سليم: "كان الشيخ والخوري يتبادلان الزيارات دائما. كان الخوري يأتي من سخنين ويلتقي الشيخ محمود الجشي والشيخ شحادة الجشي والشيخ مصطفى سلمون وشقيه الشيخ عبد الله. كانت العلاقات بين المسلمين والمسيحيين ممتازة".

ابو عفيف، سمعان قيصر سمعان (82 عاما)، يسكن في حيفا منذ 33 عاما. يقول: كنا عائلة واحدة في القرية، وعندما تزوجت كان الشباين من المسلمين، زوجته ام عفيف تؤكد ما يقول وتضيف: كان الشباب والصبايا من المسلمين والمسيحيين ينظفون الكنيسة والجامع سوية. بالقرب من الكنيسة يقع بيت ابراهيم قدورة وبجواره بيت عائلة ابو ماهر، احمد اليماني، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير سابقا. ولد ابو ماهر في سحماتا قبل حوالي 70 عاما، يقول ابو عفيف ان علاقات الاخوة والمحبة كانت مميزة بين عائلتي اليماني وسمعان. "وكان والد احمد اليماني صديقا لي، كنا أهلا واخوة وكانت ام عفيف بمثابة اخت لاحمد".

ويضيف ابو عفيف: كان في القرية شابان متعلمان، احدهما ابو ماهر اليماني، الذي عمل معلما لعدة اشهر خلال عام 1948. بذل جهودا كبيرة من اجل ابقاء اهالي سحماتا في بلدهم مما دفع الجيش "الاسرائيلي" الى ربطه بزيتونة تمهيدا لقتله. اما الثاني فهو محمد ابراهيم خليل قدورة الذي ذهب ليعمل في السعودية ثم استقر اخيرا في الاردن.
ابو عفيف، الذي يمكن اعتباره واحدا من مؤرخي القرية، يصف الترحيل والتشريد: "احتل اليهود المنطقة في 29 تشرين الاول. احتلوا ترشيحا ومعليا وسحماتا ايضا. حاصروا القرية من جميع الجهات، ولكن الجهة الشمالية تركوها مفتوحة، كي نتمكن من الهرب الى لبنان بدلا من البقاء في بلدنا.
كان جيش الانقاذ قد وصل سحماتا واشتبك مع اليهود، وفي شهر تشرين الاول قصفت الطائرات "الاسرائيلية" قرية دير القاسي وترشيحا وسحماتا، وجرى تشريد الاهالي الى لبنان.

شرد سكان سحماتا وتركوا اراضي شاسعة تزيد مساحتها عن 22 الف دونم، اضافة الى الاراضي المغروسة باشجار الزيتون. تركوا اراض تمتد شرقا الى قرية بيت جن وغربا الى حدود ترشيحا وجنوبا حتى كفر سميع والبقيعة وتمتد شمالا لتعانق اراضي دير القاسي. شرد اهالي سحماتا عن قريتهم التي احبوها وتفرقوا في ارجاء العالم المختلفة. انتقلوا الى لبنان - الى صور وصيدا والرشيدية وعين الحلوة وبيروت، ومن هناك انتقل بعضهم الى اوروبا وامريكا، وبقي قسم منهم في البلاد، في الوطن، موزعين في قرى البقيعة وفسوطة وترشيحا وكفر سميع والرامة والمزرعة وفي مدينة حيفا.
وسكن القرية مستوطنون جدد من رومانيا لعدة اشهر، كما يقول ابو عفيف، الذي لا يستطيع مغادرة بيته في حيفا بسبب المرض والشلل. وفي عام 1949 انتقل هؤلاء الى اماكن اخرى، وفور خروجهم من سحماتا تعرضت القرية لنفس المصير الذي واجهته عشرات القرى الفلسطينية.
نسف اليهود منازل القرية، في البداية نسفوا الكنيسة والجامع ولكن الاشجار ما زالت واقفة، خلال جولتنا في القرية شاهدنا بأم اعيننا ابقار "تسوريئيل" وسمعنا خوارها. كانت اوساخ الابقار في كل مكان. شاهدنا الابقار بالقرب من مقبرة المسلمين (30 دونما) وفي الطريق اليها. القبور بارزة ولكنها مهملة.

بعض حجارة القبور سرقت وحجارة القرية صودرت لبناء البيوت في "كفار هفرديم" (قرية الورود) قرب ترشيحا، بينما استوطن يهود في "تسوريئيل" و "حوسن" القائمتين على اراضي القرية.
وفي اعقاب سرقة الحجارة، شكل اهالي القرية لجنة مصغرة من اجل المحافظة على اطلال مقدسات القرية، ولكن الجهود التي بذلوها ذهبت سدى.

مؤخرا ابلغ عضو الكنيست هاشم محاميد في استجواب قدمه لوزير الاديان ان المقابر في سحماتا اصبحت بمثابة اسطبل. محاميد سأل الوزير عما سيفعله من اجل وقف هذا الامر، الذي يشكل مسا بمشاعر المسلمين والمسيحيين. الوزير ادعى ان سكان سحماتا لم يبلغوه شيئا عن المقبرة المهجورة، وابلغ محاميد انه ينوي تسييج المقابر وأنه توجه بهذا الشأن للمجلس الاقليمي "معليه يوسف".
ولكن اميل سمعان يقول ان القرية مسيجة منذ حوالي سنتين، ورغم ذلك يأتي البقر من اسطبل "مئير بيطون" ليرعى في مقابر القرية المهملة التي لا يحرسها احد.
كامل العبد قدورة واميل سمعان يقولان ان الاهالي يفدون الى القرية لتنظيف ورعاية القبور فيها. ولكنهم توقفوا عن ذلك في السنتين الاخيرتين في اعقاب اقامة السياج حول القرية.

ابناء القرية الذين تحدثنا معهم يقولون انهم سيطالبون السلطات "الاسرائيلية" ووزير الاديان بشكل خاص بالسماح لهم باستعمال المقابر لدفن الموتى من اهالي سحماتا فيها، في المرحلة الاولى، وسيطلبون لاحقا تمكينهم من العودة الى قريتهم واستعادة حقوقهم فيها. ابو عفيف يشير الى محاولات جرت عام 1948 مع السلطات الاسرائيلية من اجل العودة ولكنها لم تجد نفعا.

ويقول: "نحن عائلة صغيرة، ولكنها تشتتت، انا سكنت في فسوطة ومنها انتقلت الى حيفا واخواي حنا ورزق يسكنان في البقيعة واخي جريس وعائلته واختي رتيبة شردوا الى لبنان، وتنقل فيه وتوفي هناك، دون ان اراه.
حالنا لا يختلف عن حال عائلات اخرى. سحماتا جميلة جدا بأهلها وارضها، وكلنا نريد العودة اليها. لو اتيحت لي العودة الى سحماتا لما بتّ ليلة واحدة في حيفا التي اسكنها منذ 33 سنة. وكنت افضل النوم تحت شجرة الزنزلخت - بجوار بيتنا قرب الكنيسة" قالها واغرورقت عيناه بالدموع.


(نشر في ملحق صحيفة "الصنارة" بتاريخ 16 ايلول 1994)



® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600