صفحة البداية
عن الجمعية
حق العودة
عن سحماتا
أخبار سحماتا
مواقف ونشاطات
شهادات وذكريات
مقالات و دراسات
أخبار منوعة
فن, تراث وحكايات
قوس قزح
من رياض الثقافة
والأدب
أفلام وأغاني
صور سحماتا
دنيا الأطفال
تعزيات
روابط مميزة
دفتر الزوار
اتصل بنا
English

شهادات وذكريات



سحماتا… أهلها المشردون يريدونها!

** تقرير أعده يوسف فرح وفيصل ابو يونس
(نشر في صحيفة "الاتحاد" بتاريخ 16 ايلول سنة 1994)

غادروها عام 1948 طرداً بالقوة، وبعد مذبحة راح فيها 16 شخصا. لكنهم لم ينسوا أي حجر منها. يزورونها، يذكرونها، يدخلونها الى اذهان الناس. ولم يتنازلوا عن الحلم بالعودة اليها، لاحياء ارضها واستنشاق هوائها واعادة مجدها.

القبور مبعثرة… الشواهد والحجارة مسروقة. حتى صليب الكنيسة نهبوه. ويقولون عنها: "أثر تاريخي".

حتى تصل الى قرية سحماتا عليك المرور بقرية الرامة صعداً في طريق الجرف.. على يمينك جبال شاهقة تزيدها خضرة وجمالا، وعلى يسارك هوة سحيقة، تملأ النفس برعب السقوط، والطريق يتلوى ويضيق كلما تقدمت السيارة من القمة.. وكأنما يسهم هو الآخر في الاعداد النفسي لما انت مقبل على مشاهدته بعد قليل… قبيل القمة التي تطل على البقيعة ترى تجمعا كبيرا للناس… تعتقد ان عرسا قرويا يتم هنا. فنحن في عز الصيف، في اوج موسم الافراح.. لكن الملامح والاعمار تنبئ بأنهم سواح.. في البقيعة آثار تاريخية، تستحق ان تزار… جميلة هي الوقفة هنا والاطلالة على الطبيعة في العمق، وعلى كثافة اشجارها، صخورها تكاد تختنق.. ولكن ليس لهذا جئنا، بل كنا على موعد مع اميل سمعان قيصر لمرافقتنا الى قريته.. التي اسمها سحماتا.

اميل وابناء سحماتا الآخرون، الذين ولدوا هناك او لم يولدوا هناك يحرصون على الالمام بالقرية، انقاض القرية، كلما سنحت الفرصة… وفي المرة الاخيرة لاحظوا ان شواهد بعض القبور اختفت، وحجارة اخرى فككت من قبور اخرى..
يتم الاتصال مع النائب هاشم محاميد، الذي يكتب الى وزير الاديان يطلب منه حماية المقابر في سحماتا، تسييجها والسماح باستعمالها..

لكن مهمتنا كانت الاطلاع على آثار الاعتداء على القبور والمقدسات عن كثب… لعل في الكتابة عن هذه القرية فتحا لملف سحماتا ومثيلاتها، تلك القرى التي هدمها الجيش "الاسرائيلي" دفعة واحدة او على مراحل، وشرد اهلها شر تشرد، لكنهم ما زالوا يحلمون بالعودة، ويعيشون على الوعود.

وكأنه كانت ثمة حاجة لرسم صورة للقرية قبل وصولها… فكان في لقائنا مع اهلها وعارفيها خير مصدر.. وكنا كأننا على موعد مع الاستاذ حنا مخول الذي يحدثك بتسلسل ودقة تليق بالمثقف والباحث، هو ليس من سحماتا ولكنهم اخواله، وتحتفظ ذاكرته بالشيء الكثير عنها وعن اهلها..

نحن على دين "قيصر"
تقع قرية سحماتا على مفرق البقيعة وحرفيش، ويروي الشيخ سمعان (ابو عفيف) البالغ من العمر (82) عاما حكاية عن تسميتها. يقول: كانت القرية تقوم في الجهة الشمالية من القرية الحالية حيث قامت كنيسة هناك يعود تاريخها الى ما قبل اكثر من 1500 سنة وكانت تدعى قرحاتا، ولعله اسم بيزنطي… وكان يعيش فيها وجيه اسمه متى.. مرض متى مرضا شديدا. واعيت حالته المطببين، فنقلوه الى تلة قرب القرية، هواؤها نقي ومياهها عذبة ومناظرها خلابة.. فكان ان شفي… فردد الناس: "صح متى، صح متى"… ثم حرفت وصارت الصاد سينا، واوصلت الكلمتان فصارت سحماتا، والله اعلم.
وسحماتا كانت قرية عامرة بأهلها، بلغ عدد سكانها عام 48 حوالي (1200) نفر، اغلبيتهم - يؤكد الاستاذ حنا مخول - من الطائفة الاسلامية، ولكنها كانت مثالا يحتذى في التسامح والترفع عن الطائفية، والتعصب الديني… فرغم ان فيها ثلاثة مخاتير فقد كانت الكلمة الاخيرة للمختار قيصر السمعان، المنتمي الى الطائفة المسيحية.. فقد كان موضع ثقة الناس ومرجعا لحل مشاكلهم، حتى المعاملات الشرعية كانت تتم عن طريقه، لدرجة جعلت القاضي الشرعي في عكا، يلفت نظر مشايخ سحماتا الى هذه الظاهرة.. ناقشه المشايخ وناقشهم، وطلب ان يكون لاحدهم توقيع الى جانب توقيع قيصر السمعان - فما كان منهم الا ان لخصوا موقفهم بكلمات بسيطة معبرة: "نحن على دين قيصر"، فاعجب القاضي بهذا الموقف وبهذه الثقة ووعدهم بأنه سيعطي الاولوية للمعاملات التي تحمل توقيع قيصر السمعان. وعلى طريق قيصر السمعان درج ابنه جريس، فتمتع بنفس الثقة التي تمتع بها ابوه.
ابان تواجد جيش "الانقاذ" في القرية، حكم على احد افراد الجيش بالاعدام بتهمة الجاسوسية، فتوجه جريس السمعان الى السيد اكرم الحوراني، الزعيم السوري، وطلب بأن تجري للرجل محاكمة قبل اعدامه، واذا حكم عليه بالاعدام، فاطلب، قال جريس السمعان، الا يتم اعدامه في ارض سحماتا.. احترم السيد اكرم الحوراني رأي جريس السمعان ولم يعدم الرجل…

جرى تشريد جريس السمعان مع اهل قريته الى لبنان، وبقى مشردا الى ان توفي سنة 1975 واقيمت له جنازة غير عادية، وكان من مؤبنيه ابو ماهر عضو قيادة م.ت.ف وابن سحماتا.

ويصف لنا ابو فراس مدخل القرية، الذي تتصدره ساحة تسمى "الرحبة"، وبقربها بركة ماء يقوم بوسطها ثلاثة اعمدة، كان اهل البلدة يعدونها في الخريف، ينظفونها من الحجارة والترسبات والاوساخ لتكون مجمع ماء لترد عليها الحيوانات و.. للسباحة. وري المزروعات البيتية.
رغبنا في ان يرافقنا ابو فراس الى سحماتا ليواصل سرد ما تحمله ذاكرته، فاعتذر بأدب قائلا: ثمة مكانان لا استطيع ان الم بهما البصة وسحماتا.. فلا اقدر ان ارى فيهما اطلالا وخرائب.. اود ان احتفظ لهما بالصورة الجميلة المرسومة في ذهني..

الجريح محمد قدورة قتلوه امام والده
فيض من الحكايات تفرزها الذاكرات الخصبة لأهل سحماتا - فتحتار ايها تختار. كله صالح لأن يكتب، ولكن الامكانيات محدودة.. وقد نجد مستقبلا طريقة نوثق بها هذا التاريخ الانساني الغني…
اسعد كامل سمعان (66 عاما) يروي عن والده الكثير الذي ما زال يتذكره، بينما ابو عفيف (سمعان قيصر سمعان) المقيم في حيفا، ما زالت ذاكرته تحتفظ بأدق التفاصيل، رغم تجاوز عمره الـ (82) عاما. يقول: "بدأ هجوم الجيش "الاسرائيلي" يوم (29) تشرين الاول على منطقة ترشيحا ووصل خبر سقوطها حوالي منتصف الليل.. كان الجيش "الاسرائيلي" يتمركز في "العقبة"، بينما جيش الانقاذ يتمركز في قرية سحماتا ذاتها. وتبادلت القوتان اطلاق النار. جيش الانقاذ عرض على الشبان تزويدهم بالسلاح في آخر لحظة، وبدا انه بذلك يمهد لانسحابهم، ويودون تغطية انسحابهم وانسحبوا فعلا.. ولكن ذلك لم يعف عن قرية سحماتا ولا عن القرى المجاورة، فقد قامت الطائرات بقصفها هي ودير القاسي وترشيحا.
ويؤكد ابو عفيف ان الجيش ارغمهم على مغادرة القرية تحت وابل الرصاص قائلا لهم: الحقوا القاوقجي.
قبل وبعد ذلك قاموا بقتل (16) مواطنا من شتى الاعمار ومن الجنسين منهم حسن موسى، مصطفى علي، عطاالله موسى وعجوز عمياء! وكان بينهم ايضا فتى مجروح الكف هو محمد قدورة… لاحظوا ذلك.. فقالوا له: انت كنت تقاوم.. صلبوه على الجدار… واطلقوا عليه النار فأردوه قتيلا.. وكان والده شاهدا على قتله..

بقيت بعض البيوت صامدة تحت قصف الطائرات، وبعد عشرين يوما - يقول ابو عفيف - عاد الجيش "الاسرائيلي" الى اتمام عملية الهدم. ومن المفارقات انني في ذلك اليوم، كنت قدمت طلبا باسم اهل القرية للعودة الى سحماتا.. واذا بالمتفجرات تأتي على البقية الباقية من بيوت القرية.. استمر الهدم ثلاث سنوات: سكنت بعض العائلات اليهودية المستوردة في بيوت القرية الى ان اكتمل بناء مساكنهم في مستوطنات "حوسن" و "تسوريئيل" و "معلوت!"

وما يؤخره ابو عفيف، تطرقه ام عفيف… "ثلاث او اربع عائلات بقيت ساكنة في القرية حتى عيد الميلاد المصادف اواخر كانون الاول.. جاء الجيش في عز الشتاء والبرد… طوق البيت وأمر العائلات بركوب السيارات المكشوفة.. والى لبنان… ضمن المطرودين كانت زكية حمادة مريضة، احست بالعطش على الطريق وطلبت ماء… فصارت امي ندى السمعان تملأ كفها من ماء المطر وتسقيها. طلبت ان ينيروا شمعة لطرد الظلام لأنها لم تكن تدري اين هي... دقائق تمد امي يدها تجس جسد زكية.. كان باردا كالثلج فقد فارقت الحياة... وقفوا.. وضعوا جثتها بجانب الطريق، وطمروها بعيدان من الحطب في كفر برعم التي كانت قد أفرغت من اهلها هي الاخرى. بعد ان دفنوا زكية حمادة عادوا واذا بمنيرة الشيخ... "الباركة" تحتضر... ثم لفظت انفاسها الاخيرة فتركوا جثتها في كفر برعم... ووصلوا رميش حيث استقبلهم كامل النحاس الذي كان قد سبقهم... لكن حنيناً قاتلا يدفعهم الى العودة... فعندما عاد شفيق متري رافقته امي ندى واخريات مشيا على الاقدام.."

ابو عادل، اسعد السمعان، يضيف اسماء اخرى لضحايا احتلال سحماتا.. منهم خليل سلوم، موزة موسى، خليل عبود (من البقيعة تصادف وجوده في سحماتا)... تناثرت الجثث في الشوارع... وكل السكان تشردوا.. المرحوم يني يني رئيس مجلس كفر ياسيف المحلي طلب منا العودة الى سحماتا فذلك يحفظ بقاءنا وارضنا... حتى لو كلفت ذلك حياتنا... لكن بقية المنازل كانت قد هدمت...

هذا بيتنا
نصل القرية... او ما كانت قرية، والحديث هنا يجب ان يتخذ صيغة الماضي... فهناك ليس ثمة شيء قائم... كله كان... عن يسارنا المقبرة المسيحية... لا نستطيع الدخول... فبوابة الحديد تمنع ذلك... عن اليمين بوابة اخرى... قضبان حديدها متباعدة عن بعضها... ونتمكن من الدخول من بين القضبان... وتبدأ الرحلة بين الاطلال..

يتقدمنا ابو سليم (رزق قيصر السمعان) واميل السمعان... ورجل آخر يعرف الكثير عن القرية. نقطع الشارع الذي ما زالت قطع منه تبدو منها الحجارة المرصوفة.. عن يمينك ويسارك اسلاك شائكة... وهذه الاسلاك تحيط بالقرية جميعها معلنة حظر دخولها...
اشجار الزيتون تبدو صغيرة السن نسبيا... تغطي ما كان قبل عقود بيوتا عامرة بأهلها... تعترضك لافتة تثير اهتمامك... "اثر تاريخي". تحاول استجلاء ذلك الاثر فلا تفلح... فهل وضعت هذه اللافتة للتمويه... تماما مثل عمليات التمويه التي نفذت هنا...

نحن الآن فوق الرحبة التي حدثنا عنها ابو فراس، ولكن لا عمود في البركة.. يبدو انه اقتلع، كما اقتلع الاهل وكما اقتلعت وما زالت حجارة القبور وشواهدها... تنتقل بحذر بين رجم الحجارة المتراكمة... يستوقفنا ابو سليم بين الفينة والاخرى للتعريف بالبيوت واصحابها... هذه دار عيد السمعان، وهذه دار مبدا طنوس سمعان... وهذه دار فهد السمعان.. خليل سلوم... كامل سمعان... احمد سعدى قدورة.
عدة عائلات عاشت في هذه القرية مثالا للتعايش والمحبة والتسامح المسيحية والمسلمة. بين اكوام الحجارة تلمح عقدة نافذة.. جسرا خشبيا كان يحمل البيت.

اشجار الزيتون الصغيرة، اشجار الصنوبر... زرعت لاخفاء المعالم... وللتمويه يقول مرافقنا... واعمال التشويه شملت الكتابات على القبور. قبر واحد ظل نصفه.. ما زال يحتفظ بكلمات وبتاريخ هجري - احمد الخليل 1366 هـ. ويبدو ان حجارة سحماتا اعجبت اهل "كفار هفرديم" الفنانين فسحبها بعضهم اليها.
نقف فجأة ويبدو على ملامح ابو سليم التأثر والانفعال.. هنا بيت يوسف عبد الغني وهنا بيتنا... كان بيتنا.. امامه حاكورة واشجار الرمان التي زرعناها بأيدينا.
نصل اطلال الكنيسة... ما زال جدارها الغربي والجنوبي قائمين، في اعلى الجدار الغربي فتحة فارغة.. هنا كان الصليب القديم الذي سرق... يقول ابو سليم... تطول الرحلة.. وامام الكنيسة نحس بالجوع.. واهل سحماتا كرماء.. فنقطف من التين اللذيذ ونسكت جوعنا ونواصل... على بعد 40-50 مترا رجمة اخرى من الحجارة... هناك كان الجامع..
نتوجه غربا... وقطع الفسيفساء الصغيرة تشي بوجودها تحت اقدامنا.. يؤكد ابو سليم انها من صنع اهل سحماتا.. ويواصل ادلاؤنا التعريف بالمنازل واصحابها.. اسم دون بقية الاسماء يلفت الانتباه اكثر من غيره.. فهنا كانت دار ابراهيم خليل قدورة... وما زالت بعض جدرانها المهدمة و"السدة" قائمة ملاصقة لبيت ابو ماهر.. احمد حسين اليماني.. عضو اللجنة التنفيذية لـ م.ت.ف!

لم يكن ينقص المشهد الا ان يلتقينا مستوطن يحمل في يده دلوا مملوءا بحب الزيتون النابالي، كبير الحجم..
  • من أين؟ نسأله
  • عندي قطعة ارض مغروسة بالزيتون. يقول
  • من غرس الزيتون؟
  • نحن، فقد اعطوا لكل واحد قطعة ارض يزرعها ما يشاء وبدا ان صاحب "الكيبا" من اصل مغربي كما يبدو من لهجته، لا يعرف ان اشجاره مغروسة فوق انقاض منزل احدهم من اهل سحماتا المنتظرين عودتهم..

    قبور... وقبور

    نسلك طريق الحواكير المتجهة الى العين... ندخل المقبرة الاسلامية، نحاذر في سيرنا لئلا يكون هنا قبر... لا يحمل اي قبر كتابة... ويبدو ان ذلك يتم عن عمد لازالة كل اثر قادر على اعلان اصله...
    حوافي القبور وزواياها مهشمة... بعض القبور تبدو مواضع حجارتها التي فككت حديثا... قطيع من الخيول والابقار يتخذ من المقبرة البالغة مساحتها ثلاثين دونما، مسرحا يتجول فيها على هواه ويلقي بروثه على هواه ايضا.. انها ارض مشاع للمواشي واصحابها من اهل المستوطنات التي اقيمت على ارض سحماتا، ومن يحاسبهم!!
    لم يعد ثمة من مزيد للتنغيض، فوضع المقبرة المسيحية لا يختلف عن وضع مثيلتها... لقد تحولتا الى زريبتين واسعتين... ولا يغير من هذا الوضع المزري سوى هبة جماهيرية على كل المستويات الشعبية والبرلمانية والقضائية...

    لم تعد القضية قضية (13) حجراً مسروقا... القضية قضية ملف كامل منذ سنة 1948 ولا يجوز ان يبقى اهل سحماتا وغيرها في ترشيحا والبقيعة وحيفا ومعليا وفسوطة والرامة وغيرها - ينظرون الى اطلال بيوتهم من بعيد، من غير ان يسمح لهم بالدخول...

    نخرج كما دخلنا من البوابة الحديدية ذات القضبان المتباعدة، ونسلك نفس الطريق... وكل منا يفكر ما قد يكون للكتابة من تأثير.. اذا بتجمع بشري في البقيعة مرة اخرى... عدد من الشبان والصبايا اليهود يلتفون حول قبر حسن التشييد والصيانة والنظافة... من الطبيعي ان يكون قبر "ولي" يهودي او نفر عادي ممن سكنوا البقيعة من "ابناء العم" اليهود!!!..




  • ® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
      Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600