عن الزيتون - محمد خشان


أكتب عن شجرة الزيتون بتهيّب، فهي التي مثّل الله لنورهِ بأنه 'يوقد من شجرةٍ مباركةٍ زيتونةٍ لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نارٌ'. وكما وردَتْ في القرآن الكريم ووُصِفت بأنها شجرة مباركة يكاد زيتها يضيء، وردَ أيضاً في العهد القديم أن الأشجار عقدَتْ مؤتمراً وإختارت شجرة الزيتون أميرة عليها.

شجرة معمِّرة تفوق نوح في عمره وهو كما تقول الأسطورة أعطي أعمار ثلاثة نسور. فمات إثنان وطال الزمن على الثالث حتى قيل 'طال الأبد على لُبَدْ' ولُبد هو إسم النسر المعمِّر الثالث.

كثيراً ما يشهد الناس قيام دولة أو إمبراطورية وكثيراً ما يشهدون زوال دولة ولكنهم لا يشهدون قيامها. وقد يحدث وليس بالقليل أن تكون حياة الدول كحياة الأفراد، فيشهدون قيامها وزوالها.

فالدولة الأموية لم تتعد عمرُ إنسان، وكذلك الشيوعية في أيامنا. شجرة الزيتون فقط من المخلوقات الحية التي شهدت قيام وزوال أمبراطوريات عمّرت قروناً وقرون كالأمبراطورية اليونانية والأمبراطورية الرومانية والتي لا يزال الزيتون المعمِّر في فلسطين يحمل إسمها 'زيتون رومي'.

ونحن نسمي ما يكبر من شجر التين والزيتون 'عامود'، ولنا عامود زيتون رومي في الأرض المعروفة بالحوزة. كنت أقف أمامه في صغري كمن يقف في معبد. عامود ضخم إستدارته أكثر من مد ذراعي رجلين وجوفه أسود وفي الأسطورة أنه أُعيب على شجرة الزيتون دوام إخضرارها وعدم تساقط أوراقها مع أن هناك أحداثاً تهتز وتحزن لها الدنيا فتجيب شجرة الزيتون: ليس الحزن بِكَتّْ (سقوط)' الورق، القلب من جوا إحترق. وكنت أعجب وأنا أرى إمتداد فروع العامود الرومي وجودة زيتونه وهو يكاد يرتكز على جذعٍ أجوف وكان والدي يملأ هذا التجويف بالتراب.

كما شاهدت جانب العامود من الناحية الشمالية وقد تشقق وفتحت فيه ثغرة فرممها والدي بالحجارة كما يرمم جدار تساقطت بعض حجارته. وكان قطافه يستغرق أكثر من يوم على براعة والدي في قطف الزيتون. كان يقف عند مجمع الفروع وبيده 'الشقشاقة' وهي عصا طويلة يضرب بها اغصان الزيتون فيتساقط الحَب، وقد يوضع على الأرض قطعة قماش خاصة إذا كان الزيتون يُفرط باليد. والزيتون يوجد في كثير من بلدان الدنيا ولكن زيتون فلسطين يبقى هو زيتون فلسطين. زيتون الأرض المباركة كما ورد في القرآن الكريم: 'سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله'.

مباركةٌ أنتِ بين الشجر ومباركة فلسطين أرض التين والزيتون. لا أعرف شجراً أقل كلفة وأوفر عطاءً واكثر فائدة منكِ. رأيت والدي قبل ضياع فلسطين بسنتين تقريباً يغيب عن البيت يومين أو ثلاثة ويعود ومعه شجيرات الزيتون البرية، هي لا تنبت في أحراج قريتنا ولكن في أحراج قريبة مجاورة. رافقته في عملية الغرس، ورأيت كيف يزرعكِ بحنان ويرويك بالقليل من الماء، أنتِ دائماً تقنعين بالقليل وتعطين الكثير. رأيته ينخل التراب بيديه ويضعه على الجذع ويربصه بيديه.

وأنت تعلمين الفلاح الصبر وهو صبر قليل إذا قيس بعمرك الطويل فلا ثمر قبل عشر سنوات أو يزيد لتنمو الشجرة ثم تطعّم بطعم (جوّي) ويفرخ الطعم زيتوناً يعيش ألف عام وأكثر من ألف عام وقد لا يعيش من غرس زيتوناً حتى يأكل من ثمره وذلك ليس غائباً عن ذهنه ولكنه يتمثل بالقول المأثور 'غرسوا فأكلنا ونغرس فيأكلون'. شجرة الزيتون في فلسطين لا تحتاج إلى ري، يكفيها ما تجود به السماء كأنها الأم التي تعتني بوليدها وتقبل منه بالقليل، هذا القليل هو حراثة كروم الزيتون والذي يُعرف عند الفلاحين بِـ (كْراب الزيتون).

لا أريد أن ادخل في فوائدها وإيمان الشعب بمنافعها فالطفل يُدلّك بالعجين المشبع بزيت الزيتون فيتخلل الزيت مسام الجلد فيمنحه غذاءً وليونة وصفاءً وأنا أكتب ما كنت أشاهد وكنت اشاهد تدليك الناس لظهورهم وبطونهم بزيت الزيتون وكان شائعاً أن الطفل إذا بكى وحكّ أذنه يوضع قليل من زيت الزيتون في ملعقة ويسخن قليلاً ليتناسب مع حرارة الجسم ثم يوضع في الأذن بمقدار نقطتين أو ثلاثة فيزول المرض. أخبرني أحدهم في السنوات الأخيرة أن زيت الزيتون لا يشفي مباشرة ولكنه يصنع غشاءً داخل الأذن فتموت الفطريات. الأم لا تفهم في هذا، هي تفهم أن قطرات زيت الزيتون شفت طفلها. والفلاح الفلسطيني يدافع عن شجرة الزيتون كما يدافع عن صغاره، هكذا رأيت والدي ونحن في كرم الزيتون الذي كان يغرسه وكان لنا كرم مجاور أشجاره في بداية عطائها. دخل رجل ببعض الدواب والماعز، صرخ عليه والدي ومشى نحوه مستعداً وأخذت أنا أهبتي واستعديت لمساعدة والدي، وعندما رأى الرجل أن الأمر جد، خرج من الكرمِ متوعداً وفي السنوات الأخيرة قبل النكبة شاهدت مجموعة من الرجال يدحرجون حجراً طوله أطول من رجل في ذلك المكان بعد الرحبة منحدرٌ مقابل بيت مصطفى حسين قدورة والرجال يدفعونه ويصوبون طريقه يمنة ويسرة بأخشابٍ طويلة.

لا أعرف المعصرة التي أُخذ إليها. بعد هذا المشهد بسنة شهدت بناء وقيام ما كنا نسميه 'بابور الزيت'. كان قبله هناك بابور للطحين، إرتفع البناء من الحجارة، يرفع جدرانه البنّاء حسين الصفدي وإسمه يدل عليه فهو من مدينة صفد. والذي بنى بيتنا وقبل ذلك بسنوات هو غنّوم من صفد أيضاً ومعه مساعد اسمه أمين. يظهر أن صفد تشتهر بالبنائين وقد شهدت سنة واحدة درس الزيتون بواسطة هذا البابور الآلي الحديث والذي كنت أسمع أن كلفته خمسة آلاف ليرة فلسطينية وأنه لا يوجد في فلسطين إلا ثلاثة من مثله.

كان الفلاح يدفع عُشر محصوله مقابل درسه. رأيت أحدهم عندما يجلب الفلاح إنتاجه من الزيتون يفرغه وهذا الرجل يكيل المحصول، كل تسعة والعاشر للبابور. وهكذا يكون هذا البابور يحصل على عُشر إنتاج قرية مشهورة بزراعة الزيتون. سمعت أنهم استوفوا ثمنه من السنة الأولى. هو موتور آلي يعمل على الضغط وتسمع صوته من مكان بعيد وعلى صاحب المحصول أن يكون قد هيأ الأوعية وهي في الغالب من التنك وينصب الزيت منه سريعاً من مزراب، ما أن تضع الوعاء حتى يمتلىء. وإلى جانب هذا المزراب، مزراب صغير ينساب منه العَكَر، اي أن هذا الجهاز يعطيك زيت زيتونٍ مصفّى. صاحبت هذا البابور منذ بنائه وحسين الصفدي يرفع جدرانه وهو ينخفض عن الشارع وقد شاهد البنّاء إمرأة تحمل طفلها وتقبّله وقد ألصقت بمقدمة رأسه حجاباً بشكل مثلث من التنك، نظر البنّاء إلى المرأة وطفلها فلم يقعا من نفسه موقعاً حسناً. فقال: القرد في عين أمه غزال. كانت المرة الأولى التي اسمع فيها هذا المثل. هذا موتور ينجِز عصر زيتون البلد بأسبوع، عليك أن تأتي مسرعاً ومسرعاً تضع الأوعية تحت مزراب الزيت ومسرعاً تذهب لتفسح الطريق لغيرك. إنني ومع إعجابي بهذا الإنجاز الجيد للبلد إلا أنني كنت استمتع بعصر الزيتون بالطريق التقليدية وخاصة إذا كان دورنا في الليل. بل قد يقتضي العصرُ نهاراً وليلاً أحياناً، حجرٌ هو كحجر الآلة الجديدة للعصر ولكن يدور به حيوان، بغلٌ أو جواد أو غيره. ثم ينقل الزيتون بعد درسه إلى قفف من الشَعر وتوضع في جهاز يسمى المكبس وفي أعلاه قطعة ثقيلة من المعدن تضغط على القفف ويساعد في ذلك الرجال. تجاورنا معصرة دار الحاج حسن وهي معصرة قديمة وفي الليل تضاء بسراج في رأسه فتيل ويوقد بزيت الزيتون، ضوءٌ خافتٌ وجو أليف كل ما فيه طبيعي، بناؤه، حيوانه، زيتونه، طريقة عصره وإذا كان الزيتون أخضر يكون طعم زيته حاداً. كنت أنتظر هذه المشاركة من سنة إلى سنة، هي من الأشياء التي لا أنساها. قبل النكبة بأعوام قليلة، كنت أشاهد كثيراً من الباعة الذين يأتون إلى القرية، منهم باعة العكّوب وهو نبات شوكيٌ معروفٌ عندنا ومعروف أكثر في لبنان. وباعة القضامة أو الحمّص المحمّص بأكياسهم الكبيرة. هذه لم تترك أثراً في نفسي بل الذي ترك أثراً في نفسي هم باعة الدبس وهو نوعان: دبسٌ أشقر ودبسٌ اسود. لا أدري إن كانوا من فلسطين أو من لبنان فهناك عندنا قرى مشهورة جداً بالكرمة وأشهرها على ما أعرف قرية بيت جن وهي مجاورة لقريتنا وإلى الشرق منها.

كان اصحاب الدبس يأتون في موسم عصر الزيتون ويبدلونه كل مكيالين من الدبس مقابل مكيال من الزيت. تذوقت الدبس الأشقر بلون العسل، وجدته لذيذاً وشعرت أن اصحاب الدبس مغبونون فيجب حسب مذاقي وتقديري أن يكون كل مكيالين من الزيت بمكيال من الدبس. ولكن لكل شيءٍ ثمن. وأنا اذكر أن ثمن رطل الزيت كان في إحدى السنوات ليرة وخمسة قروش فلسطينية. وسنة أخرى كان ثمن رطل الزيت حوالي خمسة وستين قرشاً. أنا أعتذر من فلسطين، من زيتونها وتينها وبرتقالها وكرمتها، هذه أمور تحتاج إلى دراسات تفوق قدرة فردٍ، هي تحتاج إلى عمل موسوعي وقد لا يوفيها حقها. وما أكتبه هو نظرات طائرات واحاسيس طفل خاف أن يداهمه الموت دون أن يوثِّق فضل التين والزيتون عليه وعلى وطنه. فلسطين كلها زيتون من شمالها إلى جنوبها وأخص بالذكر قرية الرامة والمشهورة بجودة زيتونها وكنت اسمع أن معظمه يباع للمؤونة لا للعصر. والزيتون نوعان أسود واخضر وإن كان هناك نوعٌ يعرف بالمكحّل أي بين الأسود والأخضر ونختار افضل الأنواع من الأسود والأخضر للمؤونة، إما أن يرصّ رصّاً أو يجرّح بالسكين ويوضع في أوانٍ زجاجية أو فخارية مضافاً إليه قطع حامض الليمون والماء والزيت وكانوا في فلسطين يضعون في وعاء الزيت نباتاً إسمه 'الفَيْجَن'. ولا يزال الزيتون للآن يكاد لا يخلُو بيتٌ منه فهو لذيذٌ ومحببٌ مع معظم الأطعمة. وفي المطاعم فإن الزيتون جزء من السرفيس أو المقبلات، إذا كان من أسى أحمله وأخجل من ذِكرهِ ولكن الأمانة تقتضي ذلك فإن شجرة الزيتون كانت تتعرض للأذى فقد ينتقم أحدهم من خصمه بقطع اشجارٍ من زيتونه وهذا ما حدث لنا يوم مولدي وقد روت لي والدتي هذه الحادثة مئات المرات، فإنه يوم ولادتي قطع أحدهم كرم الزيتون المعروف بكرم مصلح وهو مناصفة بيننا وبين آل مُرّة وعندما جاءت المرأة تخبر أمي غاضبة مستنكرة، فهو كرم زيتون! هو مثل الأولاد ولكن والدتي لم تهتم وعادت المرأة تقول: طبعاً هي مخلفة صبي. وكانت والدتي تقول لي أنها خافت أن يتعكر حليبها فيضر بطفلها. الناس إذاً على دراية بما يلحق ضرراً بالطفل من الناحية النفسية. ثلث مساحة الأرض الصالحة للزراعة هي مزروعة زيتوناً وتيناً والثلثان الباقيان حبوب: قمح، شعير، عدس، كرسنة، سمسم، ذرة ، فول وتبغ وغيرها. كنت أحفظ اسماء معظم الأراضي زيتوناً وغير زيتون ولكن الزمن أنسانيها ومع ذلك اذكر بعض كرومها: مثل زيتون العرب وزيتون السوس وزيتون الدبش وزيتون خلّة فيليه وزيتون بوليه وزيتون المْحَط.
كرومٌ وكروم قد يكون عددها أكثر من عدد السكان. أنا اشاهد على التلفاز الجرافات الإسرائيلية وهي تكتسح كروم الزيتون فأغمض عيني، أنا لا ابالغ إذا قلت أن الألم الذي اشعر به لإقتلاع الزيتون لا يقل عن إحساسي وألمي للشهداء صغاراً وكباراً والطائرات الإسرائيلية تلاحقهم وهي تراهم أنهم عزّل وكأنها تتلذذ بقتل الأبرياء. أنا لا تفارق مخيلتي المرأة الفلسطينية التي قطع الإسرائيليون زيتونها، شاهدتها تحتضن جذع الشجرة كما تحتضن طفلها ووجهها يحمل كل الأسى، أنا متأكد أن صورة هذه المرأة ستوضع في المستقبل على أوراق النقد وعلى الطوابع وستكون نموذجاً لعلاقة الإنسان بأرضه وشجره. عظيمة أنت يا فلسطين بأرضك وناسك، هكذا كنتِ وهكذا تبقين.

ولكم مني سلام وعلى الأرض السلام

كاتب فلسطيني
لبنان - بيروت
ابن سحماتا
5/7/2012






® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600