الغزوات الناجحات - محمد خشان


كنت قد سبق وذكرت أنني تعرفت الى فاكهة الموز في القرية في النصف الثاني من ثلاثينيات القرن العشرين ولا أزال أقيس كل مذاق للموز على المذاق الأول فأعدم المثيل وها أنا اسجل معرفتي الأولى للبوظة البلدية المصنوعة من الحليب والسكر وهي تدق قديماً بمطرقة خشبية طويلة تتناسب مع العمل وقوفاً أمام وعاء نحاسي وأثري إرتفاعه اكثر من نصف متر.

خرجنا من الملعب البلدي لمدينة عكا بعد انتهاء التصفية في اليوم الأول. خرجت سعيدا لتأهلي لثلاث العاب في المباراة الرسمية في اليوم التالي سنة 1946. أقول خرجت تملأني الغبطة فاذا ببائع شاب يبيع البوظة أما بقرون أو علبة. الغالب هو اللون الأبيض والى جانبه الوان أخرى صفراء وحمراء. والبوظة حفظك الله هي المعروفة في مصر بالجيلاتي وفي العراق بالدندرمة، اشتريت علبة أظن ثمنها قرشاً او قرشاً ونصف، تذوقتها فوجدتها لذيذة الطعم سهلة الأكل تشعر بالانتعاش بعد عمليات الركض أو العدو وفيها من الخوف من النتيجة أكثر مما فيها من التعب. أقول عندما ناولني البائع العلبة العاجية اللون، الجميلة الشكل باطنها وظاهرها، خطر في ذهني هذه العلبة التي وضعت فيها البوظة هي لي مع البيعة ام للبائع؟ ولم يكن الجواب سهلاً لحظتها ولكن بعد قليل من الأكل بدت العلبة البسكوتية لينة وتغير شكلها فعرفت أن العلبة من ضمن البيعة.

ثم أكملت تجوالي في بعض أسواق المدينة فاذا بي أصل إلى دكان (مَحمَصْ) وأمامه غرابيل كبيرة من الفستق السوداني والذي نسميه في القرية فستق عبيد. مساكين هؤلاء العبيد حقيقة هم مستعبدون وان نالوا حريتهم. عبيد في لونهم وفي كل ما ينسب اليهم يبعث على الضعة والإحتقار. كل ما يحكى عن الديموقراطية والحرية والمساواة هو محض كلام، لا اريد ان أدخل في باب يحتاج إلى كتب. ولأعود واقول بعد تعرفي القديم بالموز والبوظة في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين وانا هنا أذيع سراً كان يجب أن لا يفشى وقد نُصِحت بذلك لأنه يكون باباً للمشكحة والمرقعة والمسخرة مع اني لا أعلم احداً في مثل سني سبقني إلى ما ذكرت ومن يسمع هذا الكلام ينسى أن عمره يقارب السبعين عاماً وكفى بذلك فخراً.

أكمل وأتناول باباً آخر هو باب الغزوات، معظمها غزوات ناجحات كللت بالظفر بعونه تعالى، غزوة واحدة هزمنا فيها وإندحرنا وأسلمنا أرجلنا للريح. وغزوة كان نتاجها ضئيل رضينا فيها بالقليل وقد سبقنا إلى ذلك الشاعر الحطيئة الذي كان نصيبه بيتاً قميئاً في آخر الجنة وأمامه شجرة ثمرها غير زاكٍ ولا يفصله عن النار إلا جدار وعندما سأله إبن القارح قائلاً: لقد رضيت بضئيل، قال: والله ما حصلت عليه إلا بعد هياطٍ ومياط، وشفاعة من قريش وددت أنها لم تكن. فالظفر ليس بالشيء السهل ولولا ما أعددت له من خططٍ ناجحات وإستطلاعات موفقات تكلفني أحياناً مالاً وأحياناً حنكة وذكاءً وقد تكلفني هذه الأمور مجتمعة. أعود وأبين للقراء الأعزاء ما عنهم إستتر وأطلعهم على الخبر. وأقول يقع بين قريتنا وقرية البقيعة المجاورة لنا والتي لا تبعد اكثر من ثلاثة إلى اربعة كيلومترات وبين القريتيتن نبع غزير ماؤه نمير يروي بساتين وإن كانت قليلة فهي متنوعة وجميلة. بساتين تفاح وخوخ ورمان واطايب كثيرة وهي وإن لم تكن معدومة في قريتنا فهي هنا أكثر وأنفع وهي تعود إلى أهل البقيعة. اقول كثيراً ما كنت اذهب وزميل لي إلى تلك البساتين وهو لا يخالف لي قولاً وينفذ ما اقوله فعلاً وكنت أختار يوم الخميس بعد الظهر حيث عطلة المدرسة بعد ظهر الخميس ويوم الجمعة. ذهبنا مرة إستطلاعاً وإستكشافاً لنحيط بالمكان علماً وشجراً وثمراً ونستطلع أماكن الضعف بما يحيط به من اشواك علّيق منها الأخضر واليابس بالإضافة إلى الشريط الشائك الذي يعلو الجدران ولكن لا مستحيل أمام قدرة الإنسان!! كنا في الجولة الأولى مستكشفين على وزن مستشرقين، وهدفهم يلتقي مع هدفنا وهو الحصول على ما ليس لنا. وإذا كانت لهم خبرتهم ودراسات آثار من سبقوهم والتعرف على كل ما يتعلق ببلادنا إنساناً ومكاناً فأنا ايضاً لا تعوزني الخبرة وذكاء الفطرة وسرعة العدو ومعرفة بتسلق الأشجار والنزول إلى الآبار والمغاور وصعود الصخور العاليات بحرفنة وحذاقة ودقة ولباقة.

كان الإختبار أو الإستكشاف الأول خفيفاً لطيفاً نظيفاً يُشعر بالثقة والأمان والاحترام كحال المستشرقين فيما يقدمون من مدارس وجامعات وإعانات ومستشفيات تبعث في الناس الرضى وهم لا يدرون ما يخبىء لهم القضاء. أقول طرقت باب أحد البساتين لصاحبته (سليمة) منادياً بصوتٍ عالٍ واثقٍ: يا سليمة؟ أنا اريد أن اعرف إذا كانت سليمة في البستان ام لا وأعددت للأمر عدته وما أن ناديت حتى لبت النداء قائلة: مين؟ فلم أؤخذ على حين غرة وبقيت ثابتاً راسخاً فتقدمَت وفتحَت الباب وهي ترتدي ملابس قروية طويلة. نسيت أن اقول أن إلى جانبي زميلي في الصف وفي الغزوات، قلت إعطني بقرشين تفاح. هي أعطت ظهرها وأنا أعطيت لعينيّ العنان تجول في البستان، وعادت بتفاحة كبيرة، تفاحة واحدة بقرشين! شعرت بالغبن ولكن لكل شيءٍ ثمن. ندفع القليل لنحصل على الكثير، أليس هذا هو فعل المستشرقين؟ في تفحصي للمكان رأيت إلى جانب الباب مصطبة قد سويت للجلوس وطيِّنَت وهي في ظل رمانة كبيرة. أغلقت سليمة الباب وأكملنا سيرنا نحو النبع القريب منا جداً. فبستان سليمة هو آخر البساتين من ناحية البقيعة. تأملنا شجرة الرمان برمانها الجميل الكبير المثير والتي تكاد فروعها تصل إلى الطريق لا يفصلها عنه سوى خندق عريض من نبات العليق المتشابك، تأملت فوجدت أن الكثيرين حاولوا شد الأغصان إلى الطريق بواسطة عصي أو غصون أشجار ولكنها كما رأيت كانت محاولات فاشلات فالسلاح من العصي والجذوع لا يزال ملقى على نبات العلّيق الفاصل بين شجرة الرمان والطريق. لم أحاول هذه المحاولات البائسات ومن ذا الذي يجرب المجرب؟؟ أكملنا السير إلى النبع وليس هو الهدف ولا بغية لنا في نزهة في هذه الظهيرة.

أكلنا التفاحة حقيقة لا كما فعلت حواء بأن أكلت التفاحة وألقت إلى آدم القسم المليء بالبذور وهكذا إشترك في الجريمة على تفاهة الغنيمة. عدنا إلى القرية وإن لم نحمل غنيمة فقد حملنا رؤية مستنيرة ومعرفة لا تقدر بثمن! أقول لم نكن زميلي وأنا كما يكتب المحدثون المتمدنون المتحذلقون وإن كنت أعدها حذلقة فارغة فالإنسان لا يقدِّم على نفسه أحداً ولغتنا لا تستجيب لهذه السفسطة والتي هي للنفاق أقرب. اعود واقول لم نكن وحدنا ممن يشتهون التفاح والرمان بل كان يذهب جماعات وجماعات ممن هم أكبر منا سناً وأشد قوة، يذهبون بجلبة وغناء وعتابا تجعل أصحاب البساتين إذا كانوا مجتمعين يتحدثون فيأخذون أهبتهم ويحرسون بساتينهم فيعود الشباب بخفّي حُنين. مسكين حُنين هذا كم خسر من الأخفاف أو الخِفاف على مدى عصور ودهور.

لم تكن هذه النزهات والغزوات بمانعة من تقدمٍ في المدرسة وإحراز المرتبة الأولى علماً ورياضةً وتمثيلاً بل قد تكون هذه الغزوات المباركات والرحلات الجميلات تفتق الأذهان وتشحذ الخيال وعلى الله الإتكال. جاء يوم الخميس ونحن وبساتين طيرية (إسم النبع) على موعد. البساتين تقع بين الوادي في الأسفل والطريق الترابي الذي يسلكه المارة من أعلى، طريق الوادي كثير الحجارة وهو وادٍ لا ماء فيه صيفاً. كانت خطتي أن آخذ طريق الوادي. نبهت زميلي أن لا يدوس إلا على الحجر الثابت لكي لا نحدث صوتاً، كانت المرة الأولى التي نمر فيها من طريق الوادي. البساتين تعلونا، هناك شجرة تين كبيرة وإلى جانبها شجرة تفاح، فاجأنا علوها وكِبر ثمرها فقلت لرفيقي هذه نسميها الأميركانية. لم تكن أمريكا غريبة عنا في أواسط الأربعينات من القرن العشرين، فنحن ندرس ونحفظ سهولها وسهوبها وبحيراتها وجبالها ومن بحيراتها، البحيرات الخمس. كنت إلى عهدٍ قريب أذكر اسماءها، على كل حال كانت هذه أول نبوءة بعلاقتنا بالأميركان. لم أكن حينها اعرف أنواع التفاح ولكن في مستقبل السنين عرفت أنواعاً كثيرة من التفاح ومنه الأميركاني والذي سبق واعطيته إسمه. جاوزنا شجرة التفاح الكبيرة واصبحنا على مقربة من النبع قريباً من بستان سليمة من الجهة الشرقية. رأيت هناك ثغرة فالجدار قليل الإرتفاع وهناك من سبقونا وصعدوا الجدار فتكسرت الأشواك واصبح الطريق واضحاً. أنا ورفيقي يحمل كل منا كيساً هو كيس الكتب الذي نذهب به إلى المدرسة وهومن قماشٍ قوي، قماش (شوادر). كنت اضع جميع كتبي مع المصحف الشريف وهكذا يكون كيساً مليئاً علماً وأدباً وديناً وأنا لا أختلف عنه. قلت لزميلي: إذا رأيت أحداً ترتاب فيه فأطلق صوتك بالغناء. صعدت الجدار البدائي وأعلاه الشوك المتكسر والشريط الشائك ولكني فوجئت بما لم يكن في الحسبان، الأرض منخفضة جداً لا يمكن القفز بسهولة وإن قفزت فكيف العودة إذا شعرت بخطر؟ كان إلى قرب الجدار شجرة إستطعت أن أنتقل من الجدار إليها ثم أنزل من الشجرة إلى الأرض. كانت شجرة الرمان قريبة لا يفصلني عنها إلا بعض شجرات وكلبٌ باسطٌ ذراعيه قرب المصطبة. وبتوفيقٍ من الله مددت يدي إلى الكيس وأخرجت منه قطعة خبزٍ ألقيتها للكلب فإذا بالكلب إبن الكلب يصمت بعد أن نبح قليلاً وأسكتته قطعة الخبز. هذا كلب عربي، إلقِ إليه بكسرة وإضرب رأسه بالسيف، هكذا قال الأفشين قائد الثورة التي إستمرت عشرين عاماً وقتل فيها أكثر من مئتي ألف مقاتل وثلاثة من كبار قادة الدولة العباسية منهم محمد إبن حميد الطوسي الذي رثاه أبو تمّام برائعته:

كذا فليجلّ الخطبُ وليفدح الأمر فما لعينٍ لم يفضْ ماؤها عذرُ.

توفيّت الآمالُ بعد محمدٍ وأصبح في شغلٍ عن السفَر ألسِفْرُ.

وقد كان فوْت الموتِ سهلاً فردّه إليه الحفاظ المر والخلق الوعرُ.

فأثبت في مستنقع الموتِ رِجله وقال لها من تحتِ أخمصكِ القبرُ.

وعندما قال له زعيم بني عِجل: تمنيت لو أن هذا القول قيل فيَّ. فقال ابو تمام: أطال الله عمر الأمير. فقال الأمير: ما مات من رُثيَ بمثل هذا الشعر.

أقول كان الأفشين بعد أن هُزِم وأُسِر حوكم متهماً بتهمٍ كثيرة منها أنه جلد إثنين من المسلمين كل واحدٍ منهما ألف جلدة حتى سقط لحمهم عن عظمهم فلم ينكر الأفشين وقال أن الرجلين أقاما أو حاولا إقامة مسجد مكان معبدٍ للهنود فخِفت الفتنة فأوقعت عليهم هذا القصاص. التهمة الثانية مما اذكر أنهم وجدوا في بيته كتاباً من ديانات أخرى وهو محلى بالذهب وكان دفاعه أن هذا الكتاب وامثاله من كتب ماني ومزدك مطروحة في السوق أما الذهب فلست بحاجة إليه لأنزعه عن الكتاب. والتهمة الثالثة إنه بعث إلى بابك قائدٌ آخر من أعوانه يغريه بالثورة على الدولة العباسية ويعرِّفه بأنواع جنودها. فيقول في كتابه: أما المغاربة فهم أكلة رأس وأما الأتراك فما هي إلا جولة تجول عليهم الخيل وأما العرب فالعربي كالكلب إلقِ إليه بكسرة وإقطع رأسه بالسيف. لم أكن حينها اعرف هذا عن الأفشين وإن كانت قراءاتي واسعة فهي في الأدب الشعبي ولكني كنت سمعت أحد المهربين في القرية يقول: الكلب إرمِ إليه بقطعة خبزٍ فيسكت وهكذا إستفدت من هذه المعلومة وكنت مصحوباً ببعض الخبز في الكيس فما أن نبح حتى ألقيت إليه بكسرة فإذا الكلب إبن الكلب يخون الأمانة ولم ينبسّ ببنت نبحة. تقدمت نحو شجرة الرمان الرائعة فإذا هي تحميها اشواك كالمسلات، تناولت فرعاً وأدنيته وحاولت قطف أكواز الرمان فإذا هي متينة عصية. تركْتها وصرت اقفز وأمسك بالكوز بكلتا يدي وأعود إلى الأرض، هكذا ست رمانات كبار. ملأت الكيس وعدت أدراجي إلى الشجرة، تسلقتها ومنها إنتقلت فوق الأسلاك الشائكة في أعلى الجدار وقفزت إلى الأرض. وهكذا كانت غزوة ناجحة إستطلاعاً وتخطيطاً وتنفيذاً، من قال أن العرب لا علم لهم بالحرب؟!



عدنا بحملنا النفيس، أكلنا بعض الرمانات في الطريق وهناك قرب مقبرة القرية لنا كرم تين إسمه كرم البيدر أو تين عباس، إسترحنا هناك وبقي معي رمانة واحدة، ماذا أصنع بها؟ حفرت في الأرض ودفنتها، لو علم والدي ما افعل لما كنتم قرأتم ما اكتب. فهو وأمي مسلمان حَسَنا الإسلام يقومان بفرائضهما وقد سبق هذه الغزوة بخمس سنوات أننا سكنا في دار الكنيسة وفيها حديقة رمان في متناول اليد وقد أوصياني أن لا أمد يدي إلى الحديقة، ليس فقط لم تمتد لي يدٌ بل لم افكر اصلاً في ذلك مع أن الرمان يغري ويغوي. الأمر الآن يختلف، أنا الآن في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة من عمري وهذه تجارب تعتبر من باب الفروسية ولها مقدمات في الصراع بين أولاد الحارتين التحتا والفوقا أو الشرقية والغربية حيث كل فريقٍ يستطلع ويخطط ثم يكون الهجوم وقد كنت في إحداها أقود الهجوم بل الدفاع على وجه الحقيقة فقد تغلب علينا أولاد الحارة التحتا بوفرة عددهم وكبر سنهم فأخذت أتراجع يساعدني في ذلك موقعي الإستراتيجي فنحن في الأعلى والفريق الآخر في الأسفل وقد حاولوا الإلتفاف حولنا فكنت أتراجع وأمرتُ فريقي أن يوسعوا المسافات بينهم حتى لا يمكنوا الخصم من تطويقهم وحين اصبحنا على مشارف بيوت الحارة الفوقا قرب قبر (ستي النعيمية) وقبرها له شكل يختلف عن بقية القبور، هو محدودب وبين حجارته المنحوتة حجارة صغيرة يأخذها البعض للشفاء من مرض أو تلبية لغرض. اقول ما ان وصلنا في إنسحابنا إلى مشارف البيوت فإذا بالمختار سعيد العبد موسى يرانا ويصرخ في الأولاد فتتفرق الجموع وكتبتُ كتاباً أملاه علي المختار فهو أميٌ لا يقرأ ولا يكتب وطلب مني أن اعطيه للأستاذ وسبق وذكرت ذلك من قبل وإنما اتيت على ذكرهِ هنا لربطه بالغزوات الناجحات.

أقول دفنت كوز الرمان كما نسميه وعدت إلى البيت عفيفاً شريفاً لا غبار عليّ. الحمد لله أن والدي لم يعلم بذلك. في حياتي كلها ضربني كفاً واحداً رأيت الشرر يخرج من عيني وكنت أسمع هذه العبارة (بضربك كف بخلّي الشرر يطلع من عينيك). اقول انا خبرت ذلك وليس من سمع كمن خبِر. أذكر غزوة أخرى كانت خائبة فقد تأخرنا في الوصول إلى ما بعد الظهر وهذا وقت يأتي فيه الرعاة مع قطعانهم إلى الماء، رآنا راعٍ فإرتاب في أمرنا وصرخ فينا فما كان منا إلا أن أسلمنا أرجلنا للريح، هو يصرخ ونحن نجري صعداً بإتجاه غابة السنديان التي فيها ضريح الصديّق وهي ملاصقة للشارع العام. وصلنا الشارع وقد تقطعت أنفاسنا خوفاً وإرهاقاً فهؤلاء الرعاة يجيدون الرمي بالحجارة والجري ولكن الله سلّم ولم يتبعنا وإكتفى بإخافتنا وعدنا إلى القرية نحمل فشلنا وخطأنا فقد تأخرنا والنجاح في الغزوات والحروب تعتمد على الدقة في الحركة والوقت. وغزوة ثالثة لم نسلك فيها طريق الوادي من أسفل البساتين وإنما سلكنا الطريق العادي بين البساتين ولفت نظري أن أصحاب البساتين في ذلك اليوم كانوا كلٌ في بستانه، مررنا ببنت أمام بستان أبيها وأكملنا طريقنا، فالطريق للسلطان ولا يستطيع أحدٌ أن يمنع أحداً من المرور. وصلنا إلى النبع، جلسنا قليلاً ورأيت أن لا سبيل إلى أي مغامرة والأفضل أن نعود بكرامتنا ولكننا لم نأتِ لنعود بكرامتنا، فكرامتنا دائماً ملازمة لنا، نحن جئنا لنحصل على بعض الغنائم.

أقول عدنا أدراجنا من الطريق الذي أتينا منه وفي أول البساتين من جهة سحماتا وهي آخر البساتين للخارج منها يوجد حاكورة في وسطها غرفة بدائية من حجر وطين أحمر والحاكورة مزروعة بالباذنجان والبندورة والكوسى وغيرها من الخضار وصاحبها خليل عبود. قلت لزميلي: كيف نعود هكذا فشلاً بعد فشل، الأفضل أن نأخذ بعض الفرفحينة وتسمى في لبنان بقلة، تستعمل مع السلطة وخاصة مع الفتوش. ناديت من على الطريق: يا عمي خليل؟ قال: مين؟ قلت: يسلم عليك ابي ويقول لك نريد بعض الفرفحينة. قال: إبن مين إنت؟ قلت: إبن كامل خشان، قال يا عمي اليوم سقيت الزريعة، إمشوا على رؤوس الأتلام. دخلنا وقلعنا ما ملأ أكياسنا وإن كنا لسنا بحاجة إليه فهو مجاناً. خرجنا من الحاكورة والرجل لم يخرج من غرفته وإن كنت رأيته أكثر من مرة. بعد حوالي ثلاثة وستين سنة نسيت ملامحه وإن كنت اذكر ملابسه القروية. وهذا الرجل الطيب الذي وثق بنا وإن كنت أكذب على لسان والدي أقول: هذا الرجل خليل عبود جاء إلى قريتنا سحماتا. كان له دينٌ عند بعضهم وكان وصوله مع وصول الطائرات الإسرائيلية التي قصفت القرية عدة مرات في يوم واحد وكان بين الشهداء خليل عبود. جاء يأخذ ما له من دين فأخذت الطائرات الإسرائيلية روحه، هذه ميتة عشوائية لم يحسب لها خليل حساب. هو واحدٌ من شهداء سقطوا في القصف أذكر منهم: خليل سلّوم، من أهلنا المسيحيين وحسن موسى وعطاالله وموزة زوجة أسعد نمر، هؤلاء قتلوا من جراء قصف الطيران. وفي اليوم التالي قتل الإسرائيليون عبدالوهاب سلَمون ومصطفى علي قدورة وكانا يسوقان دوابهم متجهين شمالاً وكانوا لا يزالون في أرض القرية قرب عين برزة وهو نبع أخذت منه عدة نقلات من الماء إلى أرضنا شلول برزة الذي زرعناه تبغاً في السنة الأخيرة وبقي التبغ في البيت ومن الشهداء أيضاً محمد عبدالرحمن قدورة قتله الإسرائيليون أمام والده.

عذراً إذا كنت نسيت بعض الشهداء فأنا أكتب من الذاكرة ولا اعود في كتابتي إلى مراجع كتب أو أشخاص. أعود وأقول خرجنا من الحاكورة متجهين نحو القرية، إلتقينا برجل يركب حماراً وهو في طريقه نحو البقيعة، قال: ما هذا الذي معكم يا أولاد؟ قلنا: فرفحينة، قال: لأي شيء؟ قلنا: للأكل. سألنا الرجل: من أي بلد أنتم؟ قلنا من سحماتا، قال: يخرب بيتكم أهل سحماتا يأكلون الحجارة.

كاتب فلسطيني
لبنان سحماتا
11/11/2011






® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600