من تراث سحماتا - أحمد أيوب أيوب



شيخ القرية . . . . وأبجد هوّز

مهمة التعليم وتحفيظ القرآن

الوضع الإجتماعي في سحماتا في الثلاثينات

في قريتنا سحماتا الواقعة في قلب الجليل الاعلى من فلسطين. كانت كما هو الحال في كل فلسطين، لم يكن بمقدورالغريب عن القرية إذا ما مر بها أن يميّز بين المسلم والمسيحي في شيء مطلقاً. لا من حيث العادات والتقاليد، ولا من حيث الملبس والمأكل. أما في الأفراح والأحزان، فكانت المشاركة فيها من الطرفين بشكل يدعو للإعجاب والاحترام. إذ كان المفهوم العام لدى أهل القرية أن (الدين لله والوطن للجميع). وهذا ما رفع مستوى المحبة فيما بينهم إلى درجة التآخي والتراحم . وهذا المفهوم وتلك العلاقة كانت منتشرة في عموم قرى ومدن فلسطين إجمالاً.

في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي كانت غالبية القرى الفلسطينية، بل والقرى العربية إجمالاً تعاني من قلة عدد المدارس بسبب السياسات التي كانت ترسمها وتمارسها دولتا الإنتداب الإستعمارية ( بريطانيا) وفرنسا في المنطقة . ومن قبلهما (الدولة العثمانية) في تلك الأيام. بقصد إبقاء غالبية السكان ترزح تحت نير الجهل والأمية. لذلك فقد تبنى أهل القرية مهمة مكافحة تلك السياسات بإرسال أبنائهم لشيخ القرية ( الكتاتيب) لتعلّم الأحرف الأبجدية، ومباديء القراءة والكتابة، وحفظ القرآن .

عرفت قريتنا بكثرة شيوخها الذين وصل عددهم في يوم من الأيام إلى إثني عشر شيخاً أو يزيد في الفترة الأخيرة قبل النكبة. منهم من عُرِفَ بتحفيظ القرآن، وبعضهم من كان خطيباً وإماماً في المسجد، ومنهم من كان معروفاً بعلمه وتقواه ومخافة الله ، وحل مشاكل الناس وإحقاق الحق فيما بينهم. فكان موضع إعتبار واحترام بل وكان سنداً ومرجعاً لهم في كل أمورهم.. من هذا الواقع الذي كان يخيم على القرى والذي كان الإستعمار يتبناه ويشجعه بل ويحرص على استمراره لتجهيل الناس في القرى الفلسطينية وقرى العالم العربي. لذلك ارتأى بعض إخواننا المسيحيين أن يكون حال أبنائهم كحال أبناء إخوانهم المسلمين بتعلم القراءة والكتابة وحفظ القرآن (عند الشيخ). لإبعاد شبح الجهل عن أبنائهم فكانوا موضع احترام وتقدير أهل البلد، والشيخ ، لهذه الخطوة التي تتسم بحسن السريرة، والشعور بالمساواة في المصير الواحد مع إخوانهم المسلمين في القرية. فكان أن تعلم عدداً منهم في تلك الفترة عند الشيخ نذكر على سبيل المثال لا الحصر ألإخوان:

حنا قيصر جريس سمعان ، طنوس مبدى طنوس سمعان، نعوم فهد عيد سمعان، وكان معهم في نفس الصف من المسلمين: سليمان خالد محمود قدورة، ومحمود محمد عارف الجشي ألذي أصبح فيما بعدشيخاً وقاضي شرعي .

إن روح المحبة والتآخي التي كانت سائدة بين المسيحيين والمسلمين في قريتنا قبل النكبة ما زالت متأصلة في النفوس، تنتقل من جيل إلى جيل، يحرصون على استمرارها من خلال التواصل فيما بينهم رغم بعد المسافات، وظروف الظلم والقهر التي يعانونها. ذلك لأن العلاقة لم تكن فقط علاقة أبناء بلد واحد. بل تعدتها إلى حد الشعور بصلة القرابة.

******

ولكن كيف كان يتم تحضير الطفل للذهاب عند الشيخ؟ وكيف كانت الدراسة؟

كان الطفل ما إن يصل إلى سن الخامسة، حتى يبدأ الأهل بتأهيله للذهاب لشيخ القرية.كي يتعلم ويلقط الحرف (حسب تعبيرهم آنذاك) ويحفظ أبجد هوز. وما إن يصبح في السادسة من العمر، حتى تخيط له أمه كيساً من الخام الأبيض حجمه لا يتعدى الثلاثين سنتيمتراً في خمس وعشرين سنتيمتراً تقريباً. يطلقون عليه إسم (كيس الكتب) ، له سير من نفس الخام كي يعلّقه في رقبته أو على أحد كتفيه. بعض الأمهات تأخذها الفرحة والحماس لإبنها فتطرّز له على الكيس صورة عصفور ، أو زهرة بخيوط ملوّنة. وبعضهن من كانت ذات رؤية أبعد، فتطلب من أبنها الأكبر أن يكتب لها إسم أخيه، على قطعة الخام فتطرّز إسمه على الخام بالخيوط الملونة. وتجعل للكيس غطاءً ينتهي على شكل مثلث يلتف للجهة التي كتب عليها الإسم، وله " كبّاس أو زر" حتى تمنع سقوط شىءٍ من الكيس.

يبدأ الإعداد النفسي للطفل ، بالتشجيع والترغيب من الأم. تردد على مسامعه أنه كُبر وأصبح ولداً شاطراً، ومطيعاً يسمع الكلام، وسيأخذك والدك معه غدا يا ولدي لتلتقي برفاقك الأطفال عند الشيخ لتتعلّم. وسيشتري لك أبوك (سفينة) أي دفتر، وقلم رصاص. كي يكتب لك الشيخ فيها الدرس. وتضيف الأم قائلة: وسيشتري لك والدك أيضاً (لوحاً من الأردواز) في المرحلة التي بعدها لتكتب عليه بالطبشور . وسأضع لك رغيفين في الكيس كي تقدمهما للشيخ بنفسك . فيفرح الولد مزهوّاً بهذا الإستحقاق الذي مُنِحَه والمهمة التي أُوكلت له لأول مرة. وتراه مبتهجاً جذلاً، ومتحمساً للذهاب إلى الشيخ . وتعده أمه: إنك إن كنت شاطراً ومطيعاً فسنشتري لك حلو ( الكعكبان)*عندما يحضر بائع الكعكبان.

في الصباح توقظ الأم ولدها بكلمات رقيقة عذبة حانية. مُكبِرةً فيه همته وتجاوبه معها ، تبتسم له ، تقبله، وتضمّه لصدرها.ثم تغسل له وجهه ، تقدم له الفطور. تلبسه ملابس نظيفة، تسرّح له شعره، وتضع له السفينة والقلم في الكيس. تضيف قائلة : وهذان الرغيفان ستقدمهما بنفسك للشيخ يا حبيبي، وتضعهما له في الكيس وتعلّقه له في رقبته. يأخذ الأب بيد الطفل يودعان الأم في طريقهما إلى بيت الشيخ. ما إن يدخل الأب وابنه ويراهما الشيخ، حتى يتهلل وجهه بشراً، مرحباً بقدوم الضيف الجديد . وسرعان ما يطلب الشيخ من الطلاب الجالسين أمامه أن يصفقوا تشجيعا لهذا الطالب الجديد فترتفع الأكف بالتصفيق. بعدها يتقدم الأب وابنه من الشيخ الذي وقف احتراماً ليسلم على ولي الأمر. فيطلب الأب من ابنه أن يسلم على الشيخ، يمد الشيخ يده ، فيرفع الإبن يده ويهوي بها بقوة على يد الشيخ فيأخذه الشيخ معانقاً ويقبله. ثم يجلسه بين الطلبة ويطريه ببعض الكلمات الحلوة المشجعة. وما يلبث أن يسمعه بعض الإرشادات التي يتوجب على الطلاب الشاطرين أمثاله إتباعها والتقيد بها مثل: النظافة ، الحضور في الوقت المحدد للدرس. الإصغاء للشيخ عندما يتكلم ، والهدوء وقت الدرس. وأخيراً إحضار رغيفين من الخبز كل يوم، والخمسية كل يوم خميس وهي عبارة عن بضعة قروش فلسطينية.

يبدأ الشيخ يومه بالجلوس على المصطبة فوق فرشة صغيرة وبجانبة وسادتان، وعصاً طويلة موضوعة على الأرض (شاروط)* بجانبه. هي كعصا المايسترو قائد الفرقة الموسيقية بالنسبة له. ولكن شتّان ما الفرق بينهما "فالشاروط" غالباً ما يكون من القصب. وأطول بكثير وأغلظ من عصا المايسترو . إلاّ أنهما يتماثلان من حيث الأداء والمهمة التي يستخدمان بها. فكلاهما يستعمل عصاه للتوجّيه والتنبيّه من أجل الحفاظ على الإنضباط ، الإنتظام ، وحسن الأداء . في الجانب الآخر من الشيخ إبريق ماء من الفخار كي يرطب حلقه، ويروي عطشه من حين لآخر . وأمامه طاولة مستديرة من الخشب (عارضة) لا تعلو كثيرا عن الأرض. يجلس الطلبة فوق حصيرة من (الببير)* بجانب بعضهم بعضا في صفوف ثلاثة أو أربعة حسب العدد المتواجد. عادة ما يبدأ الدرس حوالي الساعة السابعة أو الثامنة ويستمر لمدة ساعتين أو ثلاث وتنتهي الحصة التعليمية عند انتهاء أخر طالب من تأدية واجبه.

برنامج تعليم الطلبة عند الشيخ يبدأ بكتابة الأحرف الأبجدية ( أ ، ب ، ج ، د ) بداية بأحرف كبيرة واضحة تسهيلا للطالب على فهمها وإعادة كتابتها. يعيد الطالب ترديدها مع الشيخ بصوت مرتفع حتى يحفظها. وفي يوم آخر ينتقل

للأحرف الأربعة التي تليها وهكذا على مدى ما يقرب من عشرة أيام أو خمسة عشر يوماً. يكون الطالب خلالها قد حفظ جميع الأحرف الأبجدية كتابة وقراءة. فينتقل إلى حفظ الأحرف على شكل كلمات ( أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت ضظغ )وبمجرد أن يتقنها الطالب يبدأ الشيخ تدريبه على تهجئة الآيات في السور القصيرة من (جزء عمّ ) وحفظها. ويتابع الطالب حفظه للقرآن جزءاً بعد الآخر حتى يختم قراءة القرآن بشكل كامل. يحدد الشيخ بعدها يوم قراءة الختمة التي يجول فيها الطالب على بيوت القرية. تلك الجولة لها إعتبار خاص في عرف أهل القرية. لأنها بمثابة حفل التخرج للطالب. في اليوم المحدد يجتمع الطلبة أمام بيت الشيخ بملابسهم النظيفة. ويسلّم الشيخ (صحيفة النقشة) للطالب المحتفى به، وهي عبارة عن ورقة كبيرة بيضاء مكتوب في وسطها ضمن إطار مزخرف بألوان جميلة جذابة. وخط عريض.الآيات الخمس الأولى من سورة البقرة. ثم تنطلق المسيرة . يتقدمهم الشيخ بجبته وعمامته، ومن خلفه حامل النقشة ، يحيط به الطلبة. ويعطي الشيخ إشارته للبدء بالإنشاد . فيرتفع صوت بعض الطلبة من الذين يسيرون بالمقدمة منشدين:

مولاي صل وسلم دائماً أبدا على حبيبي خير الخلق كلهم .

ويردد الباقون ذلك من بعدهم وبصوت مرتفع . ويتكرر ذلك إلى أن يصلوا أول بيت. حيث تكون بعض النسوة ومجموعة من الأطفال بانتظارهم فيتوقف الموكب. يوعز الشيخ للطالب المحتفى به بالقراءة. فيرفع صوته مجوّداً الآيات الخمس الأولى من سورة البقرة.

(بسم الله الرحمن الرحيم* ألم* ذلك الكتاب لا ريب هدًى للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون *والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون*أولئك على هدًى من ربهم وأولئك هم المفلحون*)

يكون الشيخ قبالته أثناء قراءة تلك الآيات يتابعه في كل همزةٍ وشَدّةٍ كي لا يقع في خطأ. كأستاذ الجامعة يتابع تلميذه أثناء تقديم رسالة التخرج. وما إن ينتهي الطالب من القراءة حتى تغمر الشيخ الغبطة والإعتزاز مربتاً على كتفه معتزاً بالإنجاز الذي حققه . تأخذ الحماسة بعض النسوة فترتفع أصواتهن ب(المهاهاة ، والزغردة) وينثرن حبات الملبس الملونة ، حبات التوفي ، والتين اليابس فوق الأطفال فيرتفع صراخهم، يتسابقون من يجمع أكبر عدد من حبات الحلوى عن الأرض. ويتقدم صاحب البيت من الطالب وينفحه بعض القروش . تستأنف المسيرة إلى بيت آخر. وعلى هذا المنوال حتى تصل (الجوقة) إلى بيت الطالب المحتفى به. حيث يكون الأهل وبعض الجيران في استقبال المسيرة. فيقرأ أمامهم ما قرأه من قبل. بعدها تتقدم الأم والأب من ابنهم، فيقبل أيديهما عرفاناً بفضلهم عليه. فيقبلانه ، ويرتفع صوت الأم وجاراتها ب (المهاهاة والزغاريد) ويرشّون العطر، وينثرون عليهم الحلوى والحبق ويقدمون لهم شراب الورد. تنتهي الجولة، ويقدم الطالب تلك القروش إلى الشيخ كتكريم له على ما قام به من جهد ومشقة خلال الفترة السابقة في تعليمه. ويتوافد الجيران والأقارب للتهنئة.

لا تنتهي مهمة الشيخ عند تخرج هذا الطالب (بقراءة النقشة) لأن مهمة التعليم لأبناء القرية (القراءة والكتابة، وتحفيظ القرآن ) ما تكاد أن تنتهي عند طالب حتى تبدأ مع طالب آخر.

وتبقى رسالة التعليم متواصلة من جيل إلى جيل. يتعاقب عليها العديد من الشيوخ منذ أن ابتدأت حتى حلول النكبة.

\ تعريفات

الببير: نبات كان يكثر نموه في سهل الحولة بفلسطين. طوبل كالقصب . ليس مجوفاً من الداخل مثل القصب بل هو ليفي التكوين من الداخل. كان يجفف ويعمل منه الحصير. وهوأرخص انواع الحصير. اشتهرأهل الحولة بصناعته .

الكعكبان : نوع من الحلوى ملونة، يحملها البائع يليّنها بيديه . متجولاً بين بيوت القرية.ينادي على الأطفال( إبكِ عإمك جيب التعريفة بتمك) فيتراكض إلية الأطفال..

*اسماء الأشخاص الذين وردت أسماءهم في أول الموضوع. جاءت على لسان الحاج سليمان خالد محمود قدورة(أبو محمد). ست وثمانون عاماً. في حديث جرى معه يوم الخميس 30/9/2010 وأفاد بأن الشيخ الذي درسوا عنده هو المرحوم الشيخ محمد عارف الجشي في أوائل الثلاثينات. وهو والد الشيخ محمود الجشي ( المأذون الشرعي) . وهما في نفس العمر تقريباً. أمد الله في عمريهما.


أحمد أيوب أيوب صيدا- لبنان 4/3/2011






® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600