ذكريات عن أبي ماهر اليماني - محمد خشان

كنت في السنوات الأخيرة قبل النكبة أسمع أن قلة من الشباب أنهوا دراستهم في القرية وغادروها ليكملوا دراستهم، أذكر منهم حسين يوسف قدورة وأحمد حسين اليماني ومحمد ابراهيم قدورة. ثم أخذ اسم أحمد اليماني يتردد في أنه يعمل سكرتيراً لجمعية العمال العربية الفلسطينية التي كان يرأسها سامي طه الذي اغتالوه في المطار وكان عائداً من بريطانيا. وكان المغدور يعمل على رفع مستوى الفلاحين والعمال ومنها رفع سعر الدخان الذي كانت تحتكره شركة ديك - سلطي - قرمان. ثم عاد أحمد اليماني إلى القرية، كنا نستمع إلى الأخبار من الراديو الوحيد الموجود عند رئيس اللجنة علي العبد قدورة. وكان المذيـع يقرأ نشرة الأخبار وهو يلهث، فعلق أحد الحضور بالقول: كأنه قادم من المعركة. وإذا بالمذيع يقول: وصلنا الآن من المعركة، وكان أحمد اليماني يستمع إلى الأخبار ويكتبها ثم يعلقها على أبواب الدكاكين، ليقرأها من لم يستمع إلى الأخبار.

بعد أقل من سنة، حدثت النكبة وذهبنا إلى قرية البقيعة. وهناك سمعت أن أبو ماهر ذهب للتفاوض مع اليهود ليعود الناس إلى بيوتهم، ثم عرفت أن اليهود ألقوا القبض عليه وعلى أخيه هاني، حيث سجن شهوراً، ثم ألقوا به على الحدود اللبنانية بعدها أصبح أبو ماهر مديراً للمدرسة الإبتدائية في مخيم غورو في بعلبك، ثم انتقل مديراً لمدرسة عين الحلوة في صيدا.

في احدى المرات ذهبت من بعلبك إلى عين الحلوة لتنظيم إضراب. مررت بطالب اسمه سليم أبو سالم وكان تلميذاً في الإنجيلية في صيدا. وارتاب أبوه بهذا الغريب الذي يخرج مع ابنه، وما ان رآني أبو ماهر حتى انفجر ضاحكاً وقال للرجل هذا من بلدنا.

كنت رأيت أبا ماهر في مهرجان رياضي كشفي في الملعب البلدي في بيروت، وكنت مشتركاً في سباق العدو وعندما رآني المفتش ذياب الفاهوم قال الفاهوم لأبي ماهر هذا الذي خرّب المباراة في تعلبايا فمال عليه أبو ماهر وسمعته يقول: أتركه أحسن ما يخرب لنا العرض.

في سنة 1956 افتتحت في برج البراجنة مدرسة حملت اسم «مبرة الملك سعود»، وكنت أسمع منذ أوائل الخمسينيات أن هناك مبلغاً من المال تتبرع به السعودية للفلسطينيين (180 ألف ليرة لبنانية) وكانت توزع على العائلات المستورة ولم نكن منها ونحن قاطنون في بعلبك وسمعت أحدهم يقول «شو إحنا عائلات مفضوحة؟».

واستطاع أبو ماهر مع مجموعة من أصدقائه أن يحولوا هذه الهبة لافتتاح مدرسة وتجهيزها بمقاعد جيدة ومختبر ومكتبة وأن يجندوا لها مجموعة جيدة من الأساتذة، اذكر منهم الأستاذ والشاعر عارف أبو شقرا والأستاذ أحمد عرابي والأستاذ حمدي دعدع للرياضيات والعلوم وهو خريج الجامعة الأميركية، والأستاذ محمد بركات الفار أستاذ اللغة الإنكليزية. وكان الأستاذ حمدي دعدع يسمعنا بعض المقطوعات الموسيقية لبيتهوفن وقال انه سيعلمنا تحميض الأفلام، ولم يفشل مرة في إجراء أي اختبار تطبيقي في المختبر. كما كان الأستاذ محمد بركات الفار يرسلنا إلى الجامعة الأميركية لشراء بعض الكتب التي تساعد في رفع مستوانا. كما لا أنسى للأستاذ أحمد عرابي ما أضافه إلى البرنامج المقرر مثل النقد الأدبي لإحسان عباس وفن القصة لمحمد يوسف نجم وفن المقامات. وأنا أسجل لأبي ماهر حرصه الشديد على إنجاح المدرسة علاوة على ان علم فلسطين كان يرتفع في كل يوم صباحاً قبل الدخول إلى الصفوف ونقسم القسم المعروف «فلسطيننا لن ننساك ولن نرضى وطناً سواك» وفي هذا العام زارنا أحمد الشقيري وعندما رأى ملابسنا الموحدة وعلم فلسطين وصور المجاهدين وغيرها قال: «هذه ليست مدرسة عادية هذه كلية حربية».

في سنة 1957 زار الملك سعود لبنان، وذهبنا الى السفارة السعودية للسلام عليه. وقفنا صفين من مدخل السفارة إلى ساحتها، وخرج الملك مستعرضاً الطلاب على مهل وحتى باب السفارة. وخلال العرض توقف الملك واستمع الى قصيدة عن فلسطين للأستاذ عارف أبو شقرا. وكان إلى جانب الملك الوجيه الفلسطيني محمد فستق (أبو محمود) ذهبنا للسفارة راكبين لنصل في كامل أناقتنا. وعند العودة قادنا أبو ماهر من السفارة منحدرين نحو الحمام العسكري ثم إلى برج البراجنة.

زرته أكثر من مرة في بيته الواقع بين شارع برج البراجنة وشارع الرويس. ووجدت عنده بعض الطلاب، وأم ماهر تعاملهم كإخوتها. وهذا شيء لا عهد لي به بين مدير المدرسة وزوجته والطلاب. لكن أبا ماهر ليس مدير مدرسة فحسب، بل هو قائد يربي قادة.

انتهت السنة الدراسية 1957 عدت إلى بعلبك. وأثناء الصيفية أخبرني مدير المخيم أنني مطلوب إلى سرايا بعلبك وعلي أن أسأل عن موظف في الأمن من آل حمادة. حاولت أن أعرف شيئاً عن هذا الموظف فقيل لي انه سوري قومي. ثم أدخلت إلى غرفة وفيها رجل وبيده كرباج فسألني عن اسمي وهل كنت طالباً في المدرسة السعودية قلت: نعم. قال: هل طلب منك مدير المدرسة(أبو ماهر) أن توزع منشورات. قلت لا. قال: ولا تعلم عن أحد يوزع منشورات، قلت: لا. قال: إذا كنت صادقاً فحرام أن يبقى الرجل في السجن. وعلمت حينذاك ان أبا ماهر كان في السجن. ثم أردف المسؤول قائلاً وهو يهز الكرباج: أنا أعرف أنك لست صادقاً ولكني لا أريد أن أهينك، وإذا كان عندك ما تقوله فمعك وقت حتى نهار الغد. وعلمت لاحقاً ان هناك حملة لإبعاد أبي ماهر عن إدارة المدرسة نظراً لدوره الوطني ومثلما حاولوا معي حاولوا مع حارس المدرسة كامل عبد الرازق، فطلبوا منه أن يشهد ضد أبي ماهر ولكنه رفض فأسمعوه عبارات جارحة. في أثناء الصيفية كنت في بيروت والتقيت بأبي ماهر يمسح حذاءه قرب اللعازارية فأخبرته بما حصل معي فقال: أنا فعلاً كنت في السجن وأنا الآن ذاهب للتحقيق، فهناك تهمة جديدة قلت: أرجو ألا تكون نتيجتها سيئة قال: والله أنا متوقع ستة أشهر.

لم أكن في حركة القوميين العرب وإن كنت ذهبت مراراً إلى مقر الحركة في بيروت وهناك رأيت غسان كنفاني، كما أني لم أكن عضواً في الجبهة الشعبية، وفي بيته المواجه للملعب البلدي قرب الإطفائية كنت أحد أعضاء اللجنة التي اختارها لكتابة كتاب عن قريتنا سحماتا الذي ظهر للوجود بفضل أبي ماهر.


لبنان - سحماتا
10/1/2011






® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600