رحلة اللجوء...... من شاهد عيان عاش وعايش تلك الفترة - ذيب محمود

حدث حميد أبو محمود فقال :
كنت في السابعة من عمري، وكنا صبية حفاة نلعب في أزقة القرية نقفز على كومة من روث الماشية دون أن نعرف ما معنى الألعاب الأولومبية، ولا نعي رحلة أوديب ولا حكاية الحصان الخشبي في حصار طروادة...
وبينما نحن على هذا الحال من اللهو واللعب إذ بثلاث طائرات في علو متفاوت ودون سابق إنذار تطلق النار من رشاشات بدائية، يتلوها قصف القنابل والتي كانت عبارة عن قناني غاز وأوكسجين، فأصابت شظية ساق أمي واستقرت بين عظمتي الساق، حاول أبي إخراجها بسكين دون أن ينجح في ذلك!!

فر بنا أبي إلى أرض الجبل ومنها إلى قرية البقيعة، وحينها قتل من قتل ونجا من نجا !! وهكذا بدأت رحلة اللجوء.

بقينا في قرية البقيعة آنذاك في بيت شخص يدعى حسين عبد الله خير (أبو عبد الله).

استقر الوضع على هذا الحال حتى سمعنا صوت الناطور ينادي: "يا سامعين الصوت كل من يضبط في بيته لاجئ سيهدم بيته"، فسأل أبو عبد الله أبي: " هل سمعت يا أبا محمود مثلما سمعت؟ وتابع قائلا: " والله يا أبا محمود العين بصيرة واليد قصيرة".. ففرت الدمعة من عيني أبي (وكان حينها يأكل كسرة خبز مع حبة بندورة) فتوقف عن الطعام... طلب منا صاحب البيت أن نرحل إلى لبنان مثل بقية الناس....

من هنا انطلقنا مرغمين نتسلق جبلا يدعى "ظهر حمار" واختبأنا بين أحراش السنديان بينما بقيت جدتي أم أبي في سحماتا لتجمع حاجاتنا لكي تأتي بها إلى بيت عمي أحمد محمود والذي كان متزوجا من البقيعة ومواطنا تابعا لسانها. بقيت جدتي في البقيعة على أمل العودة إلى سحماتا حتى وافتها المنية عن عمر يناهز أل- 105 سنوات.

أما نحن فقد تابعنا رحلة اللجوء في شارع مؤد إلى دير القاسي، ومن الرميش إلى بنت جبيل وكانت الطريق حينها ترابية.

وصلنا إلى بنت جبيل وهناك كان قد أعيانا التعب دون ماء ودون طعام فأرسلتني أمي كي أتسول الماء ورغيف الخبز.

لم نستقر في بنت جبيل وقتا طويلا بل ذهبنا إلى صور وصيدا مدينة من خيام صفر، تعصف بها الرياح من كل ناحية خصوصا وأننا مقبلون على فصل الشتاء، ومنها إلى بيروت ومن ثم إلى بعلبك.

وضعونا في مكان اسمه" القشلة" لها سور كسور عكا وبوابة واحدة وكرسي يجلس عليه شرطي. كنا أشبه بحيوانات داخل قفص في النهار يفتحونه وفي الليل يقفلونه بأمر الشرطي.

كنا نذهب لرأس العين وصولا إلى قلعة بعلبك وقي تجوالنا نسمع يقال لنا: " فلسطيني نجس".

بقينا في لبنان وطوال تلك الفترة كان أبي يأتي ليزورنا مشيا على الأقدام إلى لبنان ويعود إلى البقيعة ليطمئن على أمه الموجودة هناك.

إلا أن أبي (ذيب محمود) بعد أن سمع ما قيل لنا: "فلسطيني نجس" قرر العودة بنا إلى البقيعة وقال حينها:

"أود أن أموت تحت فرع سنديان في الجرودة (أرضنا) ولا أبقى تحت جميلة الغربة". أخبر أمي بأنه ينوي العودة إلى أرض فلسطين. فما كان من أمي إلا أن توافق لتبقى مع زوجها وأولادها.

مشينا نفس الطريق رجوعا إلى فلسطين وانتظرنا حلول الظلام في رميش حتى ينتهي الدرك اللبناني من عمله وتنتهي ورديته. مشينا طوال الليل تحت جنح الظلام خلسة حتى الفجر ووصلنا إلى قرية حرفيش عن طريق جبل عداثر. لما وصلنا كرم لآل مراد في حرفيش بدأت الكلاب تنبح فسأل شيخ جليل:

"من هناك؟"

فقال أبي- وكان صديقا له- أنا أبو محمود!! وطلب منه أبي أن ننام حتى الصباح وهذا ما حصل. وما أن اقبل الصبح حتى سرنا بين قطعان الماعز خوفا من أن يرانا أحد. حملت أمي "صرة" من الملابس، وكأننا نريد غسل هذه الملابس في وادي الحبيس (تحت قرية حرفيش).

وصلنا إلى أرضنا أرض الجبل متحاشين الانظار خوفا من إعادتنا إلى لبنان ثانية!!

بقينا على هذا الحال حتى غروب الشمس إلى أن مر قطيع آخر من الماعز في طريقه إلى البقيعة (حيث نقصد) فمشينا مختبئين بين القطعان حتى وصلنا القرية .

لم يكن لنا مسكنا فسكنا في "بيت شعر" في الرغب وذهب أبي يوما برفقة مخاتير البقيعة إلى قرية معليا، حيث مقر الحاكم العسكري لنحصل على هويات حمراء مؤقتا حتى ينظروا في أمرنا وتحل مشكلتنا!!

في نهاية المطاف حصلنا على هوية زرقاء واستقرينا في البقيعة حيث عاملنا أهلها أحسن معاملة.. وهكذا أصبحنا لاجئين في أرض الوطن.

هذه نبذة عن رحلة اللجوء والعودة يتخللها العديد من الأحداث التي لم تذكر وألما وحزنا لا يمكن التعبير عنه بالكلمات، فإن أصدق الكلمات هي تلك التي لا تخرج من حيز الصمت والسكون.

من مقدمة ديوانه سحماتيات

26/11/2010






® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600