عن الطيران الايطالي - محمد خشان


محمد خشان في الملعب البلدي، بيروت، ابريل 2010، تصوير صموئيل شمعون


أنهيت كتابة المذكرات في 31 تشرين الأول2008 أي بعد ستين عاما على إغتصاب وطني وطردي من أرض آبائي وأجدادي وبقِيتْ هناك عدة حلقات لم ينشرها موقع كيكا نزولًا عند رغبة دار النشر التي تقوم الآن بقراءة المذكرات. ضربت أخماسًا في أسداس وأعدت النظر وتبصرت جلياً وفكرت ملياً ثم قلت في نفسي لِم َ تترك القراء يستريحون ويستكينون للكسل والدعة؟ قم إحمل قلمك وأكمل ما بدأْت وقبل أن أبدأ أحب ان أعترف لكم أنني خائف، أي والله جدُ خائف خوفاً لم يعترِني مثله في ما مضى من ايام حياتي وان كانت الأمور تبدو ساكنة إلا أنها سكتة المريب أحس أنني في دائرة مقفلة وأتمثل المسيح بين يدي بيلاطس والتُهم تنصب عليهِ ليس اقلها تهمة إدعائه انه ملك فيقول: مملكتي ليست في هذا العالم وأخاله ينظر يمنة ويسرة ويتفرس في الوجوه، أين اولئك العميان الذين أعاد اليهم البصر اين من أعاد اليهم عقولهم اين من شفاهم من البرص والموت والمرض، لقد لاذوا جميعهم بالصمت، وجد نفسه هكذا وحيداً أمام سلطة عاتية وكهنوت يريد رأسه، شهادته لنفسه لا تنفع وشهادة من في السموات هناك في السماوات. وكما وجدتَ نفسك رغم تضحياتك وحيداً ها أنا الفلسطيني الجليلي أجد نفسي وحيداً وما اشبه اليوم بالأمس. كان لا بد من هذا الإعتراف وتجرع الكأس المُرة ومنذ البداية.

أعود واقول ها أنا اقفز شهوراً من نهاية المذكرات في تشرين الأول 2008 الى أيار 2009 حيث لم يكن في فصل الشتاء ما يستحق الذكر. فإلى امريكا وعلى الله الاتكال. ذهبت الى مكتب السفريات في مركز الجيفينور في بيروت وأنا على معرفة بصاحبه، رأى العكاز في يدي فقال الأفضل أن تنقل على عربة. وعلى أي طيران تريد السفر؟ قلت كما هي العادة اليطاليا ان حيث جميع زياراتي على طائراتهم فعسى أن يقدروا هذه المحبة للطليان وان كانوا مثلهم مثل الأنكليز والفرنسيين من المستعمرين إلا أنهم جيراننا فكلانا على شاطىء المتوسط. كما أن بيننا علاقات مهمة عبر قرونٍ وقرون فنحن لنا محبة بالأباطرة وإن كثروا وقعدوا ومدوا أرجلهم وأيديهم فنهبوا وسلبوا وقتلوا. ومن بعض مآثرهم الحديثة ما فعلوه بأهلنا في ليبيا، واقرب جمائلهم وفضائلهم علينا والتي لا تنسى هي ترك المخيمات في بيروت بعد الاجتياح الاسرائيلي في عام 1982 وهي مجردة من السلاح لتذبح ثم يعودون اليه مع قوات الدولية المشتركة بعد الذبح في صبرا وشاتيلا. ومع ذلك فنحن أناس مسالمون طيبون نحفظ الجميل وننسى القبيح ومن جميلهم علي أنني في الزيارة ما قبل الأخيرة الى امريكا إختاروني من بين عشرات الركاب لينقلوني من الدرجة السياحية من بين البسطاء والفقراء والعشوائيين الى درجة رجال الأعمال فهل أنسى للطليان ذلك الجميل؟ لا اريد أن اعدد ما بيننا من أوجه قربى ونسب فقيصرهم هو صهرنا وزوج ملكتنا كليوبترا الذائعة الصيت بجمالها وغوايتها والقديس بطرس ابننا وأحد الصيادين من بحيرتنا بحيرة طبريا، وهو الصخرة التي بنيت عليها كنيسة المسيح (على هذه الصخرة أبني كنيستي) وان رحت أعدد ما في خزائنهم من آثارنا وكتبنا لضاق بي المقام، وقد يكون تكريمهم لي لأسباب لا أعلمها أقلها وأبسطها انني حملت عنهم تهماً لم أرتكبها وربما لم يرتكبوها فعبارة" الحق على الطليان" عبارة شائعة في لبنان فالتهمة جاهزة لإلصاقها بهم ولكنهم منذ اكثر من ستين عاما طلعوا براءة والصقت التهمة بالفلسطيني، لست بحاجة الى دليل فكما كان الحق على الطليان اصبح الحق على الفلسطينيين فهل كثير أن نقلوني من الدرجة الثالثة الى الأولى؟ لا والله ليس بالكثير وان أفردوا لي جناحاً خاصا وطائرة خاصة لما وفوني حقي وربما ضحكوا "حتى بانت نواجذهم" وهم يروني اقبل بالتافه والحقير في حين هم حاربوا ملكتنا زنوبيا وزوجها أذينة إبن الصميدع، واقتادوها الى روما حيث عرضوها في الطرقات في قفص محمل على عربة وبيديها سلاسل من ذهب لا والله لم أنسى ذلك وها هي ذاكرتي تحفظه منذ سبعين عاماً. ومالي لا اسامحهم وأنا من بسطاء الدنيا والسياسات الكبرى من اختصاص الملوك والرؤساء "والايديولوجيا هي مهنة البوليس في الدول القوية" كما قال محمود درويش. ويخامرني شك يصل الى مشارف اليقين ان ملوكنا ورؤساءنا أو معظمهم لم يسمعوا بزنوبيا أو زينب وربما ظنوا أن هذه الاسماء من أدوية الأعشاب التي تزيل الكلف والنمش وحب الشباب. ولكن صاحبي صاحب مكتب السفريات ولعلة ما ولا أرى لزوماً لِ (ما) لأنها تدل على الإبهام فاذا قلت لصديقك سأزورك يوماً ما فهذا يعني أنك ستزوره في يوم من الأيام دون تحديد وقد جهَّلَتْ ما زمن الزيارة.

اقول ان صاحبي طرح علي أن اسافر على الطيران الفرنسي فأحسست بنفرة وانقباض لأن من تقدم بهم السن واعتادوا على شيء لا يغيرونه كمن يدخن نوعاً معيناً من الدخان. فالذكريات الجميلة مع الفرنسيين نادرة إن لم تكن معدومة ولا يروقني برج إيفل الذي رغّبني صاحبي في رؤيته وأنا لا ارى فيه سوى كتلة ضخمة من الحديد فلا أشعر ان روحاً انسانية مسته وهو لا يختلف في نظري عن اعمدة الكهرباء في بلادي، ارجوان اكون مخطئاً فهذا رمز من رموز فرنسا ومعلم من معالمها وان كان لنا في باريس مسلّات سُرِقن من بلادنا كما سرق غيرها جهاراً نهاراً أو خفية. لا تظن اخي انني متحامل على الفرنسيين ليس الأمر كذلك وهم من حملوا مشعل الثورة بشعاراتها الجميلة (حرية، اخاء، مساواة) وان لم نر اثارها في بلادنا فالحق هذه المرة على الطليان ويكفيهم اني احفظ تاريخهم وجغرافيتهم وعاداتهم وشعرهم المستعار ففي ذهني صورة لملكهم لويس الرابع عشر صغيراً وقد بدا كدُمية بين يدي العملاق بطرس الأكبر أمبراطور روسيا. كم حفظت حروبهم وأماكنها ومنها مقاطعة الإلزاس واللورين وكم من خلاف نشب بينهم وبين الألمان حول هذه المقاطعة وكم مرة تبودلت بينهما لا أدري عدد الألاف الذين سيقوا الى حرب الألزاس واللورين من المان وفرنسيين وها هي اوروبا بأكملها تكوّن إتحاداً، وقد عايش فولتير هذه الأحداث وصورها على الشكل التالي: قام ملائكة من كواكب مختلفة بجولة في الكون الفسيح ولا أدري ان كانوا زاروا مجرات مختلفة أو اكتفوا بزيارة درب التبانة ومجرتنا وكما لا يغيب عن ذهنك مؤلفة من مليارات النجوم ان لم يكن اكثر وقد شاهدوا جمال كوكبنا وخاطبوا إنسانهُ قائلين: لا شك ايها الإنسان انك بما اوتيت من ذكاء وبما لديك من موارد تحيا حياة هانئة رغيدة وتستمتع بتذوق المعاني العقلية الراقية والأحاسيس المبهجة والمشاعر التي تفيض حناناً ولطفاً وجمالاً وقبل ان يسترسل الملائكة في إعجابهم ووصفهم خاطبهم احد فلاسفة الأرض ان الأمر ليس كما تظنون وفي الوقت الذي أنتم تتكلمون هناك مئات الألاف من البشر يتقاتلون على شيء قد لا يعرفه معظمهم ولكنهم بعثوا بهم الى حتفهم وهم هانئون في قصورهم. إغتاظ احد الملائكة وقال افكر في ان اخطو خطوتين أو ثلاثة فأسحق هذه المخلوقات الغبية، فرد عليه الفيلسوف لا تتعب نفسك انهم يريحونك ويسحقون أنفسهم بأيديهم. أعود واقول لا أزال واقفاً في المكتب والرجل يزين لي السفر على الطيران الفرنسي، لم اشأ أن اخيب ظنه ولا شك ان العمولة التي يتقاضاها من هذا الطيران أكبر من العمولة الإيطالية، فالعلة اذاً غير مجهولة لأقول لعلة ما.

وافقت على مضض وأخذت أنا ازين لنفسي محاسن التجربة الفرنسية الجديدة محاكاة للتجربة الدانماركية لعادل امام. في اليوم التالي كنت في المطار وما أن قدمت جوازي وتذكرتي حتى كانت العربة التي سأجلس فيها الى جانبي وهذا فأل حسن فلا عهد لي بالعربي يتقن عمله "ولكن ليس بالمجان يعبد أيوب ألله" كما ذكر ابليس الرب في التوراة. إعتليت صهوة العربة يدفعني رجل بإتجاه الطائرة فالمكان قريب جداً على غير ما تعودت في الرحلات السابقة الى أمريكا أو غيرها، تناول الموظف الجواز. نحن الان على مدخل الطائرة وقال: ممنوع! يجب أن يحصل الفلسطيني على تأشيرة للمرور عبر فرنسا. هكذا اذاً سرعان ما كشفت الأم الحنون فرنسا عن أنياب دراكولا وقد تكون حنوناً على غيرنا مع أننا نستحق المسايرة ولو بقطعة من جبنة البقرة الضاحكة.

عيب عليكم، تفرست في الوجوه فالرجل الذي يصحبني بذل جهداً مشيراً الى سني وعجزي وماذا عساي أفعل والرجال طوال عراض ووسامة وأناقة وعربية لا غبار عليها وان كان لا يظهر انهم فرنسيون وليس ذلك بضربة لازب أو لازم وإن كان الطيران فرنسي. وهكذا عدت أدراجي وأعادوا الينا الحقائب وفاجأت الجيران بعودتي فشرحت وافضت خوفاً أن يظنوا بي الظنون لماذا أعادوا هذا الفلسطيني من المطار فأسرعت الى مكتب صاحبي ابو علوان وكنت اتصلت به فور خروجي من المطار وأخبرته ان الموظفين الذين حاولنا معهم هم عرب قال طبعاً فأنت ذاهب الى باريس على طيران الشرق الأوسط اللبناني ومن هناك تأخذ الطائرة الفرنسية، لم أناقشه فهو صاحب المكتب ومن واجبه ان يعرف البلدان التي تطلب تأشيرة والتي لا تطلب المهم أن صاحبي ابو علوان بعد ان كان أغراني بمحاسن الفرنسية ومن ذا الذي يشك في محاسن الفرنسية والفرنسيات بالإضافة الى أن ثمن البطاقة الفرنسية أرخص وهذا ما اثار ريبتي.

المهم انني عدت واشتريت بطاقة جديدة على الخطوط الأيطالية ودفعت فروقات اكثر من مائتي دولار زيادة عن سعر الإيطالية الأصلي لأنهم لم يعيدوا له ثمن البطاقة على الفرنسية. وها انا اعقب واقول انني بعد عودتي من امريكا زرته واخبرني انهم لم يعيدوا له ثمن التذكرة وانه حاول معهم وقال لهم ان الرجل مات، قال لي لا تزعل قلت انك مت وأراني السجل وأمامه (مات Dead ( وهكذا أرسلني ابو علوان الى الرفيق الأعلى دون ان يأخذ موافقتي او موافقة السماء كما أخطأ ولم يأخذ موافقة فرنسا كما هي الأصول. أمور بسيطة كهذه لا تستحق التسجيل اذ من لا يحفظ لأبي الطيب المتنبي قوله:

وصرت إذا اصابتني سهامٌ         تكسرت النصالُ على النصالِ.

وفي اليوم التالي ركبت جناح الطائر الأيطالي الميمون معززاً مكرماً مع مكان فسيح مريح لذوي الحاجات الخاصة وقد أصبحت عضواً في ناديهم. وصلنا مطار روما والذي أصبحت أعرفه كبيتنا واذ بكراسي نقالة تنتظر عند أسفل الدرج وبسرعة البرق أنجزت أوراقي ودفعني رجل بسرعة وبطرق مختصرة جداً ومصاعد خاصة واذ بي بعون ذلك الرجل وبعونه تعالى أسبق الأصحاء الشباب واصعد الى الطائرة قبلهم. نادراً ما ترى في بلادي سائقاً يتمهل ليقطع عاجز الطريق بل أنهم عندما يرون عجوزاً على جانب الطريق يسرعون خوفاً أن يهِم فيقطع ويؤخرهم. مشاغل العرب كثيرة ووقتهم يحسب بالثانية أو بعضها فما بال هؤلاء العجزة لا يقدرون قيمة الوقت وما الذي اخرجهم من بيتهم!

لا أطيل عليك اخي القارىء وانا اقول اخي القارىء من باب أخوة الأدب في حين قد أكون في عمر ابيك او جدك. حطت الطائرة في بوسطن وباختصار دفعت الى غرفة للأمن ومعي ورقة من السفارة تنبهني الى انه علي ان أمر على الأمن عند الوصول وقبل مغادرة البلاد. كانت الغرفة تغص بالقادمين امثالي، مر الجميع بشكل مقبول ولم يبق في الغرفة الا انا ورجل آخر وكان رجل الأمن يسأله ثم يذهب ويعود وهكذا مر وقت طويل وأنا معتصم بالصبر لقد أخروا الرجل ثم جاء فرج الله عليه وجاء دوري فتناول وثيقة السفر التي تصدرها الحكومة اللبنانية الكريمة للاجئين الفلسطينيين وقلبها ونظر فيها طويلاً ثم خرج الي من وراء مكتبه وسألني بعض الأسئلة العادية وعاد الى مكانه وعاد يقلب في الجواز- الوثيقة ويُريه للذي على يمينه وعلى يساره ثم ينظر الي وانا جالس مستريح لا يرمش لي جفن وتركته يأخذ وقته. ليس في جوازي شيء مريب اللهم انني عربي وفلسطيني وقادم من لبنان وعلى جوازي تأشيرات كثيرة لزيارات لسوريا اضافة الى اسمي وليس هذا بالقليل. ويبدوان كثرة الزيارات الى سوريا قد اثارت شكوكه وربما ضغينته. اذ ان اخر اثنين غادرا المطار من رحلتنا كنت انا وشاب سوري ومعه زوجته. صوّرَ صفحات الجواز وشعرت انه صوّرها عدة مرات ولم يظهر علي ضيقاً وإن كنت قد صممت انني إذا وُجِّهت الي اي إساءة سأطلب إعادتي الى لبنان وليريحوني من اسئلتهم. كم ستبقى في اميركا؟ قلت شهرين على الأكثر قال: إذا وافقنا على إدخالك يمكنك البقاء ستة اشهر وبعد أكثر من ثلاث ساعات تكرَّم الرجل وختم الجواز، فقلت له انا استاذ ادب ولغة الا انك قد أشعرتَني انني مذنب او انني ارتكبت جرما. ولا أذكر ماذا قال لي ولكن أذكر انه قال عند المغادرة عليك ان تمر على هذا المكتب. وعزمت ان دعت والتقيت به عند مغادرتي البلد ان اقول له رأيي به وبسلوكه وما يعكس ذلك من صورة لبلاده الا اني لم اره بعد تلك المرة.

كاتب فلسطيني، بيروت - سحماتا

17/7/2010






® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600