الكفاح الوطني لأهالي سحماتا إبّان الإنتداب البريطاني

يفتخر أهالي سحماتا أن قريتهم كانت ملاذًا للثوار ضد سلطات الإنتداب البريطاني منذ نهاية العشرينيات، وأن أحد رفاق القائد الشهيد فؤاد حجازي (أحمد طافش) كان هو ومجموعته يتخذون من أحراج القرية، وكروم الزيتون المحيطة بها مقرًا لهم... وكان بعض أهل القرية يرسلون لهم الطعام والماء... وينقلون لهم أخبار الدوريات العسكرية التي كانت تبحث عن الثوار..

الثورة الكبرى: 1936 - 1939

في الثورة الكبرى التي أطلق شرارتها القائد العربي - السوري المولد، شيخ الشهداء عز الدين القسام، أصبحت سحماتا وأحراجها وكروم زيتونها مقرًا للقادة أبو خضر، وأبو اسماعيل، وعبد الله الأصبح، واشترك العديدون من أبنائها في الثورة..

معركة دير الأسد

ما زال أهل القرية يفتخرون باستشهاد أحد وجهاء القرية الذي التحق بالثورة كقائد مجموعة، محمد محمود يوسف عامر (أبو قاسم) والذي استشهد مع القائد ابو خضر في معركة غير متكافئة بين رجال الثورة، والجيش البريطاني في منطقة الجرف الجليلية قرب قرية دير الأسد.

الحصول على السلاح

كان أهل القرية يبحثون عن السلاح في كل مكان وبكل الوسائل.. كان المقتدر يشتري بندقية له ولابنه أو اخيه، وكان الذي لا يملك مالا يبيع بقرة من بقراته أو أكثر، ويرهن قطعة أرض او كرم زيتون ليشتري بالمال الذي يجمعه بندقية وذخيرة لها...

بعض المسلحين كان يلتحق بالثورة متطوعًا، ويترك لأفراد اسرته تدبير شؤونهم البيتية، والاهتمام بزراعة ارضهم، بينما كان البعض الآخر يقوم بحراسة القرية وخاصة عندما يتواجد فيها مجموعة من الثوار..

معركة المرج

يقول أحمد سعيد العبد "انه مع اشتداد الثورة الكبرى عام 1936، حاولت فرقة من الجيش البريطاني نقل عائلة يهودية كانت تسكن في قرية البقيعة المجاورة لسحماتا، وقد قررت قيادة الثورة، التصدي للجيش البريطاني، واتصل القائد ابو خضر بقائدين من قادة الفصائل في سحماتا هما سعيد العبد موسى والشيخ يونس الجشي، اللذين قاما بجمع مسلحي القرية، وتصدوا لسيارات الجيش من كرم زيتون قريب من الشارع العام في محلة تعرف بـ "نبع أبو هاني".. ودارت معركة مع الجيش، تم خلالها إحراق آلية من الآليات الخمس... وتمكن الجيش من تهريب العائلة اليهودية... وجرح في هذه المعركة الثائر يوسف الدربي، (مواطن من قرية ترشيحا، كان يقيم في سحماتا ومتزوج من احدى نسائها).

معركة رخصون

ومن المعارك التي اشترك فيها ابناء القرية المسلحون، معركة رخصون.. وكان المسلحون من قرى المنطقة قد انتشروا في الأرض الصخرية.. وراحوا يمطرون قوات الجيش البريطاني التي كانت تقوم بدوريات راجلة، بالرصاص، وانسحبوا دون وقوع أية اصابات بينهم.. ولم يتبينوا هذه المرة خسائر جنود العدو... واستشهد في هذه المعركة أحد مقاتلي سحماتا، نايف خليل موسى رحمه الله. ومعركة اخرى اشترك بها أبناء القرية المسلحين مع أبناء القرى المجاورة، ومجموعة من الثوار الذين قدموا من القطر العربي السوري.

الجيش البريطاني يحاصر القرية ويعتقل الرجال

بعد معركة رخصون، وعلى ضوء المعلومات التي جمعتها اجهزة المخابرات البريطانية، قامت قوة كبيرة من الجيش بمحاصرة القرية منذ ساعات الليل الأولى، وأعلنت منع الأهالي من مغادرة منازلهم.. مهددة كل من يخرج من بيته بإطلاق النار عليه، وهدم بيته على من فيه.

ومع انبلاج الفجر، بدأ الجنود يدخلون البيوت، يفتشونها بشكل وحشي، يكسرون خوابي الزيت ويخلطون المواد التموينية ببعضها... وبعد ذلك يقتادون الرجال الى ساحة القرية - (الرحبة)، وبعد أن يوسعونهم ضربًا وإهانات يبدأون بإلقاء بعض الرجال كبار السن في البركة الواسعة والممتلئة بمياه الأمطار... وما زال أهل القرية يذكرون ويتصورون حال المواطن اللبناني (رشيد الزين) الذي كان يصنع الأحذية ويقيم في البلدة.. وهو يصرخ عندما رماه رجال الجيش في البركة (وهو لا يحسن السباحة) بأعلى صوته.. "بخاطركم يا وليداتي.." ولولا أن أقدم أحد رجال القرية الذي يحسن السباحة على جرّه الى حافة البركة لكان قضي عليه..

سوق الرجال الى المعتقلات

بعد هذه العمليات التي يأباها الضمير والوجدان، يختار الضابط المسؤول عددًا كبيرًا من رجال القرية، وينقلونهم الى المعتقلات المنتشرة في الثكنات العسكرية في قضائي عكا وصفد.. ولا تسمح السلطات لذوي المعتقلين بزيارتهم، فالبلاد تعيش في ظل الحكم العرفي البغيض. وبعد أن تمر بضعة أشهر تبدأ السلطات بالإفراج عن المعتقلين بالتتابع. ومن بين الذين قضوا مددًا طويلة في المعتقلات: يوسف أحمد عبد الرزاق سلمون، محمد عبد القادر سلمون، محمد سليم قدورة، محمد الحاج أسعد قدورة، محمد أسعد عامر، سعيد محمد علي، عبد السلام توفيق العبد، محمد الشيخ حسين الجشي، يوسف علي قدورة.

حفر الطرقات العامة ونسف الجسور

يقول محمود يوسف الحاج أسعد "كان الشباب في قريتنا يقومون في الليالي بحفر الطرقات العامة المحيطة بسحماتا ولمسافات طويلة، وينسفون العبّارات القائمة عليها لمنع آليات الجيش من الوصول الى القرى وخاصة عندما يتواجد الثوار بكثافة في القرية أو جوارها.. وكانت هذه العمليات تساعد الثوار على مواجهة دوريات الجيش الراجلة، وتلحق بها الخسائر.

توقف الثورة


لم تستطع الحكومة البريطانية بكل ما كان لديها من قوات عسكرية من ايقاف الثورة، مع أنها استدعت أبرز قادتها المشهورين بقمع الثورات في المستعمرات البريطانية.. (القائد دل) وتولى قيادة الجنود البريطانيين الذين كان عددهم يزيد عن خمسين الفًا كما تقول بعض المصادر.. ومع كل الاجراءات القمعية التي اعتمدت، ورغم زيادة عدد المعتقلات، وتكديس المعتقلين، كانت الثورة، تعم وتنتشر... وعندما تم إعلان الحرب العالمية الثانية بين دول الحلفاء بزعامة بريطانيا، ودول المحور بزعامة المانيا.. أجرت السلطات البريطانية اتصالات مع الزعماء السياسيين العرب!!! وأصدرت بالاتفاق مع بعضهم "الكتاب الأبيض" الذي يعد الفلسطينيين بإنهاء الانتداب بعد انتهاء الحرب العالمية وانتصار الحلفاء.. وطلبت انهاء الثورة.

استجاب زعماء الفلسطينيين لطلب الحكومة البريطانية وزعماء الدول العربية، أو لنقل خدع بعض الزعماء بوعود بريطانيا وأعلنوا إيقاف الثورة، وجمع الأسلحة، وتسليمها للسلطات البريطانية التي ستطوف على القرى والمدن لاستلام الأسلحة والذخائر!!

وبانتهاء الثورة الكبرى بدأ معسكر الأعداء يهيء للمأساة الكبرى... فبعد انتهاء الحرب العالمية، بانتصار دول الحلفاء على دول المحور... كان أول قرار أصدره رؤساء الدول الحليفة الموافقة على اقتراح هاري ترومان رئيس الولايات المتحدة الأمريكية الذي ينص على السماح لمائة ألف يهودي بدخول فلسطين لاستيطانها تعويضًا لليهود عن سنوات الحرب (1936 - 1945) التي كانت عملية دخول اليهود الى فلسطين متوقفة... (لا حبًا بعرب فلسطين، بل خوفًا من تعرض البواخر والطائرات التي تنقل اليهود للخطر)!!

تقسيم فلسطين

اصدرت الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة قرارها المشؤوم بتاريخ 29/11/1947، والذي صوت الى جانبه مندوبو 33 دولة تتزعمهم الولايات المتحدة الأمريكية، بينما أعلن مندوبو 13 دولة معارضتهم (من بينهم مندوبو 6 دول عربية) وامتنع مندوبو 10 دول عن التصويت.

جيش الإنقاذ

كانت جامعة الدول العربية تتوقع صدور قرار التقسيم، وسبق لها أن دعت مجلس الجامعة الى اجتماع في عاليه - لبنان ما بين 7 - 9/10/1947 لدراسة التدابير الواجب اتخاذها للوقوف في وجه المؤامرة على عروبة فلسطين وشكّلت لجنة عسكرية تابعة للجامعة، مؤلفة من اللواء الركن اسماعيل صفوت (العراق) رئيسًا، وعضوية كل من العقيد محمود الهندي (سوريا) والمقدم الركن شوكت شقير (لبنان) وصبحي الخضرا (فلسطين) (لم ترسل كل من مصر، الأردن، السعودية اليمن، أحدًا يمثلها في اللجنة العسكرية).

كان من بين توصيات اللجنة فتح باب التطوع أمام الشباب العرب في الكفاح المسلح في فلسطين.. وكانت الحماسة شديدة لدى الشبان العرب للمساهمة في النضال، وخاصة في الأوساط العسكرية، ففي سوريا قدم عدد كبير من الضباط طلبات التحاق بقوات المجاهدين.. وقدم آخرون استقالتهم من الجيش ليتمكنوا من التطوع في تلك القوات، وقد أفرزت رئاسة الأركان السورية 46 ضابطًا، وعددًا كبيرا من صف الضباط والجنود... وفي العراق تزعم كبار الضباط فكرة مماثلة وانضم اليهم الكثير من الضباط الشبان الذين احيلوا على التقاعد أثر ثورة رشيد عالي الكيلاني.. وفي مصر اتصل الضباط الأحرار بالحاج أمين الحسيني، رئيس الهيئة العربية العليا لفلسطين، للتوسط لدى الحكومة المصرية للسماح لهم بالتطوع، وفي الأردن التحق عدد كبير من رجال الشرطة بالمجاهدين.

وهكذا بدأ تكوين "جيش التحرير" الذي سمي فيما بعد "جيش الإنقاذ"، واسندت قيادته الى فوزي القاوقجي (لبنان) اعتبارا من مطلع كانون الأول 1947.

معركة جدين

بدأت طلائع فوج اليرموك الأول والثاني تصل الى الجليل الأعلى مع بداية شهر كانون الأول 1947.. كان المقدم أديب الشيشكلي (سوريا) يقود الفوج الثاني، وبعد ان استقر في المنطقة، واتصل بقادة الجماعات المسلحة في القرى، اتخذ قرارًا بمهاجمة قلعة جدين.. وقد اشترك عدد من مسلحي سحماتا في هذه المعركة التي جرت ليلة 21-22/1/1948 وقد رفعت المعركة معنويات أهل الجليل وفلسطين عمومًا... ولا سيما ان النجدات التي جاءت لمساعدة القوات الصهيونية في جدين، واشتبكت مع المقاتلين العرب الأقل عددًا وعدة، لم تظهر ثباتا في القتال، فهزمها المقاتلون العرب، وكبدوها عددًا من القتلى والجرحى، وحطموا لها بعض العربات المدرعة قرب قرية الكابري، ولولا وصول قوة بريطانية لانقاذ القلعة وحاميتها لسقطت القلعة بيد المقاتلين العرب... حيث اضطرت قوات الفوج الثاني ومقاتلي القرى الى التراجع طبقًا للتعليمات التي لديها بعدم الاشتباك مع البريطانيين.

سقط في هذه المعركة اوائل شهداء جيش الانقاذ، وجرح أحد مقاتلي سحماتا الذين اشتركوا في هذه المعركة، رحم الله الشهداء وأسكنهم فسيح جناته.

الإشراك في الإغارة على المستعمرات الصهيونية

كان المسلحون من ابناء القرية يشاركون بالإغارة على المستعمرات الصهيونية مع قوات جيش الإنقاذ، وبعضهم اشترك في معركة طبريا، وآخرون في معركة صفد.. وكان مقاتلو القرية كغيرهم من المقاتلين الفلسطينين والعرب يتصفون بالجرأة والحماسة، ورباطة الجأش والتضحية وهم يواجهون قوات عدو صهيوني يمتلك ما ينقصهم من العدة العسكرية والذخيرة.. والتدريب الذي كان يتسنى لهم في معسكرات الجيش البريطاني خلال فترة الانتداب.

الدفاع عن القرية

بعد دخول قوات جيش الإنقاذ الى المنطقة، أصبحت مهمة مسلحي القرية تنقسم الى قسمين:

الأول: المشاركة في المعارك التي يدعوهم قادة الفوج الثاني لها.. الثاني: حراسة القرية من إمكانية تسلل الصهاينة الى ضواحي القرية كما حدث في بعض قرى قضاء صفد، سعسع والجش على سبيل المثال.. حيث كان الصهاينة يقومون بنسف بعض المنازل المتطرفة لإرهاب الأهالي، وإجبارهم على مغادرة قراهم.


من كتاب: سحماتا زهرة من رياض الجليل الأعلى

25/6/2010




® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600