ثورة البراق 1929 وماذا نعرف عنها... - أحمد حسين اليماني

وجدت من واجبي، وأنا أتحدث عن ذكرياتي، وأنا في السادسة من عمري، وحضور تنفيذ قرار سلطة الانتداب البريطاني بإعدام الشهداء الأبطال الثلاثة، لمساهمتهم في "ثورة البراق"، التي انطلقت عام 1929 وعمت كل المناطق الفلسطينية، احتجاجا على تسهيل حكومة الانتداب للغزاة اليهود بدخول فلسطين، وتقديم أراض أميرية لهم لإقامة مستعمرات عليها، التزاما بوعد بلفور. وجدت اليوم أنه من واجبي وأنا أسجل ذكرياتي، أن أسجل بعض ما أطلعت عليه حول ثورة البراق والأبطال الشهداء الثلاثة*

* جاء في الموسوعة الفلسطينية حول الثورة والشهداء.

ثورة البراق
"بعد أن استقر الأمر للحكومة البريطانية بالانتداب على فلسطين، وتبنت عصبة الأمم وعد بلفور في صك الانتداب عام 1922، راحت تسن التشريعات لتسهيل تدفق الغزاة اليهود (المهاجرين) إلى فلسطين، حتى فاق عدد من دخل منهم منذ الاحتلال البريطاني وحتى عام 1929 حوالي مائة ألف يهودي... عدا الآلآف الكثيرة من المتسللين الذين كانت السلطة البريطانية تغمض العين عن تسللهم!

واقترنت هذه التسهيلات بدخول اليهود الغزاة إلى فلسطين، بإتساع رقعة الأراضي الأميرية التي انتزعت من الفلاحين العرب، وطردهم منها، وحرمانهم من العمل فيها، ومنحها للشركات التجارية والصناعية اليهودية، وقد بلغت مساحتها حوالي 82 ألف دونم، علاوة على ما منحته حكومة الانتداب للشركتين اليهوديتين (شركة البوتاس 75 ألف دونم، وشركة كهرباء روتنبرغ 18 ألف دونم) كما نقلت امتياز تجفيف سهل الحولة إلى الشركات الصهيونية، وتبلغ مساحة هذا السهل ما يوازي ثلث الأرض الخصبة في فلسطين، وكانت حجة السلطات البريطانية أن هذه الشركات (البوتاس، روتنبرغ، تجفيف سهل الحولة) تعمل للصالح العام!!! وسط هذا المناخ المتوتر، اندلعت الشرارة الأولى لثورة 1929، التي عرفت باسم "ثورة البراق".

ففي يوم الجمعة 16 آب 1929، كان الفلسطينيون يحتفلون بذكرى المولد النبوي الشريف (12 ربيع الأول 1348 هجرية)... وقد قام المصلون بعد صلاة الجمعة في المسجد الأقصى بمظاهرة احتجاجا على سياسة حكومة الانتداب، وموالاتها للصهاينة، والتي كانت في ذلك اليوم قد سمحت لليهود بالقيام بمظاهرة حاشدة لم يسبق لها مثيل.... وكانت الشرطة البريطانية تحرس مظاهرة اليهود، حتى وصل المتظاهرون اليهود قرب حائط البراق وهناك رفعوا العلم الصهيوني واخذوا ينشدون النشيد الصهيوني (الهاتكفا-"الأمل")... وشتموا المسلمين، وأطلقوا صيحات التحدي والاستفزاز.. وطالبوا باستعادة حائط البراق، (ويطلقون عليه إسم حائط المبكى).

سارعت قوات الشرطة البريطانية إلى مهاجمة المتظاهرين العرب، واعتقلت المئات منهم، تواترت الأخبار عن نية الصهاينة، شن هجوم على حائط البراق لاحتلاله، فتدفق أهالي القرى من المنطقة المحيطة بالقدس بأعداد كبيرة على القدس. وعمت الاضطرابات في المدن الأخرى، وكان أشدها في نابلس، الخليل، صفد، يافا، طبريا والجاعونة، كما قامت الجماهير العربية يومي 25 و26 آب 1929 بشن هجمات على العديد من المستعمرات اليهودية القريبة من مدنهم، وقد تم تدمير ست مستعمرات تدميرا كاملا.

قامت حكومة الانتداب باعتقال ما يزيد عن ألف متظاهر من المواطنين العرب، وقدمت حوالي تسعمائة منهم إلى المحاكمة، بتهم تتعلق بأحداث شهر آب.. وصدر الحكم بإعدام خمسة وعشرين عربيا.. ونتيجة لاستئناف الأحكام فقد تم تخفيف أحكام 22 منهم وأصرت الحكومة على إعدام ثلاثة هم فؤاد حجازي، محمد جمجوم، وعطا الزير، وقد أبدى الشهداء الثلاثة من رباطة الجأش والشجاعة، والتفاني في سبيل الوطن، ما جعلهم مخلدين في أذهان وقلوب أبناء الشعب، وقد قام الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان، بتخليدهم في قصيدة "الثلاثاء الحمراء".

ويقال أن الأبطال الثلاثة كانوا يرددون في سجن عكا، قصيدة من أبياتها:
يا ظلام السـجن خيم             إننا نهوى الظلامـا
ليس بعد السـجن إلا             فجـر مجد يتسامـا
حسبوا الإخلاص إثما             والوفا أمرا حرامـا

شهداء ثورة البراق 1929
الذين تم إعدامهم بتاريخ 17/6/1930


أولا: الشهيد فؤاد حجازي
ولد الشهيد في مدينة صفد، وأتم دراسته الجامعية في الجامعة الأمريكية- بيروت، شارك مشاركة فعالة في المظاهرات والانتفاضات التي كانت تقوم بها الجماهير الفلسطينية احتجاجا على وعد بلفور، وتسهيل هجرة اليهود إلى فلسطين، وتمليكهم الأراضي الأميرية... وإشترك في ثورة 1929 بعد أحداث البراق وقد اعتقل وحكم عليه بالإعدام.
كان الشهيد يقول لزائريه، بعد أن علم بقرار إعدامه، ورفيقيه محمد جمجوم وعطا الزير:
"إذا كان إعدامنا نحن الثلاثة، يزعزع شيئا من كابوس الانكليز، عن الأمة العربية الكريمة، فليحل الإعدام بعشرات الألوف مثلنا، لكي يزول هذا الكابوس عنا تماما".
وقد كتب المجاهد فؤاد حجازي وصيته، وبعثها إلى صحيفة اليرموك التي نشرتها في اليوم الثاني لإعدامه (18/6/1930 ) جاء فيها:
"إن يوم شنقي، يجب أن يكون يوم سرور وابتهاج، وكذلك يجب إقامة الفرح والسرور، في يوم 17 حزيران من كل سنة.. إن هذا اليوم يجب أن يكون يوما تاريخيا، تلقى فيه الخطب، وتنشد الأناشيد على ذكرى دمائنا المهراقة، في سبيل فلسطين والقضية العربية."
وقد خص الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان في قصيدته "الثلاثاء الحمراء" كل شهيد من الشهداء الثلاثة ببعض الأبيات.

أنا ساعة النفس الأبية             الفضل لـي بالأسبقية
أنا بكر ساعات ثـلاث             كلها رمـز الـحميـة
قسما بروح فؤاد تصعد             مـن جوانحه الـزكية
عاشت نفوس في سبيل             بلادها ذهبت ضحيـة

ثانيا: الشهيد محمد جمجوم
ولد الشهيد في مدينة الخليل عام 1902، كان يتقدم المظاهرات التي تجري في مدينة الخليل، احتجاجا على سياسة الحكومة البريطانية، قال وهو بلباس السجن الأحمر (لباس الإعدام) وإلى جانبه عطا الزير، "نحمد الله، على أننا نحن الذين لا أهمية لنا، نذهب فداء الوطن، لا أولئك الرجال الذين يستفيد الوطن من جهودهم وخدماتهم".
وقد جاء في قصيدة "الثلاثاء الحمراء" في تخليد الشهيد محمد جمجوم الأبيات التالية :

أنا سـاعة الرجل العنيـد             أنا ساعة البأس الشديد
أنا ساعة الموت المشرف             كل ذي فـعـل مجيـد
بطـلٌ يحـطـم قـيـده             رمـزا لتحطيم القيـود
قـسـما بـروح محمـد             نلقى الردى مثل الشهيد
قـسـما بأنـك عند موتك             وهي تهتـف بالـنشيـد
وترى العزاء عن ابـنهـا             في صيته الحسن السعيد


ثالثا : الشهيد عطا الزير
ولد الشهيد في مدينة الخليل، وألم بالقراءة والكتابة إلماما بسيطا، وكان يقرض الشعر أحيانا.

عمل الشهيد في الزراعة، وعدة مهن يدوية، عرف منذ صغره بجرأته، واشترك في المظاهرات التي شهدتها مدينة الخليل احتجاجا على هجرة الصهاينة إلى فلسطين، ولا سيما إلى مدينة الخليل، وفي ثورة البراق 1929 هب عطا مع غيره من سكان الخليل مدافعا عن أهله ووطنه، اعتقلته سلطات الانتداب، مع المئات غيره، وحكم عليه بالإعدام مع زميليه فؤاد حجازي ومحمد جمجوم.
وقبل تنفيذ الإعدام بساعة، طلب عطا الزير من سجانه توفير "حناء" ليخضب بها يديه على عادة أهل الخليل في أعراسهم وأفراحهم، وعندما قاده جلاده إلى منصة الإعدام، طلب أن تفك قيوده، لأنه لا يخشى الموت في سبيل الوطن، فرفض الجلاد طلبه، وعندها حطم عطا الزير قيده بقوة عضلاته، وتقدم نحو المشنقة رافع الرأس، مبتسم المحيّا وقد جاء في قصيدة "الثلاثاء الحمراء" في تخليده:

أنا ساعة الرجل الصبور             أنا ساعة القلب الكـبير
رمز الشباب إلى النهاية             في الخطير من الأمـور
بـطل أشـد على لقـاء             الموت من صم الصخور
قسما بروحك يا عـطـا             وجنة المـلك القـديـر
ما أنقذ الموطن المفدى                غير الفدائـي الجسـور

وتمر السنوات، والشهداء خالدون، يشكلون، منارات تهدي الجماهير إلى سواء السبيل، مع التأكيد بأن الموت في سبيل الوطن، تخليد لحياة الإنسان مدى الزمن.

وسيظل يوم 17/6/1930 ذكرى عرس الشهداء الثلاثة، خالدا في نفوسنا، ونفوس الأجيال اللاحقة بعدنا.

رحم الله مواكب الشهداء في سبيل الحق والحرية

المصدر:
من كتابه "تجربتي مع الأيام" - الجزء الأول، صدر عن دار كنعان للدراسات والنشر، دمشق 2004.






® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600