مذكرات محمد خشان 31 - كيف لحِقت بنا قطتنا من فلسطين؟


محمد خشان في واشنطن سكواير، مانهاتن


كانت هذه السنة هي الأمثل للإنتقال إلى بيروت فقد أنهَت مهى وأحمد ومحمود ونهى، كلٌ أنهى مرحلته بنجاح وأنا قد بلغتُ السن القانوني وكان من الخير أن ننتقل إلى بيروت كي يبدأ الأولاد مرحلة جديدة دون عوائق ولكننا بقينا في بعلبك وعمِلت مهى لسنتين في مدرسة خاصة ثم في الأنروا وأكمل الأولاد دراستهم في مدارس بعلبك.

نحن الآن في العام 1997 وقد مضى على زواج منى سنوات ولم تنجب طفلاً وهي الوحيدة التي تزوجت، كنت في غاية القلق والحزن، أمشي خارج بعلبك أدعو الله أحياناً وتنهمر دموعي أحياناً وكنت أمر بجانب الحواجز العسكرية للجيش السوري فأمسح دموعي خوفاً من أن يستوقفوني ويسألوني عن سبب بكائي فأضع نفسي في موقف حرِج. وكم كان حزني ممضّاً وعميقاً عندما قال زوج منى: نحن نوفر ما نستطيع لنذهب لأداء فريضة الحج، شعرت بالأسى وبأن هذين العروسين الذين لا يستحقان إلا كل خير قد قطعا الأمل من الإنجاب. الأولاد عندما يكبرون لا يشعرون بأن الأهل أكثر خوفاً عليهم من أيام طفولتهم ولكن في أواخر هذا العام 1997 جاء الفرج من الله وأخبروني أن منى حامِل، سجدتُ لله شكراً ومنذ سنوات وفيت بنذري الذي نذرته إن رزق الله إبنتي مولوداً وفي سنة 1998 ولدَت منى مولودها البِكر محمد في مستشفى الجامعة الأميركية وكان زوجها قد غادر منذ شهور إلى الشارقة في الإمارات العربية المتحدة للعمل على أن تلحق منى به بعد الولادة.

ذهبنا إلى الجامعة الأميركية وهناك رأيت كيف تكون الولادة الحديثة فلا صراخ ولا ألم وقارنتها بالولادة بواسطة القابلة والتي نسميها (الداية) وأنا وأولادي بإستثناء عماد جرت ولادتنا عن طريق الداية وهؤلاء يكتسبن خبرة مع الأيام ولا يعوقهن شيء إلا إذا كانت ولادة متعسرة لسببٍ ما وقديماً كانت المرأة تموت مع جنينها وكثيراً ما كنت أسمع في القرية: هذه المرأة على الجنّة لأنها ماتت وهي نَفاس أي توفيت أثناء الوضع. يجب أن أسلِّط الضوء على ما حصل في بلادنا من تقدم وإن كنا عالَماً ثالثاً أو قُل بعده بكثير، ومنذ جيل كان يطلق علينا الأمم النامية وقد كان مأمولٌ نماؤها ولكنها تخلفت أكثر من حيث الديموقراطية وحقوق الإنسان إلا أنه أصبح لدينا مدارس ومستشفيات وطرقات وأنا تعلّمت في مدرسة القرية والصبيان هم الذين يتعلمون أما البنات فلا أدري من أعفاهم من التعليم وفرض عليهم الجهل أهي الدولة البريطانية أم الأهل! كنت أشاهد في بلدة ترشيحا وهي تجاورنا غرباً مدرسة للبنات وقد ذكرها المؤرخ نقولا زيادة أستاذ التاريخ في الجامعة الأميركية حيث كان يُدرِّس في ترشيحا مدة من الزمن وذكر أنه وصل إلى سحماتا قريتنا إلى الشرق من ترشيحا ومن منطقتنا هذه يبتدأ الجليل الأعلى وهي من أجمل ما خلق الله مناخاً، نذهب إلى المدرسة شتاءً ونحن أطفال بملابس بسيطة ولا نشعر بالبرد، وفي الصيف كنت أتجول طيلة النهار وقَلَّ أن تشعر بحرارة تمنعك من العمل بل ان عملية (الدراس) أي درس المحصول من قمح وشعير وعدس على البيدر وهي تتم في عز الصيف ويقوم بها الأولاد غالباً، كانت أقرب إلى المتعة منها إلى العمل. كنت أتجول وأنا في العاشرة وفوقها بسنوات قليلة في مختلف أنحاء أراضي القرية خلال الصيف، أنا أعرف وطني كأجمل ما يعرف الإنسان وطنه فأنا في سن دون سن العمل ولكنني شُرِّدتُ بقوة السلاح والطائرات والتي لاحقتني حتى قرية رميش في لبنان وأنا في الرابعة عشرة فأنا أعرف وطني ربيعا وزيتاً وزيتوناً ونرجس ومروج تموج بآلاف النباتات المتنوعة الألوان والأشكال وأحراج من السنديان والبطم والإجاص البري والزعرور، أقول إن الزعرور الذي شاركت والدي بقطفه من (خلّة الدوالي) في أواخر الأرض الشرقية للقرية وبعدها نتصل بأرض قرية (بيت جن) واهلها من إخواننا وأهلنا الموحدين بني معروف والذين يُعرفون بالدروز وقد سبق وذكرت أنني نمت في هذه القرية، وإلى الشرق الشمالي لقريتنا تقع قرية حُرفيش وهي أيضاً للموحدين وقد نمت في هذه القرية أيضاً ومن الشمال تقع قرية دير القاسي وقرية فسوطة هذه من إخواننا وأهلنا وجيراننا المسيحيين ويسكن فيها الآن بعض الأهالي المهجرين من قريتنا (سحماتا) والذين أنعم الله عليهم بالبقاء في الوطن. أقول في هذه المنطقة الجميلة والتي لا أنسى ما فيها من طيور متعددة الأشكال والألوان: ورور، قبرة، هدهد، حجل والأكثر هي عصافير التين ومن أسماءها الخوري لأن رأسه يعلوه ريش أسود ونوع آخر يسمى أبو عنب ويعلو رأسه ريش أقرب إلى اللون الأشقر، وتُصاد العصافير بواسطة الدَبَق، قد أكون ذكرت هذا ولكن العاشق لا يملّ من ذكر محاسن معشوقه وإذا أمدّ الله في عمري فسوف أعود إلى تفصيل ما أجمَلت فما كتبته ليس تفصيلاً بل أساس يصلح للبناء عليه.

كنت ألفت النظر إلى ما حدث في بلادنا من تطور مدارس ومستشفيات ومكتبات ومياه جُرّت إلى البيوت وقد كانت إلى وقت قريب تُجلب من العين أو النبع. كما حصل تطور في الذوق والنظافة وإختفاء كثير من الأمراض كالجدري والسل والطاعون وغيرها كثير وكانت هذه الأمراض تفتك بقرى بكاملها كما إختفت حملات الجراد والتي كتِب عنها الكثير وكانت والدتي تحدثني عن سنة الجراد وأنواعه وهي الطيار والزحاف وكيف كانوا يخرجون إلى الحقل يضربون على أواني نحاسية محدثين ضجة لإبعاده وهو سريع التكاثر وقد أخبرتني أنه كان يغطي عين الشمس ولم يبقَ عرقٌ أخضر. لأعُد إلى إبنتي منى والتي أنجبت طفلها الأول محمد سنة 1998 في مستشفى الجامعة الأميركية، جلست قربها وهي على السرير فقبلت يدها وبكيتُ وكان هناك نسوة قلنَ أن الجَد مسرورٌ أكثر من الأم. قد يكون هذا مصداقاً للقول الشائع: ما أغلى من الوَلد إلا وَلد الوَلد. كيف لا وأنا كنت أشعر بمرارة وضيق ويأس ولكن الله فرَّجَ كربتي وأنعم على إبنتي وزوجها بطفلٍ جميل. قدّمت لها باقة جميلة من الزهور وشوكولا من أغلى الأنواع في بيروت وقد ضيّفنا الأطباء فقال أحدهم: نحن عادةً لا نقبل التضييف ولكن من هذا النوع لا بأس وقد تكون هذه الكلمات مجاملة منهم وقد رأوا فرحي ودموعي وأبو الطفل زميلهم في المستشفى وهو وهم على خلق رفيع. أشكر هذه المؤسسة على حسن رعايتها ومقدرتها العلمية وإن كانت لغير الفقراء، كأننا لسنا من الفقراء ومن طبقة الموظفين الذين إذا أنعم الله عليهم بالصحة والستر حتى يغادروا هذه الدنيا فيكون ذلك فضلٌ كبير. والطبقة المتوسطة الآن -إذا بقي هناك طبقة متوسطة- لا تخاف إلا من المرض فهو الشغل الشاغل والعدو المقيم وهم يرون أقرانهم أما أنهم إستبد بهم العوز أو العوز والمرض وتنكّر لهم من أحسنوا إليه، فهذا أبٌ يوزع ثروته على أولاده في حياته الدنيا ثم يتنكروا له ويجد نفسه لا في العير ولا في النفير وهذا أبٌ علّم أولاده أحسن تعليم فيلقى في المستشفى لا يزوره أحدٌ منهم وهذا أبٌ جاوز التسعين وله أولاد وبنات وإذ به يجد نفسه في مأوى العجزة وهذه عجوزٌ لها بيتٌ تقيم فيه وحيدة ولها جيران يتوددون إليها فيخدعها لين الملمس فتسجل البيت بإسمهم على أن تبقى عندهم بقية عمرها وما أن تسجل لهم البيت حتى يطردونها وتجد نفسها في الشارع. هذه نماذج أعرفها وقد أغفلت ذكرَ أسمائها عمداً. لأعُد إلى المولود الجديد محمد، قالت الممرضات: أتريد أن ترى الطفل في قاعة الأطفال الزجاجية؟ قلت نعم، ألبسوني مريولاً أبيض وكمامة حرصاً على سلامة الأطفال، نظرتُ إلى الطفل فلفتَ نظري بريق عينيه وإعتماداً على ما قرأته عن ولي الدين يكن في وصفه لبعض المسؤولين حيث يقول: ولا ترى في أعينهم بارقة ذكاء. من هذه وأمثالها وخبرتي الشخصية أصبحت أعتمد على العين كمؤشرٍ على الذكاء. خرجت وقلت لأمهِ ولجدتهِ ولمن معنا في الغرفة: هذا طفلٌ سيكون من أذكى الأطفال، سكتوا كأنهم لا يريدون أن يكذبوني في وجهي فمن ذا الذي يعرف طفلاً وُلد منذ ساعات أنه سيكون ذكياً؟ ولكن هذه هي الأيام تثبت صِدقَ فراستي فقد كان الأول في صَفِهِ في الإمارات وها هو الأول في صفِه في بوسطن وأخيراً إنتخبه الصف ليكون المتحدث بإسمه لدى الإدارة، وأنا أخط هذه الأسطر إتصل بي إبني عمار من دبي وسألني عن صحتي وماذا أفعل، قلت أنا الآن أكتب عن ولادة محمد إبن منى، قال: أنت تتوسع عن حياتك الشخصية وعائلتك فمن أنت ليقرأ الناس عنكَ؟ أجبته أنني أدرك هذا ولكنني أجدُ نفسي منزلقاً إلى الحديث عن عائلتي وأولادي بالإضافة إلى تجربتي الخاصة وقد يكون ما أرويه عن عائلتي هو بشكلٍ أو بآخر ينطبق على عائلاتنا في بلادنا وقد يستريح الإنسان أن يقرأ عن شيء يشبهه كما تُسر الناس عندما ترى صورتها في حفلات الزفاف التي حَضرَتها أكثر مما تُسر بالحفلة نفسها. وأظن أن من قرأ الحلقات وهي مسيرة عمر من ولد دون سن البلوغ يسير على قدميه من فلسطين إلى لبنان ويعاني فوق ما وصف فالمعاناة إحساس والوصف ألفاظ واللغة قاصرة عن التعبير عن إحساس ومشاعر الإنسان والأحاسيس محيطٌ متلاطم ومتغير بين اللحظة والأخرى فالفنان يعاني وهو يرى أحاسيسه وعواطفه يكاد أن يمسك بها ثم تفر من بين يديه وقد تذهب إلى الأبد، فالأحاسيس يلفها الغموض، قد تومض وتختفي وتقترب وتبتعد واللغة قاصرة حتى عند أعاظم الشعراء فكيف إذا كنا لا نمسك بزمام اللغة أي أننا لا نمسك بزمام الفكر وقد تكون اللغة هي الفكر والفكر هو اللغة وأظن أن من يكتبون شعراً حديثاً وهو نثرٌ بل قد لا يكون فيه جمال النثر كما عند جبران مثلاً ذلك نثرٌ يمكن أن نسميه شعراً منثوراً ولا أنسى في هذا المجال قول المتنبي:

أنام ملىءَ جُفوني عن شوارِدِها          ويسهر الخلق جرَّاها ويختصمُ.

بعد هذا الإستطراد أقول قد يعذرني القارىء وأنا أصف ولادة حفيدي وتوزيع الحلوى كأنني أكتب عن عملٍ عظيم فإن لم يكن عظيماً فهو حميمٌ، وقد يكون من حقي أن أستريح بضعة أسطر بعد طول عناء. عناءٌ أكلَ العمر بكامله - معذرةٌ فتكملة- والتكملة عن الأم ابنتي منى والتي كانت تعمل مدرِّسة في إحدى مدارس بيروت للبنات وفيها خمسٌ وخمسون مدرِّسة ليس فيها فلسطينية سواها وهي تدرِّس اللغة الإنكليزية وقد طُلِبَ منها أن تقدِّم درساً للصغار وأحضروا معلمين من مدارس مختلفة قاموا بدور الأطفال لمعالجة الأخطاء التي يقع فيها الأطفال، رَوَت لي شيئاً عن الدرس وهي تضحك، قالت: طلبت من أحد الاساتذة أن يخرج إلى اللوح فقلت: إطلع يا شاطر فقال: ما بدي وهز كتفيه ثم بعدَ تمنّع قالت له: أخرج وهذه قطعة شوكولا، فخرج مقلداً مشية الصغار، وآخر تصنّع عدم قدرته على لفظ حرف في الإنكليزية وقد بَذَلَت جهداً وهي تدرِّبه على لفظ الحرف وقد أتعبها حتى أتقن لفظ الحرف وقد علَّقت عليه بعد إنتهاء الدرس في دردشة مع المدرِّسين قائلة: رأيت في حياتي تلاميذ أغبياء ولكني لم أرَ تلميذ بمثل غباء هذا الاستاذ. ضحكوا لتعليقها وبعد الولادة أخبرتهم أنها ستلتحق بزوجها في الإمارات وعرضوا عليها أن يمنحوها عطلة طويلة وبعدها يضعوا المولود في حضانة جيدة ولكن كان عليها أن تلتحق بزوجها بعد أن زارتها جميع المعلمات في مدرستها مقدمات الهدايا وقد بلغ عدد الهدايا بمناسبة ولادة محمد مئة وإثنتي عشرة هدية وهي حديثة العهد في بيتها في بيروت ولكن لديها موهبة في التعرف على الناس وإكتساب ثقتهم بالإضافة إلى إنسانية صادقة.

لا أنسى أنني كنت أحدِّث أولادي كيف لحِقت بنا قطتنا عند خروجنا من فلسطين وكانت منى تبكي دوما عند سماعها تلك القصة أو عندما ذكرت عائلة فقيرة وكانت إبتدأت التعليم في المانر سكول في بعلبك والتي كان مديرها وصاحبها الاستاذ جورج صيقلي. فنذرَت منى أن تعطي هذه العائلة أول راتب تقبضه من المدرسة. لا أنسى حين حدثتني عن ولد فقير في المدرسة إشترت له ملابس بمناسبة العيد وأخذتها إلى المدرسة وعند خروج التلاميذ نادته وقالت له: لقد مرَّت أمك على المدرسة لتراك وترسل معك هذه الأغراض إلى البيت لأن عندها شغل، بهذه العطايا البسيطة والعفوية والصادقة إكتسبت محبة الناس، كل هذا لأن هناك محبة وتقدير وإحترام بينها وبين زوجها وهم ينتقلون بتوفيق من الله من نجاح إلى نجاح فمن العمل في الجامعة الأميركية لسنوات قليلة فالإنتقال إلى الإمارات ومتابعة الدرس ثم الحصول على ماجستير ثم دكتوراه في التمريض إلى الإنتقال إلى بوسطن والعمل في أشهر المستشفيات والتدريس في جامعتين في بوسطن بعد أن رزقهما الله بثاني ولديهما وأسمياه أحمد وكان قد وُلِدَ في الإمارات وكان الولدان يدرسان في أفضل مدرسة خاصة في الشارقة، إن كان يظهر ما أكتبه الآن وأنا أحسه أنه إطالة وإستطالة في الحديث عن عائلة عادية مثلها ملايين العائلات إلا أنني بهذا التفصيل قد أترك لمن بعدي لعائلتي وغيرها صورة عن كفاحنا في الحياة وما بذلناه من جهدٍ مضنٍ حتى إستطعنا أن نعلِّم أولادنا وإن كنا لا نزال مشردين ملاحقين حيارى ولكن يبقى هناك لمسات حنان ولحظات سعادة قليلة كالقهوة المُرّة، ألا ترى أن العربي يقدِّم القهوة بفنجانٍ كبير يقرعه المَصبّ وما هي إلا رشفة تكاد لا تصبغ قعر الفنجان ومع ذلك لتقديمها قواعد وأصول ومراتب كأحوال الصوفيين في تدرجهم حتى الإتحاد والفناء كرابعة والحلاج وإبن عربي.

السكن في نيويورك


مع ليسا


في هذا العام 1998 زرتُ عماد للمرة الثانية وهذه المرة لم يكن لديه الوقت لنقضيه في المسارح والمتاحف والجامعات والمكتبات والحدائق والمطاعم وغيرها من النزهات. فقد كان قد افتتح محله التجاري قبل ثلاثة اعوام فقط اي في عام 1995 وكان لا يزال في طور التأسيس لذلك كان يقضي كل وقته في محله مع ان لديه عددا من العمال يساعدوه. كنت أذهب منفرداً إلى المنتزه وفي المساء نذهب لتناول العشاء وقد كانت الآنسة ليسا ترافقنا احيانا وهي بذكائها وطيبتها وحسن تصرفها تُشعِرُني بإنسانيتي المهدورة في بلادنا ولا أدري لِمَ أشعر أن حبي لهذه الآنسة كحبي لبناتي بل هي تفهمني أكثر بكثير من أبنائي. تعرفت إلى عدد من الأصدقاء لا أزال أسأل عنهم. وقد استأجر عماد لي شقة لأسكن فيها. اذ انه بعد ان ترك السكن الجامعي في جامعة نيويورك انتقل الى السكن في شقة قريبة وكبيرة ولكنه حين بدأ بتأسيس محله التجاري لبيع الشطرنج وغيرها من ألعاب الرقعة كطاولة الزهر والداما والدومينو ولعبتي غو وشوغي اليابانيتين قرر ان ينتقل الى مسكن اصغر بكثير ليوفر بعض الايجار ويستخدمه في تجارته. فكان ان انتقل الى السكن في مبنى متهالك يعود تاريخ بنائه الى ما قبل الحرب الاهلية الامريكية. وكان الايجار مئتي دولار شهريا تخوله الحصول على غرفة حجمها مترين بمتر ونصف اي انها بحجم غرفة سجن صغيرة. وفي المبنى اربعة عشرة غرفة مشابهة ولكل تلك الغرف مطبخ واحد مشترك وحمامين ومرحاضين.ويتقاسم السكن في ذلك المبنى التاريخي شباب وفتيات في مطلع حياتهم المهنية وليس لديهم مدخولا كبيرا ليتمكنوا من استئجار شققا اكبر وافضل فكانوا يستفيدون من رخص الايجار ومن موقع المبنى الممتاز في قلب المدينة في الحي الشرقي من البلد (داون تاون) وبهذا يوفرون الوقت وثمن المواصلات التى يتطلبها السكن في بروكلين او كوينز او غيرها من اجزاء المدينة. ومعظم سكان تلك الغرف في ذلك المبنى القديم كانوا يستعملون غرفهم للنوم فقط قبل ان يعودوا مع صباح كل يوم الى العمل وحتى ساعات المساء المتأخرة. ومن هؤلاء الشاب روبرت يونغ الذي ذكرته في حلقة سابقة والذي كان قد اسس حينها معمله لصناعة وتصليح آلات الكمان وغيرها من الآلات الوترية. وكان يسكن في غرفته الصغيرة مع عروسه البريطانية والتي تتحدر من نسل السير آرثر كونان دويل مؤلف روايات وقصص مغامرات شيرلوك هومز او هولمز كما يلفظها البعض. وبالاضافة الى عمله بالالات الموسيقية فان روبرت، وكان والده طيارا مدنيا، كان يعمل ناطورا لذلك المبنى القديم محافظا على صيانته ونظافته مقابل اعفائه من ايجار غرفته. وهو الذي وجد غرفة لعماد في ذلك المبنى الذي كان يتنافس الكثيرون على الحصول على غرفة فيه وتلك من عجائب نيويورك. وظل روبرت يسكن مع زوجته في ذلك المبنى حتى رزقه الله بطفلته الاولى فأضطر الى الانتقال الى بيت اكبر الى ان انتقل الى السكن مع زوجته وبناته في جبال فرنسا كما ذكرت سابقا. وقد اسفت لان ارى ابني يحيا في تلك الظروف وحمدت الله ان والدته لم تر مكان سكنه ولكني كنت ادرك ايضا ان ما من شئ يأتي بلا ثمن وطالما ان الانسان مستعد لتحمل ثمن نجاحه فهو لا بد ان يصل وينجح خاصة في بلاد كهذه وعند شعب كالشعب الامريكي الذي لا يؤمن بالعقبات ويردد افراده دوما انه في ما يطمح اليه الانسان ويسعى فالسماء هي الحدود.

وبعد ان اقمت في الشقة التي استأجرها عماد لي لشهر وظل هو في غرفته الصغيرة، عاد واستأجر شقة اكبر وقريبة من محله واقمنا فيها معا خلال الشهر الثاني من زيارتي وهو ما زال يسكن فيها حتى يومنا هذا. وفي هذه المرة مكثت حوالي شهرين ثم عدت إلى لبنان. وفي احد الايام كنت اجلس وعماد في مقهى حين لاحظت ما ظننته غبارا على وجهه فمددت يدي لأمسحه ولما لم يمسح نظرت مليا في وجهه وادركت ان ما ظننته غبارا كان بدايات الشيب. حزنت لرؤية ابني يدخل مرحلة الشيب وقد ادرك عماد ذلك من نظراتي ولكن لم يتفوه احدنا بكلمة مع ان كلانا ادرك ما دار في خلد الاخر. يستعجل الاولاد ان يكبروا ولكن الابناء والبنات يظلون بنظر الاهل اطفالا حتى وان كبروا وصاروا انفسهم اباء وامهات.

وبخلاف الزيارة السابقة حين كان عماد لا يزال عاملا في نادي الشطرنج وكان لديه متسع اكثر من الوقت لنجول المدينة معا ففي هذه الرحلة وبسبب انشغال عماد قررت الإعتماد على نفسي في السياحة والاستكشاف. ومن الاماكن التي وجدتها بنفسي كان مكتب أليطاليا للطيران حيث ذهبت لتأكيد الحجز لرحلة العودة. وهو في وسط المدينة ونيويورك هي مدينة أعجوبة الدنيا بكبرها وازدحامها. إلتقيت بشاب وقلت له أنني أريد أن أذهب إلى وسط المدينة وكان معي ورقة عليها إسم الشارع، وقف الشاب ورسم لي الطريق وقال لي أنني لن أصل في رحلة واحدة بل سيتوقف القطار في أحد المحطات ثم أصعد في قطار جديد نسيت رقمه، كل ذلك بتفصيل دقيق وصبر وهدوء ثم أوصلني إلى مدخل المحطة. وقد اخبرني عماد انه في اول زيارة له لواشنطن سأل شخصا عن الطريق الى "الارشيف" وهو احد متاحف العاصمة والمتحف الذي يحفظ فيه ارشيف التاريخ الامريكي. وكان الوقت صباحا والناس تحث الخطى في طريقها الى العمل. الا ان الشخص الذي سأله عماد توقف وشرح له الطريق ثم اوصله الى محطة القطار او الميترو كما يسمونه في واشنطن ودفع عنه بدل التذكرة وظل واقفا حتى تأكد ان عماد اخذ القطار الصحيح وهو الذي احس بالخجل والاحراج لأن ذلك الشخص لم يساعده فقط بل اخذ من وقته وماله ايضا ليدل غريبا على الطريق. هذا شعب جدير بالإحترام ولا عجب في أن يكون في هذا المستوى من التقدم، لا أريد أن أقول أن كثيراً ممن تسألهم في بلادنا يتعمدون أن يغشوك ويرشدوك إلى المكان الخطأ وهم يتلذذون بهذه الدناءة، حدث معي هذا في دمشق وفي القاهرة وفي لبنان. سألت جاراً لي في بعلبك عن اسم رجلٍ وهو بائع متجول على عربة فسمى لي عائلة غير عائلته وظننته صادقاً وهو قاعدة عنده، وهذا ليس كذباً وإنما حذراً وخوفاً وإحتياطاً ومثل هذا الرجل كثير فالناس لكثرة ما لحق بها من ظلم وما تتوقعه من تغيرات سياسية تُؤثِرُ السلامة حتى في الأمور البسيطة وعندنا كثير من الأمثال التي تدل على حذر الناس مثل: الحيطان لها آذان وإحذر من عدوِّك مرة ومن صديقك ألف مرة والسر إن جاوز الإثنين شاع ولا أنسى المرأة التي كانت تأتي إلى خالي فيكتب لها رسالة (مكتوباً) إلى إبنها في الكويت ثم تأخذ الرسالة تضعها في المغلف وفي مركز البريد تطلب من الموظف الغريب أن يكتب لها عنوان إبنها من الورقة التي تكون مخبأة معها.

عندما يخرج الفلسطيني لا يحق له العودة!

عفواً أخي القارىء فقد إستعجلت النعمة وتسرعت في سرد الأحداث السعيدة ووصفت ولادة حفيدي احمد في 1998 ونسيت أن أذكر ما حصل مع ابني احمد في العام نفسه. حصل احمد في ذلك العام على قبول من جامعة ( بيلكينت) في أنقرة في تركيا وفي قسم هندسة الكمبيوتر واحمد شاب وسيم خفيف الظل يجيد لعبة كرة القدم والرسم والسباحة وصاحب حس مرهف وهو انيق وبارع في إختيار الثياب ومن هذا النوع الذي يعرف كيف يتقرب إلى الناس ويكتسب الأصدقاء. ودعناه وسافر إلى تركيا ولكنهم وجدوا أنه بحاجة إلى تقوية لغته الإنكليزية فأمضى سنة في الجامعة يدرس الإنكليزية. لم يزعجني ذلك لأني كنتُ أدرِّس في المدرسة وأعرف أن الطلاب لم يتعلموا اللغة الإنكليزية لأن بعض المدرسين دون المستوى وإن حملوا شهادات وبعضهم لا يدرِّس ويعرف كيف يمضي الوقت في اللهو، المهم كان من حسن حظه أن يدرس هناك اللغتين الإنكليزية والتركية. إنتهت السنة الدراسية وكان القانون قد صدر في بيروت بعدم السماح بدخول الفلسطينيين من ذوي الاقامة في لبنان إلى لبنان بدون تأشيرة مع انهم يحملون وثائق سفر لبنانية. فاذا سافر فلسطيني مقيم في لبنان الى الخارج للدراسة او في زيارة او لاي سبب كان فانه لا يستطيع العودة الى بيته بدون فيزا من السفارة اللبنانية في البلد الذي ذهب اليه. وفي تركيا مُنِحَ احمد إقامة لمدة سنة دراسية وأسبوع بعدها لترتيب أوضاعه، عرِف الطلاب الذين في تركيا بهذه المصيبة الجديدة، هي أكثر من مصيبة فهي مصيبة متجددة وتشمل شعباً بأكمله، إن سميتها كارثة أو نازلة أو طارئة أو رزيِّة أو بليّة أو داهيةٌ دهماء فلا أكون مبالغاً وقد تكون اللغة وعبر آلاف السنين إستوعبت ما يصيب أبناءها فوضَعت أسماءً كثيرة للدواهي تفوق ال 400 إسم حتى قيلَ أن أسماء الدواهي من الدواهي، وكان على إبني وغيرهِ أن يقدِّم طلب تأشيرة في السفارة اللبنانية في أنقرة فيعطونهم ورقة تحمل تاريخ تقديم الطلب ورقم الحقيبة الدبلوماسية وقد قدم أحمد الطلب قبل ثلاثة أشهر من إنتهاء السنة الدراسية وكل أسبوع يذهبون إلى السفارة يسألون عن مصير طلباتهم وتكون الإجابة في كل مرة: الحقيبة الديبلوماسية لم تصل بعد. هكذا إنتهت السنة الدراسية ولم تصل الحقيبة الديبلوماسية وعندما أخبروا الموظف أن اقامتهم في تركيا قد إنتهت قال: إذهبوا إلى بيروت وفي المطار يضعون لكم التأشيرة وهكذا أخبرنا أحمد بموعد قدومه. نزلنا جميعاً أنا وأمه وأخواته وزوج أخته منى الى المطار. ذهبنا نحمل باقة وردٍ نستقبل بها الطالب العائد من بلاد السلاطين. وصلت الطائرة قبيل مغيب الشمس، أخذ الركاب يخرجون متتابعين ونحن ننتظر خروج إبننا، أحسست أن هناك شيئاً جعل قلبي ينقبض فسألت أحد الشباب أتعرف شاباً إسمه أحمد؟ قال نعم هو وشاب آخر ينجزون لهم المعاملات وسيخرجون، ولكنهم لم يخرجوا ثم إبتدأ ركاب الطائرات الأخرى بالخروج ونحن واقفون في حيرة لا ندري ماذا نفعل، خرج موظف من موظفي المطار وأخذ يتجول بين الحضور فتقدمت منه وسألته عن أحمد فقال: هو إبنك؟! قلت نعم، قال هذا يعود إلى تركيا صباحاً فرجوته ظنناً مني أنه سيحترم سنّي ولكنه أسمعني ما لم أسمعه من قبل ثم قال: إذا كنت تعرف وزيراً أو نائباً فليحضر إلى هنا ويكفله وإلا سيعود صباحاً إلى تركيا. نصَحنا البعض أن نذهب إلى أمن المطار فقد يكون لديهم حلاً. كان الشباب في منتهى الذوق والإنسانية ولكنهم نصحوني أن أسرع وأبحث عن نائب، حاولت أن أرى أحمد وقلت لهم هذا طالب إنتهت دراسته ولا نقود لديه، إتصلوا بالمسؤولين في المطار فلم يسمحوا لي أن أزوره أو أعطيه نقوداً ورحنا ندور في بيروت حتى منتصف الليل نبحث عن أحد يساعدنا فلم نوفّق ولك أن ترى حالة أخواته وأمه في منتصف الليالي، أنا لست حاقداًعلى أحد ولا أعرف كيف يحقد الناس ولكن أترى أن هذه أمّة تستحق الحياة! أقول وأثناء حديثي مع أمن المطار وحُسنِ معاملتهم كما ذكرت دخل أحد الشباب منهم وسمع ما أقوله من أن إبني قدم طلباً منذ ثلاثة أشهر وأنهم في السفارة نصحوهم بالذهاب إلى بيروت فقال: إبنك كذّاب. مع أنني صُعِقتُ لهذا القول إلا أنني صمتّ وكأن شيئاً كان غائباً عن ذهني وعاد إلي فقد يكون أحمد لم يقدم طلباً وإستعجل المجيء إلى أهله. على أي حال عدنا إلى بعلبك مكسوري الخاطر: أمّة العُربِ لن تموتي أتحداكَ بإسمها يا فناءُ... أمة فيها هذه الفضائل والقوانين وحقوق الإنسان والطفل والمرأة والديموقراطية والحرية لن تموت لأنها إن ماتت فقد العالم علمها الغزير وفنها الوفير وفضائلها الظاهرة للعيان ومزاياها التي يعجز عن ذكرها اللسان، واللهِ للآن لا أدري كيف قضى إبني ليلته في المطار وأي مكان في المطار؟ في قاعة في سجن لا أدري. وفي الصباح الباكر عادت الطائرة إلى أنقرة وعليها أحمد. دخل الى الأمن العام التركي فرآه الضابط لا أدري كيف رآه يمكن أن تتخيل ولداً خرج من تركيا على الطائرة لتصل مساءً ثم يمر بهذه المأساة ويعود صباحاً جائعاً مرهقاً خائفاً أيدخلونه إلى تركيا أم يعيدونه ايضاً إلى لبنان؟ أقول رآه الضابط التركي على هذه الحال فطيّب خاطره وإشترى له سندويتش وأخذه إلى غرفة فيها تلفون قائلاً: يمكنك الإتصال بأهلك.

إتصل بنا وطمأننا ثم سألته: يا أحمد هل قدّمت طلباً للتأشيرة فأعطاني رقمها وتاريخها ورقم الحقيبة الديبلوماسية فادركت انه لم يكذب كما ادعى احد موظفي امن المطار. كنا جلسنا في البيت في بعلبك ننتظر لنرى ماذا سيجري لإبننا وعندما علمنا ما جرى وكيف إستُقبِلَ في تركيا حمدنا الله ثم هبّت إحدى أخواته وقالت غداً عليك أن تذهب إلى بيروت لهذا الموظف الذي قال عن أحمد أنه كذاب وأن تقول له: إنتِ الكذاب. أدركت حزن الأخت على أخيها وما حل به وبنا من بهدلة. أترى يا أخي إذا كانت عائلة بسيطة وكل من فيها مثقفون ومعظمهم جامعيون لم يشتركوا في أحزاب ولم يتعاطوا السياسة وتحل بهم كل هذه المصائب والآتي أدهى وأمرّ. أنا الآن أكتب هذه السطور ليل 25/9/2007 وقد إتصلت بي إبنتي منى من بوسطن وهي والدة محمد الذي ولد في مستشفى الجامعة الأميركية كما سبق وذكرت وأخبرتني أن حاز على الدرجة الأولى في ولاية ماساتشوستس كلها بمجموع 395\400 ، ما أكتبه هو صورة لمعاناة عائلة في فشلها ونجاحها، في سرورها القليل القليل وفي همِّها الكثير الكثير، أنا من أمة الحزن والهم فيها هو الأساس والقاعدة وكثيراً ما كنت من أيام الطفولة وأنا اسمع النسوة إذا تحدثن وضحكن ضحكاً عميقاً إنتبهوا إلى القاعدة الأساسية وقالوا ألله يعطينا خير هذا الضحك فالتوقع أن يعقب الضحك شراً لذا فأنا لست حاقداً او ناقماً وها أنا لا أزال أكتب وأسافر وأقوم برياضتي اليومية واضحك وابكي واعارك الحياة بحب الحياة وحب البشر. أود أن أنهي سنة 1997 بشكر وإمتنان للأمن العام التركي لإنسانيته وحسن معالجته للأمور وهو ليس غريباً عن دولة بل إمبراطورية سادت الدنيا قروناً وقروناً، أشكرهم لذوقهم ليس فقط عند عودة أحمد بل أيضاً عندما يذهب هو وأخوه محمود الذي درس ايضا في تركيا إلى الأمن العام لتجديد الإقامة فيقولون : حضر الأخوان الوسيمان. هكذا يتصرف الرجال الذين يحافظون على سمعة بلدهم ولا يتعمدون أن يلحقوا الأذى بالناس.

أمس توقفت هنا بالكتابة واليوم تحادثت مع الأولاد ومنهم أحمد وكنت كتبت أنه نام في المطار ولا أدري كيف نام واين نام أوهل نام أصلاً أو قُدِّم له طعام، أخبرني أنه إحتُجِز في قاعة المسافرين مع حقائبه وتُرِكَ هناك ولكنه بقي مراقَبَاً ولم يسمح له بشراء سندويشا مع ان الكافيتيريا كان في مكان قريب منه وبين الحين والآخر كان يأتي شرطي ليتأكد من وجوده وعند الصباح أخذه شرطي إلى الطائرة وسلَّمه إلى المضيفة ولكنه فهِم من الحديث أن الطائرة ليست ذاهبة إلى أنقرة ولكن إلى إسطنبول أو(إسطمبول) كما كنت أسمع لفظها في الأربعينات. قال لهم أحمد أن تذكرتي لأنقرة فإستدرك الشرطي وقال له هذه الطائرة ذاهبة إلى أنقرة، هو يريد أن يتخلص منه، وصلت الطائرة إلى إسطنبول ولا مال لديه فأخبرهم في المطار هناك بما حدث له وأخذ الموظفون يحدثون بعضهم غير مصدقين ثم تصرفوا سريعاً وأعطوه تذكرة مجانية على الطائرة التي ستقلع بعد ربع ساعة إلى أنقرة وهناك في أنقرة كانت المعاملة الطيبة وإلإنسانية من قِبل رجال الأمن التركي، أعود وأشكرهم مع شكرٍ وإمتنان لموظفي مطار إسطنبول على تعاطفهم ولباقتهم وسرعة تصرفهم وسأبقى ما حييت أحفظ لهم هذا الجميل وقد رويت ما جرى لإبني في مناسبات كثيرة والناس بين مصدِّق مستغرب ومكذّبٍ مستهجن، أهذا يصدر عن الأتراك! وسمعتهم في هذه البلاد أنهم هم الذين جلبوا الفقر والمرض والتخلف والجراد وكثيراً ما سمعتُ الناس يشكرون الله ويقولون: (مليح اللي إحنا هيك، قليلة الأتراك حكمونا اربعماية سنة!) وكأن هذا الشخص الذي ينطق بهذه الحكمة كان دخان مصانع أبيه يحجب عين الشمس ثم جاء الأتراك فأوقفوا مصانعه وأقفلوا شركاته، إننا شعوب تعيش على أكاذيب وأضاليل وهي تستمتع بها وهي تلقي تخلفها وجهلها على غيرها في حين أن دولاً كثيرة دوننا في مستوى المعيشة وخرجت من حروبٍ مدمِرة قد أصبحت دولاً صناعية تصدر لنا السيارات وغيرها فالسلع من الصين وتايوان وكوريا وماليزيا تملأ الأسواق ونحن لا نزال على حالنا وفي كثير من الأحيان نسير إلى الأسوأ وقد أفزعني ما أسمعه من أخبار على أن نسبة الأمية في بلادنا في إزدياد واضطراد.

الخناقة السورية - المصرية
ألحقت هذه الأسطر بما سبق وكتبت لكي يكون في كل كلمة أقولها مصداقية. يكفي هذا الإستطراد عن عام1997 وأعود إلى عام 1998 وسبق وذكرت زيارتي لإبني في نيويورك لمدة شهرين. وخلال زيارتي كنت أطمئن على البيت هاتفيا بين الحين والآخر وأتحدث إلى زوجتي وإلى الأولاد وفي كل مرة يقولون نحن هنا بألف خير ونحبُ أن لا تقلق وان تستمتع برحلتك. ولم أفطن إلى أن هذا القول يحمل في طياته شيئاً. تحدثت مع إبني محمود وحين غادرت لبنان كان الأسبوع الأول من دخوله المدرسة ليتقدم لشهادة البكالوريا الثانية القسم العلمي، أخبرته أنني إشتريت له حذاء رياضة ممتاز هو آخر موديل في أميركا. لم أسمعه متحمساً وهو شاب لبق طيب المعشر والحديث ومع ذلك لم أفطن لشيء وهم لم يخبروني شيئاً إلا أنهم يحاولون إستبقائي في أميركا وأخيراً وبعد أن مكثت أكثر مما كنت أتوقع عدت إلى لبنان من نيويورك إلى ميلانو وإنتظرت لساعات إقلاع الطائرة من ميلانو إلى بيروت، من مشاهداتي هذه المرة خناقة بين إمرأة سورية وأخرى مصرية.

المرأة السورية مع أمها وأولادها وهي ممتلئة صحة، مديدة القامة ويتدلى من عنقها صليب فضّي وكان أولادها يلعبون بِكرة معهم فوقعت الكرة وهي من النوع الخفيف على المرأة المصرية وكانت مستلقية على مقعد فإحتجت على هذا التصرف المعيب المشين فقد أزعجها الأولاد بصراخهم وبِكُرتهم التي أصابتها، كانت المصرية تلبس ملابس رياضية وحذاء رياضي وهي سمراء قصيرة مجعدة الوجه ولكنها تحمل جواز سفر أمريكي، ردت عليها السورية بصوت أعلى وهجمت عليها لتضربها وكانت أمها تحاول أن تمنعها ولا تقدر فقالت لها المصرية أنا أحمل الجنسية الأميركية فقالت السورية: شوفوا الحقيرة كمان بتهددنا، وإستمر هذا السجال لوقت طويل وتعجبت كيف أن هذه السورية إستطاعت أن توقف المصرية وتتصدى لها بصوت أعلى وبألفاظ أقوى وأقسى مع أن المعروف وكما شاهدت في القاهرة أن كل مصرية عليها بعشرة من غير المصريات ولكن هذه السورية صمدت وتفوقت على المصرية فما كان منها إلا أن ذهبت وإشتكت إلى أمن المطار فجاء رجل من الأمن فوجد أن الأمر لا يستحق وليس هناك مشكل بالمعنى الصحيح وإن كان من متهَم فهو هذه المصرية التي لم تتحمل مداعبة الأولاد الصغار.

وصلت البيت مع من إستقبلني في المطار، إستقبلتني زوجتي ببشاشة وسلّمت على الأولاد وسألت عن محمود فقالوا: هو نائم، كان الوقت بعد مغيب الشمس بقليل، تناولنا طعام العشاء وتحدثنا عن الزيارة وعن عماد وأول ما سألَتني هل زوَّجت عماد وصُدِمَت لإجابتي بالنفي، وهي على ذكائها وفراستها وحكمتها كانت تعتقد أني قادرٌ على حل كثير من المشاكل وهي تؤمن في ذلك إيماناً قوياً ولا أدري كيف فهِمتني من هذه الناحية والحال أنا إنسان بسيط جداً، بسيط تغلب علي الطيبة والسذاجة والتواضع وإذا أضفت إلى ذلك أنني غير (مَدعوم) وهذه لفظة شاعت وذاعت في سنوات الحرب الأهلية فلم أنتمي لحزب أو تنظيم ولا أملك من المؤهلات النفسية والخلقية ما يؤهلني لأكون في أحد أجهزة المخابرات فأحمي ظهري وأرهِب الناس، وهكذا وجدت نفسي وحيداً بلا سند ولا مدد والأولاد لا يزالون صغاراً وأنا أخاف عليهم من النسيم، فلم يكن أمامي إلا ما أهلتني الطبيعة له وهو الإخلاص في عملي والإتقان والإجادة لمادتي التي أعلمها. العلم والإخلاص كانا السند الذي أحتمي به وأنا وإن لم أكتسب مالاً أو جاهاً فقد إكتسبت إحترام من علّمتهم لخمسٍ وثلاثين سنة. أعود إلى البيت وأقول، نمت بعد سهرة قصيرة وحوالي العاشرة صباحاً إرتديت ملابسي أريد الخروج فقالت زوجتي: قبل أن تخرج خذ محمود إلى المستشفى ليراجع الطبيب، دارت بي الأرض وهي تروي لي ما حدث له في غيابي. بعد مغادرتي لبنان بأسبوع ذهب مع أصدقاء له إلى البساتين في بعلبك وهناك بستان لأحد اصدقائه وفيه غرفة فيها بندقية صيد تناولها أحد أصدقائه وإنطلق منها خرطوشة أصابت محمود في رِجلِه وكانت إصابة قوية، حمله اصدقاؤه إلى المستشفى وحضر بعض الأطباء من أقارب الشاب الذي أطلق النار وأناس آخرين كان لهم فضل في الإشراف على حسن معالجة الطبيب للجرح، إستخرج الكثير من حبات الخردق وبقي البعض في رِجلِه.

كاتب فلسطيني، بيروت
chesform@inch.com
عن موقع كيكا




® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600