مذكرات محمد خشان 30: الخروج من الجنة



الخروج من ليبيا
أطل العام 1994 والأولاد في المدرسة ولا جديد إلا أن الفلسطينيين الموجودين في ليبيا قد تم إيقافهم عن العمل على إثر إتفاق أوسلو وطُلِبَ منهم الإلتحاق بياسر عرفات في بلدهم فلسطين وقد طُرِدَ الآلاف منهم إلى الحدود المصرية الليبية وهناك مُنِعوا من دخول مصر ووجدوا أنفسهم في الصحراء لمدة طويلة وقد سارعَت المنظمات العالمية كالصليب الأحمر لنجدتهم فهناك أطفال وعَجَزة قد تم طردهم إلى صحراء ليس فيها سوى الأفاعي والعقارب وقد مات أطفالٌ ومسنين في هذه الصحراء التي لا ظل فيها ولا ماء وصدق فينا قول الشاعر طرفة بن العبد:

وظلمُ ذوي القُربى أشد مضاضةً           على المرءِ من وقع الحُسام المهندِ.

أيُ قربةٍ هذه!!؟ ستروي الأجيال القادمة ما حلَّ بنا من أهلنا ويكونون قد أورثوا أحفادهم العار، فهذا الأمير عبد القادر الجزائري وقد وقف موقف الرجال في الحرب الأهلية اللبنانية الاولى في القرن التاسع عشر (حرب 1860) فأجار الخائفين من اخواننا المسيحيين ووجدوا لديه أمناً على حياتهم ولا يزال عمله هذا يدرَّس في المدارس ولكن أين الرجال!؟

ما كانت الحسناءُ ترفع سِترَها           لو أن في هَذي الجموعِ رجالا.

حتى لو لم يكن لي ولدٌ في ليبيا لكتبتُ وعتِبت ولكني سأذكر هنا ما عانيت من تقديم طلبات بواسطة مديرية الأمن العام اللبناني أو الإتصال بنواب لبنانيين أعرف أن منهم من حاول جهده ولكن الحصار كان محكماً، ممنوع العمل او البقاء في ليبيا للفلسطينيين الموجودين هناك كما امر زعيم ليبيا وممنوع العودة إلى لبنان كما امر رئيس الحكومة اللبنانية وحتى وإن كنتَ تحملُ وثيقة سفر لبنانية وغادرتَ بالطرق الشرعية الرسمية. وهكذا بقي ابني عمار في ليبيا سنوات وسنوات بلا عمل وممنوع من المغادرة وأنا أرسل له المال لينفق على نفسه، كان الناس من أهالي بعلبك من الجيران والمعارف يسألونني أحياناً عنه ومنهم أصدقاءٌ له في مثل عمرهِ، سألني أحدهم مرة في السوق كيف عمار؟ قلت: ها أنا ذاهب إلى الصراف لأصرف نقوداً أرسلها له، قال: غير معقول فقلت: كل ما في بلادنا غير معقول. قال لي أحد رجال الدين هذه شغلة بسيطة، وأنا أعرف الوزير وهو من منطقتنا ويمكن ان يساعد بالسماح في عودة ابنك الى لبنان ولكنه بعد أن وجدَ أن هذا القانون أكبر من الوزير وغيره عاد وقال لي : سلِّم أمرك لله، قالها وكأنه يرشدني إلى ما لا أعرف، حقَّ له ذلك وقد إمتلأت عمامته عِلماً وأنا لا ألبس عمامةً وإلا لكانت إمتلأت جهلاً وغباء.

تعلم الالمانية في خمسة ايام

سلَّمت أمري لله وبقي الحال على هذا المنوال من عام 1994حتى آذار 2001 حيث عاد عمار. قال لي أحد الأصدقاء كنت أراكَ وأحس أنك فقدت الأمل بعودته، عذراً أخي القارىء فأنا لا أكتب عن أولادي وإنما أكتب عن بلادي وأنا أحتسبُ سيري على الأقدامِ ولداً من فلسطين إلى صور في لبنان وهذا العذاب والعمر الذي ذهب هدراً أحتسبه عند الله. أخبرَني عمار أنه سيغادر ليبيا وقبل وصوله إلى لبنان كانت والدته قد سبَقَتني إلى عُرس إبن أخيها. وصل عمار عند المساء وكانت لحظات اللقاء يصعب وصفها، إرتدينا ملابسنا وذهبنا إلى الحفلة قرب صيدا، وقد فاجأ وصوله المدعوين وهب العشرات يحيطون به ويسلمون عليه وقد نزلَ العريس من جانب عروسه وعانقه وقد كانا في صف واحد وهما أصدقاء. والذين لا يعرفون عمار كانوا يسألون من هذا الذي التمت حوله الناس. ولكن " إشتدي أزمة تنفرجي"، وقد أضعُ يوماً قاموساً خاصاً بالأزمات والإنفراجات وقد أختارُ له إسماً كما كانوا يسمون الكتب قديماً كأن أسَميه (سَبائك الذَهَبْ في أزمات العَرَب) وقد أختارُ له إسماً حديثاً او سوريالياً كأن أسميه "إش جي"، كَي ينجذب القُرّاء لغموضهِ فيجب أن يبقى في الفن شيء من الغموض يسبح فيه خيال المتلقّي وإلا لا يكون فناً ثم تعال معي لنكتب هذا الإسم السوريالي بالأحرف اللاتينية فيصبح هكذا على وجه التقريب فليس في الفن قولٌ نهائي، أقول لو كتَبناه: Ich Je فان (جي) تعني انا بالفرنسية و(إش) هذه تُلفظ في الألمانية أحياناً (إخ) كما تلقيت عن مُدرِّستي في اللغة الألمانية في معهد غوته في رأس بيروت وبمحاذاة عمود المنارة القديم، فقد كانت المعلمة تَلفظ Ich bin وهي مثل I am بالإنكليزية كانت تلفظها بالخاء وإن كان البعض يجادلني بأنها بالشين مع أني أخذت اللغة عن أهلها ومن منابعها الصافية (كما فعل علماؤنا في أخذ اللغة عن قبائل بِعينها والقاعدة أن لا يكون خالطتها عُجمة، أي لم تذهب إلى الأعاجم ولم يأتِ أعاجمٌ إليها والأعجمي حفِظكَ الله هو غير العربي) ولكن لا يعدم العالِمُ جاهلاً ينازعه الرأي وإن رُحت أفصِّل إسم الكتاب وما فيه من إختصار مع إشارة إلى الأصل وهو كثيرٌ في كلام العرب كأن تقول في فعل الشرط وجواب الشرط: جواز حذف فعل الشرط وجوابه وإلإبقاء على شيءٍ من متعلقاتهما مثل: من سلّم عليك فسلِّم عليه( ومن لا فلا). أي فقد حذفنا فعل الشرط وجوابه وأبقينا شيئاً من متعلقاتهما والأصل أن يقال: من لا يسلّم عليك فلا تسلّم عليه. وها أنا أهرب من واقعي وحزني وأتكىء على التراث حيناً وعلى اللغة حيناً آخر، أليس لهذا الليل من آخِر؟ ولا بأس أن أعقِّب على دراستي للغة الألمانية والتي إستمرت ثلاثة أيام، فبعد أن دفعت القسط أربعين ليرة لبنانية عن الدورة وست عشرة ليرة ثمن قاموس وكتاب قراءة إستعداداً للهجرة إلى ألمانيا ولكنّي لم أوفَق فقد أكون ذكرت فيما سبق أن السفارة إشترطت علي أن أدفع مبلغ ثلاثة آلاف ليرة وقد كان هذا المبلغ متوفراً في البيت ولو طلبته للعِلم في لبنان لما تأخر أهلي عن ذلك ولكن أن يعطوني كل ما لديهم لأهجرهم إلى ألمانيا ما هكذا تكون الأولاد وليس لهذا ينجب الإنسان أولاداً ولكن ما العمل ووزارة العمل في لبنان لا تمنح إجازات عمل للفلسطينيين، لا أنسى أني شاهدت إحدى المعلمات الفلسطينيات في مدرسة لبنانية قريبة من البيت وقد دَخَلَت بيتنا تبكي وكانت آمال سابقا إحدى تلميذاتي وهي ذكية قوية الشخصية، أقول دَخَلت تبكي، سألتها عن السبب فقالت انها تشعر بالاهانة لان مدير المدرسة قال لها أن عليها أن تتوارى حتى يغادر المفتشون فقد جاء مفتشون لزيارة المدرسة والفلسطيني ممنوع من العمل ولو وجدوها في المدرسة لكان الامر سيسبب مشكلة للمدير مع الدولة العلية وبعض المؤسسات توظف الفلسطينيين بأجورٍ زهيدة ودون تسجيلهم في الملفات الرسمية للعمل وبهذا تستفيد هذه المؤسسات من الأجور الزهيدة وعدم دفع الضمان الصحي على الرغم مما هو معروف عن الفلسطينيين من إخلاص في العمل. سألت مدير عام في إحدى الوزارات وقد كان إستقباله لطيفاً ولبنان مَدينٌ لحسن تصرف ولباقة وذوق كثير من أبنائهِ، قال ماذا تريد؟ قلت: إجازة عمل، قال: إذا أعطيتك إجازة عمل فقد أفقد وظيفتي، هذه تحتاج إلى قانون يصدر عن مجلس النواب. ها أنا أتنقل من محاولة الهجرة إلى ألمانيا والتي اثمرت عن كتاب لغة وقاموس المانيين وقد إنتهت تلك المحاولة بأن أهديت الكتابين إلى صاحب مدرسة النهضة العلمية في الشياح والتي علّمت فيها سنة 1960 ولم أسأل المعهد عن القسط الذي دفعته ولكني كنت أنا الرابح فقد تعلّمت على ما أذكر ( إخ بِن وهِر وفوهرر) مقابل مستر وسير بالإنكليزية وهكذا أكون فزت بِعلوم الألمان بثلاثة ايام وليس ذلك بالقليل وذلك قبل ان تظهر سلسلة كتب تعليم اللغات في ايام مثل كتاب "تعلم اللغة الالمانية في خمسة ايام ومن دون معلم" وقيل قديما "رزق العاقلين على المجانين": تعلم اية لغة في خمسة ايام من دون معلم وبثلاث ليرات للكتاب. يا بلاش! أقول ها أنذا أنتقل من معهد غوته إلى وزارة العمل إلى المدارس التي تخفيني كما حدث لتلميذتي فيما بعد، فقد سبق وعلَّمت في مدرسة خاصة في بيروت قبل أن يمن الله عليّ بنعمة العمل في مدارس الأنروا حتى ليظن المرء نفسه في جنة عَدَن يغرف الماء العُذاب والعسل المُذاب. ولاحقا عمل ابني ماهر ممرضا في احدى مستشفيات بلدة شتورا اللبنانية وكان مدير المستشفى يطلب من الممرضين الفلسطينيين ان يختبأوا تحت الاسرة اوان يتظاهروا انهم مرضى عند قدوم مفتشين من الدولة على المستشفى. وزد على ذلك مما أذكره عن توقيف الفلسطينيين عن العمل في ليبيا ومنعهم من العودة إلى لبنان، (أليسَ هذا يا أخي من العَجب العُجاب وسراب الأعراب!)، أقول أنني كنت أستقل الأوتوبيس وإلى جانبي رجلٌ رأيته ساهماً واجماً ويحركُ أحياناً شفتيه لا إرادياً، شعرتُ أنه بحاجة إلى مواساة، إلتفت إليه وحادثته، سألته عن عمله قال: أنا كنت في ليبيا وقد إستطعت أن أدخِل بعض الأولاد إلى لبنان وبقي الآخرون في حَلب على الحدود التركية والرجلُ من قرية ترشيحا في فلسطين والتي وُزِعَ سكانها على مخيم برج البراجنة في بيروت وكامب النيرب في حَلب وترشيحا هذه مجاورة لقريتنا ولا يفصلها عن لبنان إلا بضعة كيلومترات ولكنهم فازوا أو فاز البعض منهم بنعمة التهجير إلى حَلب وهناك أصبحوا قرب تركيا وعلى مشارف الخروج من بلاد العَرَب ولكن حاشا لله أن نخرج أوي ُسمحُ لنا بالخروج، فنحن بين ظهرانينا وعند أهلنا وإخواننا ولا خير في من يترك أهله وكرَمهم وطيب قِراهم وحسن ملقاهم، بِربِكَ أيفِرُّ شَعبٌ من هذه النِعم إلى الدانمارك أو السويد حيث حقوق الإنسان والرعاية الصحية والسكن والراتب الشهري وإمتيازات كثيرة أخرى! وعلى الرغم من كل هذه الإمتيازات فأنا أجزم لكَ أنه لن يجدوا هناكَ كرابيج حَلَب، وكرابيج حَلب هذه إسم درسٍ من دروس القراءة التي تعلمتها في فلسطين سنة 1942 والدرس كغيرهِ قصير وجميل ويحمل عنوان كرابيج حلب: آه ما أطيب كرابيج حَلب، هل أكلتَ منها؟ لا ولكن أبي أكلَ منها وقال أنها طيبة (إنتهى درس القراءة). ولم نكن حينها ندري أن كرابيج حَلب هي نوع من الكرابيج التي تستعملها الشرطة أم أنه الحُلوى والتي أكلت منها أخيراً وبعد أكثر من ستين عاماً، ولِمَ الإستعجال؟ فالصبر يُطعمك كرابيج حَلب وقلة الصبر قد تودي بك الى الدولاب والى كرابيج من النوع الاخر الذي في بالكم. اما ما هو الدولاب او الدالوب كما يلفظه البعض وعلى وزن الدانوب، فمهما خطر ببالك فهو ليس كذلك. ومن الافضل لك عزيزي القارئ الا تعرف لانك بذلك تحفظ بعض برائتك. يكفي القول انه من وسائل التعذيب في بلاد العرب اوطاني. ولا اراك الله اياه ولا حشرك وعصرك فيه لانه كما قال المثل لا عين تشوف ولا قلب يحزن. أعود إلى الرجل الترشحاني العائد من ليبيا قال: أنا حدّاد عَرَبي (وأنا أذكر قرية ترشيحا وفيها عدة حدّادين منذ الأربعينات وقبل ذلك)، قال: كنت أعيش مع زوجتي وأولادي ولدي بنات صبايا، كانت الشرطة في ليبيا تأتي في منتصف الليل وأحياناً في الفجر ونحن في ثياب النوم فيرعبون الزوجة والبنات والأولاد يطالبونني بترك المنزل وأنا عندي عائلة وبنات فأين أذهب؟ قال وأخيراً أخذت قضيباً سميكاً من الحديد وصنعتهُ بشكل سيف وقلت في نفسي إذا جاءوا هذه المرة سأهاجمهم وقد أستطيع إيذاء بعضهم قبل أن أموت، قال ثم توفقت بأن إستطعت إخراج الأولاد من ليبيا إلى تركيا، بقي الدخول إلى لبنان والدولة اللبنانية تمنع الفلسطينيين الموجودين في الخارج من العودة إلى لبنان (وإن كانوا خرجوا بطريقٍ شرعية وبوثيقة سفر لبنانية فهذا لا يقطع في عقل العرب وهم قادرون في كل ساعة أن يغيروا القوانين، أليس القانون من صنع الإنسان وهو الذي وضعه ويستطيع أن يعدّله أو يلغيه)! ما بين قوسين هو تعقيب مني أما الرجل فأكمل وقال: حيث أن العودة إلى لبنان ممنوعة أخذت الأولاد وذهبتُ إلى السفارة الليبية في أنقرة وعندما سُئِلت قلت: أنا ذهبتُ إلى ليبيا بِعقدِ عمل وأريد أن ترجعوني إلى لبنان وإلا أبقيت الأولاد في السفارة. قال: إستُقبِلتُ إستقبالاً طيباً ودوداً حتى خِلتُ نفسي سفيراً ولو كان هذا الأمر في ليبيا لأقام أهلي في لبنان مجلس عزاء عن روحي ولكن المسؤول العرَبي هنا وجد نفسه خارج بلاد العرَب وعليه أن يتصرف بأدب فهناك حقوق الإنسان وحقوق الطفل وحقوق المرأة وحقوق وحقوق وعلى السلك الدبلوماسي العربي أن يتظاهر بالتصرف المتحضِّر وهو يحسب حساب وسائل الإعلام خاصة إذا رأوا أطفالاً وبناتٍ يفترشون أرض السفارة. ترى لو قرأ أحدٌ أن هذا كان يحدث منذ آلاف السنين في جُزُر الواقواق لإستنكرَ ذلكَ وجهَّل قائِلهُ وأين هي جزر الواقواق والتي حطَّ فيها السندباد وهل من أحدٍ يدلني عليها لأهرب إليها وله الأجر والثواب وإن كان فيها جواهر كوادي طائر الرِخ كما ورد في ألف ليلة وليلة فستكون أفضل جوهرة من نصيبه.

غيظاً لا شماتة

أعود إلى الرجل وأقول أخبرني أن السفارة الليبية ساعدته في الخروج من تركيا إلى سوريا وهناك ترك بعض الأولاد عند أقاربهم في كامب النيرَب وإستطاع إن يُدخِل البعض تهريباً إلى لبنان. كان الرجل يتحدث كأنه عائدٌ من الموت وملامحه تدل على أن الرجلَ فقدَ إتزانه ولم يعد بكامل قواه العقلية وهو يتحدث بنبرات متقطعة ووجهٍ شاحب وقد خلا وجهه من أي إبتسامة أو ملمح رِضى. حُييتِ يا أمة العرب وباركَ اللهُ في نسلِ قحطان وعدنان فمآثرهم هذه سيحفظها الزمان. ولِمَ العجب يا أخا العرَب وقحطان هذه مشتقة من القَحط، قحطٌ في السهول وقحطٌ في العقول وأخوهم عدنان مشتقة من تمعدَدَ أي أصابه شيءٌ في معدَتهِ من الجوع، هذا ما دَرَسته حقيقة في فقه اللغة وليس تجنياً على العرب، فيظهر أن الجوع أصيلٌ في نفوسهم وعليه يبنون دساتيرهم إن كان لديهم دساتير، عفواً فبعض الدول نَسخت أجمل ما في الدساتير الغربية وقوانينها ولا يستطيع أحدٌ أن يجادلها في أنها أغفلَت حقٌ من الحقوق، ولكن تعال معي يا أخي إلى السوق فمن حضرَ السوق باعَ وإشترى يا فخرَ الورى وأنظر كيف تطبَّق هذه القوانين أو هل سمعَ بها أحد من أهل البلد!! ولماذا تتعب نفسكَ وتنزل إلى السوق فالإنسان يخرج من بيته ولكنه لا يضمن العودة، يكفيك أن تشاهد ما يجري في بلاد العرب على التلفاز كما عَرّبه العلاّمة عبدالله العلايلي.ألا ترى العربي كيف يتصرف بعدائية وتوحش إتجاه أخيه بل عدوهِ العربي لأتفه الأسباب، ألا ترى أنهم في المباريات الرياضية ككرة القدم مثلاً يشجعون من ليس عربياً على العربي!؟ ألا تراهم كيف يَصغُرون ويَضمُرون حتى أنهم منذ تسجيل أول هدف في مرماهُم يتراجعون وييأسون وفي إحدى المباريات رأيت الفريق العربي وقد وَقَفَ أخيراً وترك للخصم الاجنبي أن يسجل أهدافاً كما يحلو له وقد قاربَت العشرة، أنا أكتب غيظاً لا شماتة ترى ماذا تصنع الأمم لِتُعِد مثل هذه الفِرَق في شتى أنواع الرياضة! لماذا لا يكون خصمنا الرياضي كالحدّاد الآنف الذِكر لِنريكم بطولاتنا وتفوقنا، إذ أنه من سوء حظه أنه عَرَبي وحدّاد عَربي وزِد عليها أنه فلسطيني وهو بذلك كأنه يعتدي على نفسه ولو كان حدّاد ألمينيوم وهو ما يُطلق عليه اسم حدّاد إفرنجي لشَفَعت له كلمة إفرنجي هذه فكل فرَنجي برِنجي هكذا نحفظ من زمان. أنتقل الآن إلى العام 1995 وإن كنت أستعجل الأمر لأني لا أريد أن أشغل القارىء بتفصيلات كثيرة وإن كانت هذه التفصيلات هي حياتي وأنا لا أزال أتابع البحث عن وسيلة ليعود إلي ولدي من ليبيا وعن وسيلة أرسل إليه مصروفه هناك وأحياناً يشترط علي المبلغ الذي أرسله وليس أقل فعمار كان يتصرف كمختار والأولاد يطلبون وكأن آباءهم أصحاب شركات ومصارف والفضل كل الفضل لهم أن يُنفِقوا لا أن يَطلبوا ولا عجب فقد سبق وعاملني أهلي بأفضل من هذا فلِمَ العجب. أقبل هذا العام وكنت أراجع الأنروا بموعد صَرفي من الخدمة لبلوغي الستين حسب نظامها وإن كان كل ما لدي من شهادات من البريفيه إلى الثانوية العامة إلى الليسانس والدراسات العليا وجواز السفر من سنة 1961 سنة سفري إلى القاهرة إلى بطاقة الهوية الحالية وجواز السفر الحالي كل هذه المستندات والتي على أساسها يجب أن أصرف من الخدمة سنة 1997 لأنها كلها تحمل تاريخ الولادة 1937 ولكنهم على ما قيل لي إعتمدوا على ورقة سجل عدلي تحمل تاريخ 1935 ومع أني وبناءُ على طلبهم إستخرجت سجّلاً في نفس اليوم وبتاريخ 1937 إلا أن ذلك لم ينفع. عدت من بيروت بعد أن لامَني موظف هو نائب مدير شؤون الموظفين لِتأخيري في تقديم طلب تصحيح العمر فأخبرته أنني أحاول تصليح الأمر منذ ثلاث سنوات. كثير مما أكتبه يساعد في إلقاء الضوء على ما حلّ بنا من نكبات بايدينا بدلا من أن نلقي اللوم كله على العدو ونحن نعرف أنه عدو وغادِر ومغتصِب وشرَّدنا وطردنا من أرضنا بقوة السلاح، دبابات وطائرات ومدفعية وجيوش تجتاح المناطق وقد عشتها من بدايتها حتى 29 تشرين الأول 1948 وخرجت سيراً على الأقدام حتى صور فأنا لا أجهل ذلك وقد سبق وفصّلت هذا في حينه ولكن الأسباب التي تعود إلينا كالتخلف والجهل والعشائرية والعائلية والفقر والظلم خاصة الظلم الذي كان يلحق بالضعيف وإن كان ميسوراً أو على درجة من التعليم فقد يعتدي عليه من هو أقوى منه ومعنى الأقوى هنا الأكثر عدداً وإن كانت منطقتنا معظمها قرى صغيرة ولكن الظلم والإهانة التي كانت تلحق بالناس تكون وغيرها سبب من أسباب الهزيمة مع أننا إشترينا سلاحاً ودافعنا عن أنفسنا ما إستطعنا ضد الإسرائيلي لا أنكر هذا ولكن هناك أسباب يجب إلقاء الضوء عليها فهناك ألوان مخيفة من الظلم الإجتماعي مثل معاملة المرأة، فأنت ترى رجلاً (يَلبُط) أي يَركُل زوجته الحامل وهي جالسة تخبز على الصاج وتكون خاصرتها كأنها مهيأة للضربة فتموت المرأة ويموت الجنين، أعرف عدة حالات من هذا الموت المهين. والضعيف لا يشتكي في الغالب، أعرف قَطع أشجار الزيتون لأتفه الأسباب، أذكر حادثة قُطِع فيها الكثير من أشجار الزيتون قبل النكبة بسنة أو سنتين وكما سبق وذكرت أن أحدهم قطع لنا كرماً من الزيتون يوم ولادتي وذكرت موقف والدتي والذي كانت تكرره دائماً وأنها لم تهتم حتى لا تعكّر حليبها فيضر طفلها.

عبارة (بدي أخرِّب بيته) تتكرر على ألسنة الفلسطينيين لأتفه الأسباب

أذكر السرقات ففي أحد الأعوام سُرِق لنا خمسٌ وثلاثون رأساً من الماعز، لا أريد أن أكرر ما سبق وذكرته ولكنه يلح عليّ فقد شاهدت والدتي وقد أهينت وتعرّض لها بعض النسوة خارج البلدة وعلى طريق العين فضربوها وأهانوها ورأيت وقد عادت مكسورة الخاطر فقد ضُرِبت وأدير الماء الذي كانت تحمله من العين عليها وكُسِرت جرتها وقد وصلت البيت وعلى وجهها وفي عينيها إنكسار ومهانة لم أشاهد مثله في حياتي. وحدث في نفس العام أن جاء رجلاً آخر إلى بيتنا وجلس لفترة قصيرة وهدد بطريقة أكثر إيلاماً وإن كان صاحبها يظن أنها أكثر ملائمة وذوقاً، أذكر الحديث كله وإنا أعرف أن هذه الأحداث كلها تتعلق بكون أمي هي أخت تمام عزام والتي ثار نزاعٌ حول إرثها في القرية وقد سبق وفصّلت ذلك، أقول مما سمعت الرجل يقوله: إعتدى أناسٌ على رجل وضربوه على بطنه فكان يصرخ ويقول: آه يا ظهري، فقالوا له: نحن نضربك على بطنك وأنت تقول آخ يا ظهري! قال: لوكان لي ظهر لما تجرأتم على الإعتداء عليّ. فأنا حقيقة لا أكتب قصة أو رواية وإنما ألقي الضوء على بعض نواحي حياتنا الإجتماعية فحياتي هي بشكل أو بآخر هي حياة الناس في بلادي. أعود وأقول أخيراً جاء الكتاب وقُرِأ الجواب وإذا هو يخبرني عن بلوغي السن القانونية للصرف من الخدمة، ها هي وكالة الغوث تتخلى عن إغاثتي وتتركني لقَدَري وتنهي الضمان الصحي والذي كنت لسنوات طِوال أدفع ما علي من إشتراك عني وعن زوجتي والأولاد وعبر هذه السنوات الطوال لم يتعالج أحد من الأولاد على نفقة الأنروا ولله الحمد بإستثناء صورة أشعة لأحد الأولاد. هكذا تتركني هيأة الأمم وهي التي تقوم على حماية حقوق الإنسان والطفل والمرأة وكأن هيأة الأمم تعني شيئاً آخر لا ينطبق عليها (يا عيب الشوم)، أخذت توفيري وتعويضي ومن مآثر العرب في هذا الباب والذي يجب أن يُلحق بما رويته عما لحق بنا وبوالدتي خاصة أقول قبل أن يقبض الموظف توفيره وتعويضه عليه أن يعيد للأنروا بطاقة الضمان الصحي وبطاقة العمل، ذهبت وقدمت للموظف المسؤول بطاقة الضمان الخاصة بي فقال: بقي بطاقات العائلة، قلت نسيتها وهي على كل حال قد إنتهت مدتها مع نهاية 1995 ونحن الآن في أوائل 1996 ، قال يجب أن تسلمها ولكن سأجري لك المعاملة وفي المرة القادمة تُحضِر البطاقات، شكرته على ذلك وقبض التعويض يحتاج إلى عدة أيام لإتمام المعاملات. عدت بعدها بأيام محضراً معي بطاقات الضمان التي نسيتها فلم أجد الموظف نفسه وإنما زميل له، أعطيته البطاقات فقال: كيف إبتدأ زميلي بإجراء المعاملة ولم يستلم البطاقات؟ ألا تعلم أنني الآن أستطيع أن أخرِّب بيته بأن أدخل إلى المسؤول وأخبره؟؟ لو كان لي شَعرٌ لقلتُ وقَفَ شعر رأسي لهذه الحقارة والدونية كأنه لا يكفينا ما يلحق بنا من أذى كل يوم، آلاف تُقتَل ومخيمات تُقتلع ونحن نعامل بعضنا هذه المعاملة المشينة. هذا الموظف ليس حالة شاذة فأمثاله كثيرون وهم يفاخرون بمقدرتهم على إلحاق الأذى بالآخرين، إن عبارة (بدي أخرِّب بيته) تتكرر على ألسنة الفلسطينيين لأتفه الأسباب. قلت: إفترض أنني أضعت البطاقات فماذا يحصل؟ قال: لا يحصل شيءٌ، قلت: يا سلام إن أضعت البطاقات لا يترتب عليّ شيئاً وأنا أحضرتها كما وعدت وتقول أنك تخرّبِ بيت زميلك؟ لم يرُد عليّ وأخذ البطاقات العجيبة والتي لم تعد صالحة للإستعمال. لم أكن أتوقع أن أرى في مكتب بيروت ما رأيت، أخذت منه ورقة وذهبت إلى الموظف المسؤول عن إجراء بقية المعاملة، قال: بالأمس عدت إلى العمل بعد إجراء عملية جراحية. شاهدت عليه الضعف والهزال، ثم أكمل وقال: لو رجعت بعد ثلاثة أيام ولكنه كان رديء الأسلوب فقد رأيته ورأيت غيره وكأنهم يستفزون الناس بأسلوبهم الفج الوقح، أظن أن الشعب أصبح يستكين للإهانة والمهانة ويتقبل الإساءة دون إعتراض ولكثرة ما لحق بنا من ظلم دون أن نجد من نرجع إليه وإن رفعنا أمرنا إلى أحد نعود بالخيبة والخسران، سمعت أن البعض كانوا يلجأون بالشكوى إلى رئيس لجنة حقوق الإنسان في المجلس النيابي فيعودون بخفّي حُنين واظن أنه كان يعجبهم حسن هندامه ووسامته ولطف حديثه في مقابلاته التي يجريها على الهواء فيُحسنون به الظن. عدت بعد ثلاثة أيام وأثناء حديثي معه في المقابلة الأولى كان بالقرب منه موظف سلّم علي من بعيد، عرِفني ولم أعرفه ويظهر أنه ذكرني بالخير بعد خروجي وعندما حضرت بعدها إذ بأخينا يحضر لي كرسياً ثم يتبسط ويسألني هل عندك بيت؟ قلت: لا والله. قال: وأنت الآن تُصرف من وظيفتك وليس للعائلة بيت؟ أين تسكن؟ قلت: في بعلبك، قال: بعلبك بعيدة ولا تصلح للسكنى وبيروت مرتفعة الأسعار ألا تعرف أحداً يساعدك في شراء قطعة أرض حوالي صيدا؟ قلت: أعرف، قال: يجب أن يكون لديك بيت ثم أعطاني ورقة لأذهب إلى الصندوق لآخذَ شيكاً بالتوفير وشيكاً بالتعويض، هكذا عدَّل الرجل موقفه وكأنه يكفِّر عن حماقته، كان في القاعة مجموعة من الموظفين، قلت: يا شباب ها أنا أنهي وظيفتي وأذهب إلى بيتي، يجب أن لا تقعوا في نفس الأخطاء، عليكم أن تواظبوا على طلب الضمان الصحي بعد الصرف من الخدمة. إن هذا الطلب قد تحقق قبل ثلاث سنوات وبمفعول رجعي لسنة واحدة، يُعامل الموظف المنتهية خدمته في ما يختص بالضمان الصحي كمعاملة بقية الموظفين، أما الذين إنتهت خدمتهم قبل ذلك فلا يشملهم القانون، ولتتبين أخي معنى ذلك فقد أنفقت في مستشفى الجامعة الأميركية ومستشفى الحريري كل توفيري خلال إثنتين وثلاثين سنة في أقل من شهرين، وسوف أفصِّل ذلك في حينه. ذهبت إلى الصندوق والموظف شاب في أوائل العشرينات، قلت: صباح الخير، فأجاب بصوتٍ عالٍ وكأنه يأكلُ نفسه غيظا: نعم؟ تذكرت أن مدير مدرسة بعلبك إلإبتدائية قال لي منذ سنوات: لقد تغيرت الأنروا والموظفون في بيروت مجموعة أولاد. بقيت واقفاً ثابتاً وذهني يستعرض كل من لاقيتهم، وا أسفاه أهكذا أصبح شعبي بل المثقفون منه!! حاشا لله أن يكون هؤلاء مثقفين حتى ولا متعلمين فالثقافة مشتقة اصلاً من المعنى المادي: ثَقفَ العود أي بَراهُ وجعله أملس ناعماً ولهذا يسمى الرمح بالمثقّف لأن أعلاه يُبرى ويُصقل ويُنَعَّم لتركب فيه الحربة ولفظة معلِّم تطلق على أمثال سقراط وإبن سينا والسيد المسيح وقد خاطبه أحدهم بقوله يا معلم. وفي أيامنا تطلق هذه اللفظة على زعماء الأحزاب "المفكرين" وإن كانت تُطلق أيضاً على الحِرفيين كالحداد والنجار، وأنا لم أشاهد في مركز الأنروا في بيروت وخلال سنة من المراجعات، قابلت نساءً ورجالاً ولم أشعر أنني قابلت مثقفين أو متعلمين حتى ولا موظفين يحسنون أداء وظيفتهم وأنا أذهب إلى الدوائر اللبنانية فيما يختص بشؤون الفلسطينيين وهناك دَرَك وموظفون يعملون على إنجاز معاملات الناس ويتدافع الناس بالعشرات ومنهم من يحتج بأعلى صوته واللهِ لم أجد موظفاً يسيء معاملة أحد بل أنهم ينجزون عملهم وهو كثير دون كلل أو سوء تصرف وإن كان لهم من تعليق فهو: يا شباب إعملوا معروف إرجعوا إلى الوراء حتى نعرف نشتغل. هنا تحترم أدبهم وخلقهم وصبرهم على الناس وهناك عند الفلسطينيين تجد نفسك أمام مجموعة من الزعران الذين يحاولون أن يتشاطروا عليك ويظهروا عظمة مركزهم بتأخير المعاملات أو سوء الأدب أو اللامبالاة بواجبهم لأنه لا يوجد من يحاسبهم، هذه أناس وصلت بالواسطة والمحسوبية، أنا هنا لا أعمِّم فقد تجد إنساناً هنا وإنساناً هناك وإن كان على قلة كالشاب الذي تحدث عني بالخير ومنذ أيام ذهبت إلى مركز للأنروا قريب من بيتي في منطقة الكولا في بيروت وكان الموظف الذي قابلته هو مسؤول في التربية في منتهى التهذيب، هؤلاء قلة والمثل يقول (إن خليِت بِليِت). ناولني المحاسب الذي على الصندوق شيكاً بالتوفير وشيكاً بالتعويض وكان هذا آخر عهدي بالأنروا وإن كان يزورني بعض الشباب الذين علمتهم وعلاقتي بهم متميزة. زارني أحدهم منذ ثلاث سنوات في بعلبك، سألته عن عمله فقال أنه مهندس في أمريكا وقال: كنت تحِب غنيم أكثر مني وغنيم هو زميل له ومهندس مثله وقد أحضر الشاب معه آلة الناي وعزف لي معزوفة كنت أحبها في أيام الشباب وهي أغنية (الأراصية) والاراصية منين منين؟ صرفت الشيكين وكان التوفير أكثر من مئة ألف دولار والتعويض خمسون مليون ليرة لبنانية. كان هذا في الأسابيع الأولى من سنة 1996 ، لا أنسى أن اذكر هنا أنني صُرِفت مع نهاية 1995 وكنت أدرِّس صف البريفيه الشهادة المتوسطة وأنا على علاقة متميزة مع الأهل والطلاب مع أني لم أزر بيتاً من بيوت أهالي الطلاب طيلة سنوات عملي إثنتان وثلاثون سنة ولا أجلس في مقهى ولا أجلس في الصف على الكرسي وأشعر أنني أكذب إذا جلست، أللهم إلا في درس تلاوة القرآن فاجلس احتراما للقرآن أما في درس التربية الدينية فهو كبقية الدروس، أقول بقي من العام الدراسي ستة أشهر وهي سنة شهادة. ذهبَتْ مجموعة من الأهالي إلى بيروت وطلبوا من الأنروا أن أُكمل السنة الدراسية كي لا يؤثر حضور مدرِّس جديد على مستوى الطلاب ولكن الأنروا رفضت ذلك وأظنهم يفضلون أن يعينوا مدرِّساً جديداً براتب أقل بكثير. لم أعرف أن أناساً ذهبوا إلى بيروت على نفقتهم ليراجعوا الأنروا إلا بعد رجوعهم بأيام وبعد أن غادرت المدرسة. أنا أشكر لأهلي والذين هم لحمي ودمي ثقتهم بي وأرجو أن أبقى عند حسن ظنهم وقد علمت أخيراً أنه أقيمت ندوة في المخيم حول التعليم وقد تحدثوا طويلاً عني وعزائي الحقيقي هو في الطلاب الذين درَّستهم وفي محبة الناس وإحترامهم لي وأظن هذا ما يفوز به المدرِّس وهوليس بالقليل بل هوالخير كل الخير. قد يأخذ عليّ البعض ملاحظات كتبتها ولكني لا أكتب كتاب مديح أوسياحة ولا أتحدث عن أنبياء وصالحين بل عن مجتمع فيه الغث والسمين والصالح والطالح كما يقولون. مع نهاية العام الدراسي 95-96 حازت إبنتي مهى على ليسانس في الآداب قسم اللغة الإنكليزية من الجامعة اللبنانية وقد حضرنا حفلة التخرّج مع إبنتي منى وزوجها محمود وقدمنا إلى مهى باقة زهور جميلة إشتريناها من زحلة وعندما نودِيَ على إسمها لتستلم شهادتها من رئيس الجامعة اللبنانية السيد اسعد دياب والذي أصبح فيما بعد وزيراً للمالية وهو الان عضو المجلس الدستوري. قدَّمت له مهى باقة الزهور وكان مشهداً جميلاً وتصرفاً لائقاً ولكن ومع أن الإحتفال تم تصويره إلا أننا فوجئنا بمهى تتسلم شهادتها وقد حُذِف من الشريط تصوير باقة الزهور، لا أدري ما الحكمة في ذلك، هل لأنها الوحيدة التي قامت بهذه اللفتة على بساطتها؟ وقد يكون السبب غير ذلك. في هذه السنة حصل إبني أحمد على شهادة البكالوريا ومحمود على شهادة البريفيه وأنهت نهى وهي صغيرة العائلة المرحلة الإبتدائية حيث كانت الشهادة الإبتدائية قد ألغيت منذ سنوات وقد كان لإلغائها سبب في تخلف التعليم على ما أظن ومن تجربتي ومشاهداتي كانت المدارس تتنافس على أعلى نسبة من النجاح وهذه المدارس الخاصة يكون الإقبال عليها بمقدار نجاح طلابها في الشهادة الرسمية لذلك كانت المدارس تبحث عن الأساتذة الذين يجيدون تعليم موادهم، أما بعد إلغاء الشهادة وخاصة المدارس المجانية وهي التي تأخذ مساعدات من الدولة وهي إبتدائية جميعها لم يعد يهمها إختيار معلميها فهي ترفِّع طلابها إلى المرحلة المتوسطة بدون حسيب أو رقيب وهكذا في مدارسنا الفلسطينية تدهور التعليم وأصبحت المدرسة الإبتدائية ترفِّع جميع طلابها إلى المرحلة المتوسطة وقد حضرت شجاراً بين مدير الإبتدائية الذي رفّع جميع تلامذة الصف السادس إلى المرحلة الإعدادية ومدير المتوسطة الذي أجرى إمتحاناً للمترفعين فوجد فيهم الكثير من شبه الأميين وقد أصر مدير الإبتدائية على ترفيعهم وهكذا كان يجري في كل عام حتى وصلنا إلى ما ذكرته من التخلف. فقد شاهدت مدرِّساً يصحح مسابقات في التاريخ وهو بجانبي، شاهدته ينظر إلى الورقة ويضع العلامة، حاولت أن أقرأ شيئاً مما كُتِب واللهِ لم أستطع أن أقرأ شيئاً فقلت له: ما هذه الكتابة وهل تقرأها؟ قال: لا، أنا أعرفهم وهكذا يضع العلامة على المعرفة. كان هذا الصف المتوسط الأول وقد يتحسن وضعهم في السنوات التالية.

عن موقع www.kikah.com
22/1/2010






® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600