مخيم تل الزعتر - حسن أيوب

بداية وجود المخيم كانت ملاجىء عدة لعائلات فلسطينية لجأت من المخيمات التي تقع على أطراف لبنان، مثل بعلبك وطرابلس وغيرها إلى بيروت للعمل. وهنالك أقاموا بيوتا من الصفيح تسمى براكيات. وكانوا يدفعون أجرة تلك الأرض المقامة عليها تلك البراكيات، وكان العمل متوفرًا في بيروت لأيد عاملة رخيصة.

ولم يكن الفلسطينيون وحدهم يسكنون هذا المخيم، وإنما استوعب الكثير ممن ضاقت بهم السبل..عائلات كثيرة جاءت من شمال البقاع وقرى جرود بعلبك. منهم من جاء لضيق الحال، ومنهم الهارب خوفا من الثأر. وأذكر أنه كان هنالك حي للأكراد القادمين من سوريا.

بدأ بعض اللبنانيين الأغنياء ببناء مصانعهم حول تل الزعتر، لوجود عدد كبير من الأيدي العاملة الرخيصة كما أسلفنا.

وبعد أن رأت وكالة الغوث كثرة عدد اللاجئين الفلسطينيين في تل الزعتر، أقامت مرافق عامة ومدرسة ومستوصفًا، وأصبح عمليا مخيمًا فلسطينيًا.

كما أن هناك مجموعة من الـنَـوَر (المتسولون) استوطنت على أطراف المخيم، تخرج النساء للتسول، ويبقى الرجال يعملون في صنع السكاكين وأشياش شيّ اللحم وتركيب أسنان الذهب.

جو المخيم كان خليطًا من التقاليد والعادات المختلفة. في المساء تفتح المقاهي وتزدحم بالفتيان العائدين من أعمالهم في المصانع المجاورة.

ولم يكن المخيم يخلو من بعض المشاكل التي تحصل بين السكان من الأصول المختلفة.

في وسط المخيم كان هناك شبه واد صغير يقطع المخيم من الشرق إلى الغرب. وهو عبارة عن قناة مكشوفة تتسرب إليها المياه الآسنة من البراكيات الواقعة على جانبي ذلك الوادي الصغير.

ألقاطنون في المخيم اعتادوا على تلك الرائحة الكريهة المنبعثة من ذلك النهر.

وبما أن جميع البراكيات في تل الزعتر مبنية من الصفيح، فقد كانت تمتص حرارة الشمس في فصل الصيف وتصبح كالأفران. وفي الشتاء يعاني سكانها بردًا رهيبًا حيث تصبح ثلاجات تسمع فيها صفير الرياح في ذلك الجو القارس البرودة.

ومع مرور الزمن ازداد عدد السكان في المخيم. وعند كل صباح ترى العمال يخرجون كالنمل وينتشرون في المصانع التي تحيط بالمخيم.

أصبح في المخيم أيد عاملة مؤهلة، وتحسنت الحالة المادية للسكان، وبدأت الأدوات الكهربائية تظهر في غرف الصفيح. ويوم الأحد تخرج الصبايا والشباب يلبسون أجمل الثياب. يستعرضون أنفسهم في زواريب المخيم ومنهم من يذهب إلى بيروت لحضور فيلم سينما أو غيره.

وعن حفلات الزواج في تل الزعتر لا بد من كلمة. كان للفلسطينيين أعراسهم وللأكراد أعراسهم. وكانت أعراس النَوَر تختلف عن الجميع. فبعد نهاية كل عرس تحصل معركة بالسلاح الأبيض، ويكون هناك عدة جرحى. وكانت هذه المعارك تحصل بعد كل عرس لهم.

عشت في مخيم تل الزعتر ست سنوات. ورغم تلك الحياة الصعبة، كنا مجموعة من الشباب نلهي أنفسنا بالسهرات الجميلة. وكنا نتسلى بلعب الورق وشرب الشاي. وفي الشتاء نشعل النار في برميل صغير وسط البراكية التي كانت سوداء من الداخل والخارج.

كنا في الصباح نغادر إلى المصانع للعمل، فتدخل الجراذين إلى البراكية تأكل كل ما تصادفه حتى الصابونة، وأحيانا تأكل قطعة من الشبشب.

ولم يكن هنالك حمّام في البراكية ، فنخرج للعراء تحت المطر والريح الباردة ليلا.

في المخيم كان هنالك عدد من رجال المكتب الثاني (مخابرات الدولة) يطوفون في المخيم ليل نهار، لتحرير أية مخالفة مهما كانت بسيطة. وإذا لم يكن هنالك مخالفات، يصبح همهم الوحيد إذلال الناس بسبب وبدون سبب.

ودائما تكون العقوبة أكبر من الذنب. وهذا حال الفلسطينيين..يعاقَبون أكثر مما يذنبون.

وأثناء الحرب الأهلية في لبنان، هوجم المخيم من جميع أنواع الوحوش البشرية، قتلوه وصلبوه وقطعوه وسحقوا عظامه ورموه للكلاب تأكل لحمه.

العشرات من أهالي سحماتا المسالمين في المخيم قضوا حياتهم يسعون لكسب لقمة عيش كريمة.

قلائل منهم خرجوا سالمين. فقد أبيدت عائلات كاملة عن بكرة أبيها.

هنالك رجال من سحماتا طيبون بسطاء، أخذوا من بين عيالهم، وإلى الآن لا يعرف مصيرهم أحد ولم يسأل عنهم أحد.

وغاب مخيم تل الزعتر عن الوجود، وغابت الذكريات، واختفت أحلام سكانه وضاعوا في التاريخ الذي لن يذكرهم.


حسن ايوب
- لبنان -
12/12/2009






® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600