الله يفرجها علينا - حسن أيوب

اكتب هذه الذكريات وهناك الشهود الكثر على ما اقول، وارجو من كل من يستطيع الكتابة عن تلك الفترة، فترة اللجوء الاولى ان يكتب لأنه كان يرى الامر من زاوية اخرى.

عندما حلت النكبة عام 48 هام الناس على وجوههم في الجبال والقفار لا يملكون الا ما يلبسون هربا بأولادهم وارواحهم.. وتفرقوا في كل البلاد يقتلهم الهم والأسى والفقر والمرض والحاجة لكل شيء. وأخيرا وسعتهم المخيمات وحطوا رحالهم في تلك الاماكن البائسة التي حمتهم من غدر الزمان.

وفي هذه المخيمات وجد كل رب اسرة جحرا يندس فيه مع عائلته ينامون على ارض يابسة باردة لا يملكون ما يدفئ اجسامهم في ذلك الشتاء الرهيب، وجاء عام 48 - 49 وكان من اكثر السنوات بردا وثلجا، ومن لم يسكن تلك المخيمات في ذلك الوقت لا يستطيع مهما كبر خياله، ان يصف الالم والمعاناة التي ذقناها.

كيف يصف الجوع من لم يجع وكيف يصف اليتم من لم يمت والده! المهم ان تلك العائلات الشاردة والتي وجدت في المخيمات ملاذا حشرت حشرا في اي زاوية او اي مكان يقيها برد الشتاء ورياحه وثلجه. كانت كل ست عائلات تتقاسم مكانا، كان مهجعا للجنود الفرنسيين وسماه الناس قاووشا، تفصلها عن بعضها بطانيات سوداء.

وفي هذه الاجواء التعيسة يفقد الانسان خصوصيته. وفي الشتاء تتوقف كافة الاعمال لبرودة الطقس ويقعد الناس عاطلين عن العمل ،وفي اول صيف خرج الناس يبحثون عن عمل يؤمن لهم لقمة العيش، وكانت الاعمال مذلة على ناس فقدوا ارضهم وعزهم وبيوتهم وسيادتهم صاروا أجراء عند الآخرين، صاروا يحصدون قمحا ليس لهم ويحرثون ارضا ليست لهم.

في ذلك الزمن البائس مرت الايام في غفلة من التاريخ فلا احد يذكرها، كم عائلة باتت تبكي من الجوع والمرض. كم عائلة فقدت بعض افرادها ولم تدري بأي ارض هم لاجئون، كانت وجوه الناس كالحة من الضعف وبعض الاطفال كانوا يمشون حفاة على الثلج، لأنهم خرجوا أيتاما الى المجهول. وكان كبار السن في تلك الامسيات يتحدثون عن سحماتا وعن الاشياء الحلوة، عن الارض والخير وعن بابور الزيت والطحين وعن الدبكة والسحجة، ونحن اطفال نسمع ونتخيل وما زالت تلك الخيالات الجميلة عالقة بأذهاننا حتى اليوم. خرجنا نحن من رحم تلك الايام التى لا ولن نستطيع نسيانها.

طفولة تعيسة عشناها لم نكن نستطيع الحصول على اي شيء نحبه كنا في حاجة لكل شيء. وظلت هذه الحاجة ترافقنا حتى كبرنا. حرمنا من الطفولة ومن الشباب ولم تزهو ايامنا يوما واحدا، ما زال الكثير من الناس يعانون حتى اليوم ولم يروا في حياتهم يوما واحدا يسعدهم طيلة ستين عاما مضت، طحنتنا هذه السنوات بدواليبها كما يطحن القمح. جميع البلدان، استفادت من تعبنا الا بلدنا.

الله يفرجها علينا


حسن ايوب
- لبنان -
23/10/2009






® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600