من ذكريات طفل لاجئ - حسن أيوب

أصبح لكل واحد منا تاريخ يقاس بحجم خياله. تاريخ عمره أكثر من ستين عاما من العذاب المختلف الأشكال والألوان.

تعود بي الذاكرة الى بداية هذا التاريخ الذي مر على كل واحد منا بطريقة مختلفة عن الآخر .حياتنا التي أصبحت من الماضي كانت باهتة الألوان. كنا أطفالا في عمر الزهور . لم يكن في طفولتنا ألوان . كان كل شيئ بالأبيض والأسود أو هكذا أذكرها . لست أدري كيف كانت ملابسنا الخفيفة تقينا برد الشتاء في مدينة بعلبك التي تكتسي ثلجا أبيض أو جليدا ينخر العظام . لكني أذكر جيدا أن أحذيتنا السوداء الطويلة والتي كنا نسميها " جزمة " كانت تتمزق أثناء اللعب وتدخل المياه الثلجية لأرجلنا من الصباح للمساء . كنا دائما في حالة زكام وأنوفنا لا تنفك تعلمنا بذلك . كان الكم الأيمن أو الأيسر هو الوسيلة الوحيدة لازالة هذا الاحراج . وكالة هيئة الأمم المتحدة هي الجهة الوحيدة في هذا العالم تعطف علينا وتوزّع التموين الشهري - الاعاشة - على الناس . والأهم من تلك الاعاشة , كانت صرة الملابس التي كانت توزّع كل شتاء وكانت مثل كنز علي بابا . فهذا يجد قميصا دافئا أو يجد كنزة صوفية وغير ذلك . هذه الملابس كانت مستعملة يرسلها لنا أهل الخير في أوروبا وغيرها . في احدى السنين جاءتنا تلك الملابس من سكان دول اسكندينافية حيث كان فيها ملابس صوفية سميكة بها أسلاك كهربائية ومكان لوضع بطارية وأحذية خشبية عليها جلد أسود ومغلفة من الداخل بلباد بني . أحد الأصدقاء وجد فردة حذاء لست أدري يمين أم شمال لها عجلات, فكان يؤجرها لنا بمصروفنا اليومي ونلعب بها برجل واحدة .

دخلت المدرسة عام 1953 وبدأ عهد التعليم . كان هناك أساتذة كنا نحبهم وما زلنا الى اليوم نذكرهم بالخير . وكان هناك أساتذة " قساة " يصبّ علينا أحدهم جام غضبه لأن زوجته منعته من أشياء لا نعرفها . وكان قضيب الرمان هو أهم وسائل التعذيب لأنه لا ينكسر . وعندما يبدأ الاستاذ بالضرب لا ينتهي حتى يتعب . كان لأحد الطلاب أخت جميلة وكان هذا الاستاذ " القاسي " لا يضربه , وكنا نعرف السبب. للأطفال وسائل استشعار رهيبة لا يعرفها الكبار .

حسن أيوب
صيدا - لبنان
29/5/2009






® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600