شهادات وذكريات


عرفانا بالجميل وتكريما له يسرّ جمعية أبناء سحماتا ان تنقل الى الجيل السحماني الصاعد والى قراء الموقع بعضًا من ذكريات الطفولة والصّبا للقائد الفلسطيني البارز وابن سحماتا البار بمناسبة بلوغه الرابعة والثمانين متمنين له الصحة والعافية ومزيدًا من العمر وعشية الذكرى الستين للنكبة التي حلّت بقريتنا في الـ 28 من تشرين اول عام 1948. ان ابناء سحماتا فخورون بابن قريتهم اللاجئ في لبنان، وهم معجبون بعصاميته التي تعتبر نبراسًا للأجيال القادمة وبنقاوته وطينته المجبولة بحب قريته وحب فلسطين ونضاله الدؤوب طيلة سنوات عمره من اجل العودة.

من ذكريات الطفولة والصِّبا - أحمد حسين اليماني


سنوات الطفولة
مولدي وطفولتي

ما من انسان يختار مولده، زمانًا ومكانًا، ولا يختار حتى الاسم الذي يعرف به بين الناس، ويلازمه مدى حياته.

جاء في شهادة ميلادي الصادرة عن دائرة النفوس في عهد الانتداب البريطاني أنني ولدت في قرية سحماتا، التابعة لقضاء مدينة عكا، في الجليل الأعلى، في اليوم الرابع والعشرين من شهر ايلول عام 1924...




اختار لي والداي اسم "احمد" احياء لذكرى المرحوم جدي "والد ابي"... وهي عادة درج عليها سكان القرى بشكل عام.

والدي هو حسين احمد محمد علي سليمان، وكان يعرف بكنية اليمني (حسين اليمني)... وتعود هذه الكنية، الى المرحوم جدي "احمد" الذي خدم في الجيش التركي، بلغ له من مدة خدمته حوالي خمسة عشر عاما في اليمن... لم يكن أهله يعرفون عنه شيئا خلال تلك المدة... عاد بعد ذلك الغياب الطويل، مع من عادوا، وراح يقص على اهل القرية ما شاهده في تنقلاته، وما يتمتع به اهل اليمن من صلابة، وكرم، رغم شظف العيش الذي يعانونه... اضافة الى ما كان يصادفه وزملاؤه من صعوبات اثناء خدمتهم العسكرية في اليمن وغيرها من البلاد العربية...

وقد التصقت به هذه الكنية "اليمني" ولازمته بقية عمره وورثها والدي عن والده، وورثتها عن والدي.. وأورثتها لأولادي مع تعديل بالكنية من "اليمني" الى "اليماني"...

اسم والدتي سعيدة الحاج عبد الرحيم قدورة
كنت المولود البكر، من الابناء العشرة (سبعة ذكور، وثلاث اناث) "نعامة، هاني، هنية، برهان، محمد، نظمي، نظيم، نظمية (او اسمهان) ماهر، وأنا".

البيت الذي ولدت وعشت فيه
كان بيتنا، كمعظم بيوت اهل القرية، جدرانه من الحجر الصخري، سقفه من الخشب الوعري، وأغصان الاشجار، تعلوها طبقة من الطين، يتم كل عام اضافة طبقة خفيفة من الطين، لكي لا تتسرب مياه الشتاء الى داخل البيت.

كان البيت واسعا، قائما على اربع قناطر حجرية، تحمل السقف، وقن للدجاج، ورف للحمام، واسطبل للدواب.

مصطبته واسعة للجلوس نهارًا، والمنامة ليلا، يلتصق بالمصطبة من الداخل مستودع للتبن، وغذاء الدواب (تبّان).

في زاويتي البيت الشمالية والجنوبية من الداخل، موقدان للنار، لكل موقد مدخنة طينية، يستعمل الموقدان للتدفئة ايام الشتاء، ولطهي الطعام والخبز على الصاج، ويوجد خارج البيت، موقد يستعمل لطهي الطعام والخبز في الايام المشمسة.

في جوانب البيت خلايا من الطين لتخزين المواد التموينية، (القمح، البرغل، العدس، السميدة، الفريكة، الفول... الخ) ومكان لخابية الزيت، ومكان آخر للفراش، وصندوق خشبي للملابس.

كنا نستضيء ليلا بسراج زيت، وبابور كاز، وقنديل كاز احيانا، لم يكن للبيت (على سعته) شبابيك، بل كان يوجد في الحائط الغربي طاقتان يطل منهما الضوء، وتدخل منها الحمامات الى رفها.

كانت الوالدة تخرج مع فجر كل يوم، مع جاراتنا، الى الأحراج لكي يجلبن الحطب للتدفئة والطهي، يحملنهُ على رؤوسهن مسافات طويلة..

كنا ننام كلنا على المصطبة، مفروش عليها حصائر من القش، لكل اثنين او ثلاثة فرشة، ولحافًا، ومخدتين، (رحم الله الوالدة، كانت تقضي قسما من الليل ساهرة تغطي من ينزاح اللحاف عنه، خوفا علينا من البرد)..

كنا في فصل الصيف، ننتقل من البيت لنقيم في عريشة ننصبها في قطعة ارض (اسمها الجنينة) قريبة من البيت، فيها بعض اشجار التين، والزيتون، والصبار، والرمان.. وشجرة جوز وبئر ماء.

ألعاب الطفولة، وملاعبها

كان للطفولة العابها وملاعبها.. وأيامها، وادواتها، ففي فصل الشتاء والايام الباردة، كانت البيوت هي التي نمارس فيها العابنا المنزلية، الهادئة.

وفي الايام المشمسة من فصل الشتاء، وأيام الربيع والصيف، كنا نخرج الى الحواكير القريبة من المنازل، والى ازقة القرية، وساحاتها، والى البيادر، والى ملعب المدرسة (بعد ان اصبحنا طلابا).. ونمارس الالعاب المختلفة، المناطيع في الحواكير، الكلة او البنورة، العفص الملولي، وشد الحبال، الركض الطويل، القفز العالي، القفز العريض، الكرة الحجرية، الطابة الهوائية - كرة القدم.. الخ

وبعد بلوغنا سن العاشرة، كانت السباحة في بركتي القرية، هي الهواية المفضلة خاصة في فصل الصيف، وفي الليالي المقمرة.

كنا في العطل المدرسية الصيفية، نلتحق بأهالينا في الحقول، نساعدهم قدر طاقتنا بأعمالهم الزراعية.

الفقر علّة ولكنه ليس عارًا
أنتمي لعائلة فقيرة، عانت الأمرين لسوء الوضع المادي، عشت واخوتي طفولة صعبة، أتذكر دائمًا المشاهد المؤلمة.

كان والدي من فقراء اهل القرية، وكان يجد نفسه في أغلب الاحيان مضطرا للعمل عند بعض الملاكين من ابناء سحماتا، او غيرها من القرى المجاورة، عمل في قرية معليا، وعمل فترة طويلة في قرية كفر سميع، عند آل فلاح، وفي حرفيش وكان يحدثنا عن حسن معاملة معلميه له.

وهكذا عشنا في بيت فقير، نعاني ما يعانيه اقراننا من ابناء الطبقة الشعبية الفقيرة.. ولكن هذه المعاناة، وهذا الفقر لم يؤثر على مسار حياتنا، كنا، (اخوتي وأنا)، نقنع بالقليل الذي يتيسر لنا، ولا نثقل على والدينا بالمطالبة بما ليس بمقدورهما ان يقدماه لنا.

كان الولد الصغير، يلبس ملابس اخيه الذي يكبره سنا عندما يضيق على الكبير.. وحنان الوالدين يعوضنا عن مباهج الحياة، التي نفتقر اليها.. رحم الله والدينا، ربيانا، وأحسنا تربيتنا والحمدلله.

لا أخجل، ولا اشعر بالحرج من حياتي الماضية واللاحقة. سيما وقد شققت طريقي في الحياة الصعبة، وعملت بعد انهاء دراستي، لأساعد الوالدين بإعالة الأسرة.

مغادرة القرية لأول مرة
كم كانت فرحتي ذات يوم، وأنا طفل في السنة السادسة من عمري، عندما قال لي والدي: سآخذك معي الى عكا (حيث انني لم اكن قد غادرت القرية حتى ذلك اليوم).

في صبيحة اليوم التالي، أعد والدي الدابة، التي كنا نملكها (حمارة) وكانت الوالدة قد هيأت لنا زوادة من حواضر البيت (بعض الأرغفة، حبات زيتون، بطاطا وبيضتان مسلوقتان) توجهنا الى عكا.

ووصلنا قرية المنشية، القريبة من مدينة عكا، وقضينا تلك الليلة، عند أحد معارف والدي، الذي كان (كما قال والدي) متزوجا من احدى بنات سحماتا.

وفي الصباح الباكر تركنا الدابة عند مضيفنا، وتوجهنا وإياه وكثيرون من ابناء المنشية الى مدينة عكا، حيث التقينا بحشد جماهيري من ابناء عكا، وأبناء المدن والقرى الفلسطينية الوافدين اليها، وتتدافع الحشود نحو باحة واسعة، فظننت في البداية، ان هناك عرسا لأحد ابناء العائلات الميسورة، والحشود مدعوة لحضور العرس!

عرس الشهداء
أجل.. حقا كانت الجماهير مدعوة لحضور عرس، ولكن من نوع آخر، انه عرس الاحتفال بالشهداء الثلاثة الأبطال، شهداء "ثورة البراق" فؤاد حجازي، محمد جمجوم وعطا الزير.

وكانت سلطات الانتداب البريطاني قد حددت ذاك اليوم 17/6/1930 موعدًا لإعدام الشهداء الثلاثة.. والذين يشكلون طليعة شهداء فلسطين الذي اعدمتهم السلطة البريطانية الغاشمة.

ومع أنني كنت في السادسة من عمري، الا ان صور الشهداء الثلاثة وهي معلقة على أعواد المشانق في باحة سجن عكا المركزي، قد ارتسمت في مخيلتي. وما تزال، فهامات الأبطال الشهداء تبقى ماثلة في أذهان الأجيال كمنارات على طريق تحرير الارض والانسان، وهكذا فقد تفتحت عيناي على الظلم الاستعماري الذي انتزع حقوق شعبنا، وجلب الغزاة الصهاينة.. وزرعهم في أرض وطننا.

رحم الله هذه الكوكبة من الشهداء، وشهداء الحرية في كل زمان ومكان.

الثورة الفلسطينية الكبرى
1936 - 1939

والدي باع البقرة، واشترى بندقية
عندما بدأ المجاهد الكبير الشيخ عز الدين القسام يُعد لانطلاقة الثورة الفلسطينية التي ارتبطت باسمه (بعد وفاته) ويدعو أهل فلسطين الى الالتحاق بالثورة لمواجهة الجيش البريطاني، والمستوطنات الصهيونية التي تقام لإيواء اليهود المستوردين من مختلف بلدان العالم، قام والدي ببيع البقرة التي كان يملكها، واشترى بثمنها بندقية من مخلفات الحرب العالمية الاولى، واستعد ليلتحق بالثورة، لكن استشهاد الشيخ المجاهد عز الدين القسام وعدد من أصحابه المجاهدين في أحراج قرية يعبد - قضاء جنين، واعتقال الآخرين، أدى الى توقف الثورة في نهاية عام 1935، لكن روح ثورة الشيخ عز الدين القسام مهدت للثورة الفلسطينية الكبرى، التي انطلقت عام 1936 وامتدت لغاية 1939... وقد التحق والدي بالثورة مع عدد من أبناء القرية بقيادة المجاهد عبد الله الأصبح (من قرية الجاعونة - قضاء صفد).. أما قائد الفصيل الذي كان والدي احد افراده فكان المجاهد فوزي رشيد آغا من قرية ترشيحا المجاورة لقريتنا.. وعندما توقفت الثورة عام 1939 احتفظ، والدي ببندقيته التي استعملها من جديد بعد قرار التقسيم عام 1947 كغيره من ابناء فلسطين.

نداء الملوك والأمراء لوقف الثورة
لقد كانت ثورة الشعب العربي الفلسطيني سنة 1936 هي احدى انتفاضاته التي امتازت بشمولها جميع طبقات الشعب، موجهة ضد الانجليز لأنهم أصل الداء ورأس البلاء، وضد المستوطنات الصهيونية التي أقيمت على الارض العربية لاستقبال اليهود الصهاينة المستوردين من شتى أنحاء العالم.

كما امتازت بالاضراب الكبير الذي امتد حوالي ستة اشهر من 20 نيسان عام 1936 حتى 12 تشرين الاول 1936، وبقيت الثورة مستمرة، حتى تدخل ملوك العرب وامراؤهم وهم: الملك عبد العزيز آل سعود، والملك غازي، والإمام يحيى حميد الدين والأمير عبدالله بن الحسين وأذاعوا النداء التالي موجها الى الشعب العربي الفلسطيني:

الى أبنائنا عرب فلسطين
"لقد تألمنا كثيرًا للحالة السائدة في فلسطين، فنحن بالاتفاق مع اخواننا ملوك العرب والأمير عبدالله، ندعوكم للإخلاد للسكينة، حقنًا للدماء، معتمدين على حسن نوايا صديقتنا الحكومة البريطانية، ورغبتها المعلنة، لتحقيق العدل... وثقوا بأننا سنواصل السعي في سبيل مساعدتكم".

بيان اللجنة العربية العليا لفلسطين
بعد ان استلمت اللجنة العربية العليا لفلسطين، نداء الملوك والأمراء العرب، قامت بإذاعته مع بيان اعلنت فيه تلبية النداء، ودعت الجماهير العربية في فلسطين الى الإخلاد للسكينة، وإنهاء الاضراب، والاضطرابات ابتداء من يوم الاثنين 12 تشرين الاول 1936، أي في اليوم التالي لإصدار بيانها.

واستجابت القيادات المحلية، الى نداء قيادتهم السياسية، التي استجابت لنداء الملوك والأمراء العرب، الذين كانوا قد استجابوا لنداء صديقتهم وحليفتهم (بل صانعتهم) الحكومة البريطانية، وتوقفت الثورة الفلسطينية الكبرى....

وما زلت أذكر، وأنا ابن الثانية عشرة، كيف كان المختار، يدعو مسلحي القرية الى تسليم أسلحتهم له، ويستدعي البوليس البريطاني من مركز ترشيحا لاستلام الأسلحة، وكيف كانت مصفحة البوليس تعود محملة بالبنادق والذخائر...

مراحل الدراسة الابتدائية والثانوية
الدراسة والتعلّم

كان والدي الى جانب فقره، اُميّا.. مثله مثل الاغلبية الساحقة من ابناء القرية، بل ومعظم ابناء القرى بشكل عام... كإحدى نتائج سياسة التجهيل التي كانت سائدة في العهد العثماني.

وبالرغم من فقر والدي وأميّته، كان لديه رغبة، وأمنية بأن اتعلم.

1. قراءة القرآن الكريم
بدأت التعلم، على يد أحد ابناء القرية - الشيخ بدر توفيق قدورة - الذي كان يقوم بتعليم الاولاد قراءة القرآن الكريم، ومبادئ الكتابة، وبعض الدروس الدينية، مقابل أجر يتفق عليه مع اولياء الامور، وقد ختمت دراسة القرآن الكريم على يديه.

كانت العادة، ان يحتفل اهل القرية جميعا، بمن يختم قراءة القرآن الكريم، ويتباهى الاهل بأولادهم، وهم يرونهم يطوفون أزقة القرية بلباسهم النظيف (او الجديد احيانا للمقتدرين)، ويقفون بين الحين والآخر في احدى الساحات العامة، يتلون بعض الآيات القرآنية التي حفظوها غيبا، ويتلقون من كل بيت يمرون امامه، شيئا مما يجود به اصحاب البيت (بيض، خبز، تين جاف، دراهم احيانا) ويقدمون بعد ذلك كل هذه الهدايا الى فضيلة الشيخ، صاحب الفضل بما وصلوا اليه...

2. الدراسة في مدرسة القرية الابتدائية
الى جانب تعلم قراءة القرآن الكريم، وبعض مبادئ الدين القويم، وكتابة الأحرف الأبجدية، وتركيب الكلمات، وسبك بعض الجمل، على يد الشيخ الجليل بدر توفيق قدورة، التحقت بالمدرسة الابتدائية الرسمية ذات الصفوف الاربعة بإدارة الاستاذ خليل الديماسي من مدينة عكا، كان الاستاذ خليل يقوم بإدارة المدرسة، وبتدريس الطلاب من الصف الابتدائي الاول، حتى الصف الابتدائي الرابع.. جميع المواد المقررة في البرنامج الرسمي (اللغة العربية، الحساب، التاريخ، الجغرافيا، العلوم، الدين، الرسم، الخط...).

وما زلت اذكر ما قاله والدي للأستاذ خليل، عندما ذهب الى المدرسة لتسجيلي في الصف الابتدائي الاول، قال:
"ابني يتعلم القرآن الكريم عند الشيخ بدر... فهل تريد يا استاذ ان يستمر في دراسته هناك في الصباح الباكر، ثم يأتي الى المدرسة ام ترى ان يتوقف، ويتفرغ للدراسة في المدرسة فقط".

رد الاستاذ خليل، "عين الصواب فعلت، فدراسة القرآن الكريم عند الشيخ تساعد على تقويته باللغة العربية، شريطة ان لا يتأخر عن الوصول الى المدرسة في الوقت المحدد للدراسة، وقبل دخول الطلاب الى صفوفهم".

انتقال الأستاذ خليل الديماسي
وحلول الأستاذ صلاح النحوي محله


بعد نهاية العام الدراسي الاول، ومع بداية العام الدراسي التالي، جرى نقل الاستاذ خليل الديماسي من المدرسة (عرفت لاحقا انه انتقل الى مدرسة مجد الكروم) وحلّ محله في ادارة المدرسة، وتعليم جميع المواد للصفوف الابتدائية الاربعة، الاستاذ صلاح النحوي (من مدينة صفد)...

كنت من الطلاب المجدين في الصف الابتدائي الثاني... وكان الاستاذ صلاح راضٍ عني، وأحيانا كان يجعلني عريف الصف... رغم انني كنت أقصر الطلاب طولا وأصغرهم سنا.

خطأ لم أقصده.. وقصاص لا أستحقه
ذات يوم من ايام الاسبوع الدراسي، طلب منا الاستاذ صلاح في حصة درس الخط العربي، ان نكتب ما نشاء، ونقدمه له ليراقب سلامة الخط، والإملاء، وقواعد اللغة.

كنت قد حفظت أبياتا من الشعر من كتاب قديم، لم أعد اذكر اسم الكتاب، ولا اسم الشاعر الذي قاله، حتى انني لم اكن أدرك ابعاد ومدلولات تلك الأبيات ونصها كما يلي:

يا أيها الرجل المعلم غيره
هلا لنفسك كان ذا التعليم؟
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا
كيما يصحّ به، وأنت سقيمُ
ونراك بادئ في رشاد عقولنا
أبدا، وأنت من الرشاد عديمُ
فابدأ بنفسك وأنهها عن غيّها
فإن انتهت عنه، فأنت حكيمُ
وهناك، يقبل ما تقول ويقتدى
بالقول منك، وينفع التعليمُ

وبعد الانتهاء من الكتابة، ومراجعتها، قدمتها للاستاذ وكنت اول من قدم ما كتب،
وما ان ألقى الاستاذ نظرة على ما قدمته، حتى نهض عن كرسيه، وتقدم الى حيث كنت أجلس، فظننت انه آتٍ ليشجعني على ما كتبت، وإذا به ما ان وصل قربي، حتى جرّني من المقعد، ولطمني لطمة طرحتني ارضا، ثم راح يركلني برجليه، ويسألني بصوت غاضب، من علمك هذه الأبيات يا (...)؟ ويتمتم بكلمات لم أعد اسمعها. ثم قال:
"احمل دفاترك، واذهب الى البيت، ولا تعد الى المدرسة الا مع أبيك يا ابن (...)!!!".

رحم الله والدي وسامح الأستاذ صلاح
عدت الى البيت، دامع العينين، مطأطئ الرأس، مرتجف الجسم، وآثار الضرب بادية على وجهي، وأذناي، وقلت لوالدي ما حدث معي، وأقسمت له أنني لم اكن اعرف الذنب الذي اقترفته، ولا سبب هيجان الاستاذ صلاح.
اصطحبني والدي الى المدرسة، فاستقبلنا الاستاذ غاضبا، وقال لوالدي، "اسمع ما يقوله ابنك عني، وراح وهو يرغي ويزبد، يشرح معاني كلمات أبيات الشعر، ومدلولاتها".
ويضيف: "هذا ما يعلمه الشيخ (...)!!! للأولاد الذين يذهبون إليه".
وراح يهدد بأنه سيفعل به كذا... وكذا.... (...)
راح والدي يهدئ من روع الاستاذ، ويقول له: "والله يا صلاح أفندي، ان احمد يحبك ويحترمك كثيرا، ودائما يشكرك امامي وأمام والدته والجيران، وإذا كان الشيخ بدر يعلمه مثل هذا فإنني منذ اليوم لن أرسله، وسأنصح اهالي الاولاد ان لا يرسلوا اولادهم اليه" ارجوك ان تسامح احمد، وإن غلط مرة ثانية، فلك اللحم ولنا العظم.
قبل الاستاذ صلاح رجاء والدي، ووافق على إعادتي للمدرسة مهددا ومتوعدا.

دور الاستاذ صلاح بتطوير أوضاع المدرسة
رغم القصاص الذي لا استحقه، لوقوع خطأ لم أقصده، فالحق والإنصاف يقتضي ان أنوه بدور الاستاذ صلاح بتطوير اوضاع المدرسة تطورا جعلها تحتل مكانة مرموقة بين المدارس الابتدائية في القرى المجاورة. وباتت مثلا يحتذى به، من خلال المشاريع التي وضعها الاستاذ صلاح لتطوير اوضاعها، حتى ان مفتشي دائرة المعارف، كانوا يزورون المدرسة باستمرار يرافقهم مدراء بعض المدارس، للإطلاع على ما يتم تنفيذه من مشاريع في عدة ميادين: الزراعة، تربية الدواجن، تربية النحل، وعينت الادارة معلما اضافيا - يساعده في التعليم - الاستاذ خالد شكري القاضي، من ترشيحا.

أصل فكرة التطوير
جمع الاستاذ صلاح وجهاء القرية، وأولياء امور الطلاب، وراح يحدثهم عن مستقبل اولادهم، وأوضاعهم في القرية، بعد انتهاء دراستهم، وأنهم سينصرفون الى العمل معهم في الارض، وانه يرى ان يستفيد الاهالي من الارض البور المحيطة بالمدرسة، لإنشاء حديقة، يمكن ان تتحول مع الزمن الى بستان، يتعلم الطلاب مبادئ الزراعة الحديثة في اوقات فراغهم، سواء بالنسبة لزراعة الورود والازهار، ورعايتها، او غرس الاشجار، وتقليمها، والحفاظ عليها.

واضافة الى الزراعة تم انشاء قسم لتربية الدواجن بأسلوب حديث ايضا - الدجاج - الحمام - والارانب.

وكذلك تربية النحل بالصناديق الخشبية، والاستفادة مما تنتجه هذه الاقسام بتطوير اوضاع المدرسة، تجديد الطاولات والكراسي والمقاعد، وحفر بئر في الحديقة... الخ.

استجاب الاهالي لكل المشاريع التي قدمها لهم الاستاذ، وتم تنفيذها بمساهمة الاهالي، حيث كانوا يقومون بتمهيد الارض، وزراعة الاشجار، وشراء منتوجات قسم الدواجن، وعسل النحل.

ونتيجة لهذا الجهد، وهذا التطور، الذي ادخله الاستاذ صلاح على المدرسة خلال سنتين، كافأته ادارة المعارف، بترقيته، ونقله من القرية الى المدينة، خاصة بعد ان قام المدير العام لدائرة المعارف البريطاني (المستر يومن) بزيارة المدرسة، وكان الاستاذ صلاح قد هيأ له وللمفتشين الذين رافقوه، استقبالا جماهيريا حافلا مع اهل القرية واولياء امور الطلبة.

المدير الجديد لمدرسة القرية: الأستاذ شاكر سمارة
مع نهاية العام الدراسي، وكنت قد انهيت الدراسة في الصف الابتدائي الثالث، وانتقلت الى الصف الرابع، انتقل الاستاذ صلاح النحوي، وحل مكانه في ادارة المدرسة الاستاذ شاكر سمارة (من قرية ذنابة - قضاء طولكرم) واستمر الاستاذ خالد القاضي معلما اضافيا في المدرسة.

كان الصف الابتدائي الرابع، آخر صف في مدرسة القرية، وكان الطلاب الذي ينهون دراسة الصف الرابع، يخرجون الى الحياة العملية في القرية، وهكذا كانت حال اغلبية المدارس في القرى المجاورة، باستثناء المدرسة الابتدائية في قرية ترشيحا، حيث كانت الدراسة تستمر فيها حتى الصف الابتدائي السابع (نهاية المرحلة الابتدائية).. وكان تعليم اللغة الانجليزية في مدرسة ترشيحا، يبدأ من الصف الابتدائي الرابع، بينما في مدارس القرى الاخرى التي تنتهي عند الصف الابتدائي الرابع، لا يتعلم الطلاب اللغة الانجليزية.

على ابواب نهاية العام الدراسي، دعا الاستاذ شاكر سمارة اولياء امور طلاب الصف الابتدائي الرابع (الصف النهائي في مدرسة القرية) الى اجتماع في المدرسة.. وراح يحدثهم عن فائدة العلم للمجتمع، لخدمة الوطن، ومصلحة المواطنين، ورفع مستواهم.. وأنهى حديثه الطويل للمجتمعين بتوجيه السؤال التالي:

لاحظت ان ابناءكم، مُجدين ومجتهدين، ويحبون المدرسة، ويحصلون على نتائج ممتازة في الامتحانات، فلماذا لا ترسلونهم لمتابعة دراستهم في مدرسة ترشيحا، وهي قريبة منكم.؟

تراوحت اجوبة الاولياء بين الحديث عن سوء الاحوال المادية، وعدم القدرة على توفير نفقات التدريس خارج القرية، وأين ينام الطلاب في ترشيحا اذا لم يكن لذويهم اقارب او اصدقاء؟ والمشاق التي يتحملونها اذا ذهبوا الى ترشيحا في الصباح، وعادوا الى القرية في المساء، وكيف سيتصرفون خلال ايام فصل الشتاء، (لم تكن حتى ذلك الحين قد توفرت وسائل نقل آلية منتظمة بين القرى)، الى ما هناك من امور الحياة الاجتماعية، وحاجة الاهالي لابنائهم لمساعدتهم في الاعمال الزراعية.. الخ.

قبل انتهاء الاجتماع قال الاستاذ شاكر للمجتمعين، "مع تقديري لكل ما سمعته منكم.. اقترح على من يرغب منكم ارسال ابنه الى مدرسة ترشيحا، ان يقابلني غدا في المدرسة، وسأقدم للراغبين كل مساعدة ممكنة، سواء مع مدير المدرسة الاستاذ مصطفى عبد الباقي، او مع مفتش المعارف الاستاذ ابراهيم صنوبر، كما انني مستعد لاستقدام مدرس في العطلة الصيفية، لتدريس الطلاب الراغبين بمتابعة دراستهم في مدرسة ترشيحا، مبادئ اللغة الانجليزية، حتى لا يعيدوا الدراسة في الصف الابتدائي الرابع (كان طلاب الصف الرابع في مدرسة ترشيحا يبدأون بتعلم مبادئ اللغة الانجليزية)، وبذلك يوفرون على انفسهم سنة دراسة كاملة... وستكون نفقات المدرس في العطلة الصيفية بسيطة ومحتملة".

استجاب للاقتراح اربعة فقط، من اولياء امور طلاب الصف الابتدائي الرابع، وكان والدي احدهم، وهو (كما قدمت) الفقير من بينهم، والطلاب الاربعة الذين استجاب اولياء امورهم لاقتراح الاستاذ شاكر هم:
1. صالح محمود صالح قدورة ابن مختار القرية (وهو ابن خالتي).

2. حسين يوسف الحاج اسعد قدورة ابن احد كبار الملاكين في القرية.

3. محمد محمود مصطفى ابن ملاك وصاحب دكان في القرية.

4. احمد حسين علي سليمان (اليماني) ابن احد الفقراء في القرية.

دراسة اللغة الانجليزية أثناء العطلة الصيفية
دعا الاستاذ شاكر اولياء امور الطلاب الاربعة، في نهاية العام الدراسي، وأبلغهم انه بحث مع مدرس يعرفه، وله صلة قرابة به (عبد الرحيم سمارة) وعرض عليه فكرة تعليم اللغة الانجليزية للطلاب الاربعة، خلال العطلة الصيفية بأجر قدرة ثلاث جنيهات شهريا، على ان تؤمن له الاقامة (المبيت، والطعام) طيلة فترة اقامته.
قبل أولياء الأمور الاربعة، واتفقوا على ما يلي:
1. يقيم الاستاذ في ديوان المختار محمود صالح قدورة.

2. يدفع ولي امر كل طالب من الطلاب الاربعة خمسة وسبعين قرشا شهريا، (الجنيه مائة قرش).

3. تتولى عائلة كل طالب تأمين الطعام للاستاذ اسبوعا من كل شهر، كما تتولى في هذا الاسبوع تأمين نظافة ملابسه ونظافة الديوان الذي يقيم فيه.

مرة اخرى.. الفقر علة وليس عارًا
التزم والدي بما اتفق عليه، ودفع ما توجب عليه في الشهر الاول، وكانت والدتي، تقوم خلال الاسبوع المحدد لنا بإعداد الطعام للاستاذ (ثلاث وجبات، وأنقلها له عند كل وجبة) كما كانت تقوم بنظافة الديوان يوميا، وتغسل ملابس الاستاذ التي يطلبها للغسيل.

مرّ الاسبوع الاول من الشهر الثاني، فوجد والدي نفسه عاجزا عن تأمين اجرة الشهر كاملة.. فذهب للاستاذ معتذرا، وقدم له ما تيسر معه (اجرة الاسبوع 18,5 قرشا) حاول الاستاذ اقناعه باستمراري، ولو على حسابه فرفض والدي شاكرا... وذهب الوالد الى اولياء امور الطلاب الثلاثة، واعتذر لهم ايضا لأنهم سيتحملون وحدهم دفع الثلاث جنيهات شهريا... ولم يعلم الاستاذ شاكر بما حصل لأنه كان يقضي العطلة الصيفية في قريته "ذنابة" قضاء طولكرم.

لم يتسرب اليأس الى نفسي.. فرحت أتردد مساء كل يوم على بيت الزميل صالح "ابن خالتي" وأدرس معه ما لقنهم إياه الاستاذ في النهار، ونعد الوظائف البيتية التي طلب منهم إعدادها.

كما كنت أتردد في النهار على منزل السيد كامل فاعور قدورة، احد مواطني القرية، الذي كان قد نزح مع اهله الى احدى ولايات امريكا الشمالية، وقضى هناك فترة تزيد عن خمسة عشر عاما، وهو يتقن اللغة الانجليزية، وكانت تربطه بوالدي صداقة، لقد ساعدني صديقه كثيرا، يشرح لي المادة الواردة في الكتاب، ويصحح الإملاء، ويعلمني تركيب الجمل، وبهاتين الوسيلتين أتقنت ما كان يفترض بي ان أتعلمه على يد الاستاذ عبد الرحيم، وما يؤهلني للانتقال الى مدرسة ترشيحا مع زملائي الثلاثة.

الالتحاق بمدرسة ترشيحا الابتدائية
مع بداية العام الدراسي الجديد، ذهبنا نحن الطلاب الاربعة مع الاستاذين شاكر سمارة وخالد القاضي الى مدرسة ترشيحا لتقديم امتحان القبول، الذي يؤهلنا لدخول الصف الابتدائي الخامس، وكان الاستاذ شاكر قد عرض للاستاذ مصطفى عبد الباقي مدير مدرسة ترشيحا اوضاعنا، وأننا درسنا مبادئ اللغة الانجليزية التي تدرس في الصف الابتدائي الرابع.

قدمنا الامتحان، وطلب منا ان نعود في اليوم التالي لمعرفة النتائج، وكم كانت المفاجأة سارة لي ولوالدي وللاستاذين شاكر سمارة وخالد القاضي، حيث قبل زملائي الثلاثة في الصف الابتدائي الخامس، اما أنا فكانت نتائجي تؤهلني للالتحاق بالصف الابتدائي السادس.

لقد أثمرت الجهود التي بذلتها في النهار دارسًا على يد الاستاذ كامل فاعور قدورة، وفي الليل متعاونا مع زميلي وابن خالتي صالح، وصدق الشاعر عندما قال: "من طلب العلا سهر الليالي.." سهرنا ونلنا والحمد لله.

أقام كل منّا عند قريب او صديق لوالده في ترشيحا، بالنسبة لي أقمت في السنة الاولى عند السيد محمد صالح الدباجة، والدته تمت بصلة قربى لوالدي، وفي السنة الثانية أقمت عند السيد محمد الكبة احد اصدقاء والدي، وابنه احمد زميلي في الصفين السادس والسابع الابتدائي.

أساتذتي الكرام في مدرسة ترشيحا الابتدائية
يبدو ان نتائج القبول قد اكسبتني تقدير أساتذتي الكرام، بالاضافة الى ما يمكن ان يكون الاستاذان شاكر سمارة وخالد القاضي، قد أطلعا اساتذة المدرسة عن اوضاع والدي، ورغبته بتعليمي رغم فقره وعجزه عن تسديد النفقات المدرسية، فقد كنت ألمس هذا العطف والتقدير والتشجيع منهم جميعا بدءا من مدير المدرسة الاستاذ مصطفى عبد الباقي، مرورا بالأستاذ كرم حبيب مدرس الرياضيات والعلوم، والاستاذ فخري حجازي، مدرس اللغة الانجليزية، والاستاذ محمد مصطفى العلي، مدرس الاجتماعيات، والاستاذ خليل قبرصي مدرس اللغة العربية، والاستاذ عبدالله عودة مدرس الدين والرياضة وصولا الى الاستاذ جورج فاخوري مدرس الرسم.

وكان الاستاذ كرم حبيب والاستاذ محمد مصطفى العلي اكثر الاساتذة عطفا علي، واهتماما بي، وكنت أدخل على بيت الاستاذ كرم مع ابنيه سهيل وزياد وابنته لميس كما ادخل على بيتنا، وكانت السيدة ام سهيل تلومني اذا تأخرت عدة ايام عن مرافقة ابنائها بالمجيء الى بيتهم.

كما أنني كنت أقضي بعض الوقت في منزل الاستاذ محمد مصطفى العلي لمراجعة الدروس مع شقيقه الزميل عبد الرحمن، فكلانا في صف واحد، وأنهينا معا دراسة الصف السابع الابتدائي، وهو آخر صف في المدرسة.

3. المرحلة الثانوية
أ. مدرسة صفد الثانوية
بعد انتهاء الدراسة في الصف الابتدائي السابع في مدرسة ترشيحا الابتدائية، قدم مدير المدرسة نتائج امتحانات طلبة الصف السابع الى دائرة المعارف وفق الأنظمة المعمول بها، لإفساح المجال امام الطلاب المتفوقين للالتحاق بالمدارس الثانوية.

وقد أهلتني نتائج امتحانات نهاية السنة الابتدائية السابعة للانتقال الى المرحلة الثانوية، وتم إبلاغي خلال العطلة الصيفية أنني قبلت في مدرسة صفد الثانوية، وعليّ ان أتدبر امري للالتحاق بالمدرسة في نهاية العطلة الصيفية وبداية العام الدراسي الجديد.

وفي الاسبوع الاخير من العطلة الصيفية، استعار والدي حصان خالي (جميل الحاج عبد الرحيم قدورة) للانتقال من قريتنا (سحماتا) الى صفد. وأخذ معه صفيحتي زيت زيتون (سحماتا مشهورة بزيتونها وتبغها) لكي يبيعها في صفد، ويؤمن لي المسكن، وبعض المصاريف.

حللنا ضيوفا عند السيد ابراهيم عبد المجيد قدورة (من كبار ملاكي مدينة صفد، وكان يملك ارضا واسعة في قرية حرفيش القريبة من سحماتا، وكان والدي قد عمل عنده في زراعة التبغ.

عندما علم السيد ابراهيم قدورة بالغرض الذي نحن قادمون لأجله (الالتحاق بالمدرسة الثانوية) كلف شقيقه محمد الاعتناء بنا، ومساعدتنا في الانتقال الى المدرسة للتسجيل، وأعطاه رسالة الى الاستاذ ظاهر حمزة (مدير المدرسة).

بعد إتمام عملية التسجيل، ومعرفة مواعيد افتتاح المدرسة، واستلام برنامج الدروس الاسبوعي، تفرغنا للبحث عن مكان للإقامة.

كان السيد محمد يعرف طلابا من قرية الصفصاف قضاء صفد يسكنون في "حارة الوطا" في منزل يملكه السيد "أحمد محمد الأسدي".

وصلنا المنزل والتقينا بصاحبه، وحدثه السيد محمد عن سبب زيارتنا، رحب بنا السيد احمد، وقال: من حسن الحظ أنه يسكن عندي ثلاثة طلاب من قرية الصفصاف، وهم يبحثون عن طالب رابع يسكن معهم، ويشاركهم بدفع اجرة الغرفة، وخرج لإبلاغهم بأننا نبحث عن مكان، ويستشيرهم اذا كانوا يرغبون ان انضم اليهم.

عاد السيد احمد ومعه الطلاب الثلاثة وهم: محمود مصطفى حمد، كامل خليل زغموت، وسعيد زغموت، وأبدوا موافقتهم لا سيما محمود وكامل عندما علما أنني قادم لألتحق بالصف الثانوي الاول مثلهما، وكانت أجرة الغرفة أربعين قرشا في الشهر (أي يتوجب على كل واحد منا ان يدفع عشرة قروش شهريا).

وعندما عرف السيد الأسدي أننا من قرية سحماتا، وأن معنا صفيحتي زيت زيتون، قال لوالدي أنا أكتفي بأن أخذ منك صفيحة زيت مقابل الأجرة السنوية، فقبل والدي العرض شاكرا، وباع في اليوم التالي صفيحة الزيت الثانية، لأحد جيران السيد الأسدي، لتكون قيمتها جزءا من مصروفاتي.

عدنا الى منزل السيد ابراهيم قدورة، شاكرين له حسن ضيافته واهتمامه بنا خلال إقامتنا، شاكرين أخاه محمد لما قدمه لنا من مساعدة بالنسبة للتسجيل، وتعريفنا على السيد الأسدي الذي أمنّ لنا مكانا لإقامتي خلال العام الدراسي.

ابتدأ العام الدراسي، وكنت سعيدا ومرتاحا لمشاركة الزملاء الثلاثة وازدادت سعادتي عندما تعرفت الى الطالب "ابراهيم أحمد حمد" الذي يقيم وحده في غرفة ثانية، من غرف منزل السيد الأسدي "والد ابراهيم" الشيخ احمد حمد كان متزوجا من شقيقة السيد الأسدي وهي غير أم ابراهيم المتوفاة وكان ابراهيم في الصف الثانوي الثاني، وقد كنا (محمود، كامل، وأنا) كثيرا ما نلجأ إليه كلما استدعى الأمر لمساعدتنا بشرح درس ما، او تفسير موضوع، او مساعدتنا بحل مسألة مستعصية علينا من الفروض المدرسية.

كنت في العطلة الأسبوعية (في غالب الأحيان) أذهب مع الزملاء الى قريتهم الصفصاف القريبة من صفد، وما زلت أذكر حسن المعاملة التي كنت ألقاها من اهالي الزملاء، وكأنني احد ابنائهم.

والدي يحمل الريحان
ووالدتي تبلل حب الترمس

كان والدي يزورني بين الحين والآخر، ويجلب لي بعض المواد التموينية (بيض، زيت، زيتون، لبنة، زعتر... الخ) وفي طريق عودته يمر على جبل الجرمق، ويحمل الدابة التي معه حملا من غصون الريحان لبيعه في القرية (كان القرويون في تلك الأيام يجففون اوراق الريحان، ويطحنوها، ويستعملونها بدل البودرة للأطفال).

وكانت والدتي تبيع الريحان لنساء القرية، الى جانب قيامها بتبليل "حب الترمس" وبيعه، لتساعد والدي بتوفير مصروف البيت، ومصروفاتي المدرسية.

ب: مدرسة عكا الثانوية
صدق من قال "رُبّ صدفة خير من ميعاد"
خلال العام الدراسي، الذي كنت اتابع فيه الدراسة في الصف الثانوي الاول في مدرسة صفد الثانوية، زار مفتش المعارف الاستاذ "ابراهيم صنوبر" مدرسة قرية سحماتا الابتدائية، اثناء جولاته التفتيشية على مدارس المنطقة، وبعد انتهاء مهمته، طلب مدير المدرسة من مختار القرية، ان يؤمن فرسًا، لنقل المفتش الى قرية "دير القاسي" القريبة من قريتنا، وأن يؤمن احدا يذهب مع المفتش ليعيد الفرس، وتشاء الصدف ان يكون والدي في ديوان المختار، فيتبرع بأن يذهب مع المفتش ليعيد الفرس للمختار، وهكذا كان.

اثناء الطريق من سحماتا الى دير القاسي، اغتنم والدي هذه الفرصة التي لم يكن يتوقعها، وراح يشرح للاستاذ ابراهيم صنوبر ما يعانيه بسبب التحاقي بمدرسة صفد الثانوية شارحا بالطبع احواله المادية، راجيا امكانية المساعدة بانتقالي الى مدرسة عكا الثانوية، لأن عكا أقرب من صفد، ويوجد سيارة باص تعمل بين عكا وقرى القضاء.

سجل الاستاذ صنوبر ما سمعه من والدي، ووعده خيرًا، وخلال العطلة الصيفية، تم إبلاغ والدي عن طريق مدير مدرسة القرية، بالموافقة على انتقالي من مدرسة صفد الثانوية، الى مدرسة عكا الثانوية، وأن نقوم حال الوصول الى عكا بمقابلة الاستاذ "سامي عيد" مدير المدرسة.

اللقاء مع الاستاذ سامي عيد
قبل بداية العام الدراسي ببضعة أيام، ذهبت مع والدي الى عكا، وتوجهنا الى المدرسة، وقابلنا المدير، حسب التوصية التي استلمها والدي.

استقبلنا الاستاذ سامي استقبالا حارا، ادركنا من طريقة استقباله لنا، واهتمامه بنا، ان الاستاذ ابراهيم صنوبر، قد اوصاه خيرا بنا، وعرض له ما سمعه من والدي عن حالتنا وأوضاعنا.

وكم كانت سعادة والدي وسعادتي بهذا اللقاء الحميم، وخاصة بعد ان سمعنا من حضرة المدير، ان مفتش المعارف الاستاذ ابراهيم صنوبر، هو الذي قرر الموافقة على نقلي من مدرسة صفد، وأنه أوصاه خيرا بي، وبالاضافة الى ذلك تحدث، مع الشيخ جمال السعدي، مدير المدرسة الأحمدية التابعة لدائرة الاوقاف الإسلامية في جامع الجزار، ليخصص لي غرفة من الغرف التابعة للجامع، والمخصصة عادة لطلاب المدرسة الاحمدية، وأنني سأقيم في هذه الغرفة طيلة العام الدراسي مجانا.

بعد انتهاء اللقاء مع الاستاذ سامي، وبعد إنهاء معاملات التسجيل في المدرسة الثانوية، توجهنا الى جامع الجزار، وقابلنا الشيخ جمال، الذي رحب بنا، وأرسل معنا من يدلنا الى الغرفة التي خصصت لإقامتي منفردا.

ميزانيتي الشهرية 30 قرشا
التحقت بالمدرسة، وانصرفت للدراسة، وكنت لا اغادر عكا سوى مرة واحدة في كل شهر، لأرى أهلي، وأعود ومعي زوادة من الخبز والبيض، والزيت، والزيتون، والزعتر... الخ... ومصروفي الشهري الذي حدده لي والدي، (30 قرشا بالكمال والتمام، أي بمعدل قرش واحد كل يوم!).

كنت أوزع القرش، بين الغداء والعشاء، نصف قرش لكل وجبة، فلافل، بندورة، خيار، حمص، فول، وأحيانا حلاوة وطحينة، اما وجبة الصباح، احيانا أستغني عنها، وأحيانا اتناولها من الزوادة التي جلبتها معي، او التي يرسلها لي الأهل مع أحد ابناء القرية، الذين يتوجهون الى عكا.

طار المصروف، وطار عقلي معه
في أحد الشهور، عدت من زيارة الاهل في القرية، ومعي موازنة الشهر (30 قرشا عدّا ونقدا) وهي عبارة عن ثلاث قطع نقدية من فئة العشرة قروش، وضعتها في علبة صغيرة، وخبأتها تحت الوسادة، امام صديقي (...) الطالب في المدرسة الاحمدية، والذي يقيم في الغرفة الملاصقة لغرفتي، ويفصل بيننا شباك مفتوح، (لم أبح باسمه لأحد منذ ذلك الحين).

ويبدو ان الجار العزيز، والصديق الوفي!! والمطل على احوالي الموسرة، ومصاريفي الباهظة، قد وجد نفسه أحق مني بهذه الثروة الطائلة، فلطشها، سامحه الله.

عدت الى سحماتا جائعًا ودامعًا
عدت في فرصة الغداء من المدرسة، وتوجهت نحو السرير، ورفعت الوسادة فلم أجد العلبة، فطار صوابي، وعافت نفسي الطعام، ولم أعد الى المدرسة بعد الظهر، بل توجهت الى الكراج، لأعود الى القرية، مع أنني لا أملك أجرة السيارة.

وقفت حائرا أمام سيارة الباص، حتى حان موعد تحركها، فسألني صاحب السيارة (السيد زكي اسماعيل من قرية ترشيحا)، لماذا تقف هنا؟ هل تنتظر احدا؟ أم انك ستودع أحدا؟ أجبته والدمعة تترقرق في مآقي العين، وتسيل على الوجنتين، بل اريد ان اعود الى القرية، فسألني مستغربا: "ولكنك جئت معنا صباحا، وعادتك ان تعود مرة في الشهر، فلم أتمكن من إجابته، فالدموع الساخنة تنهمر مدرارًا، عندها أدرك السيد زكي أنني لا املك الأجرة، وقال "اصعد، وأنا أحاسب والدك".

لقاء الوالدين
وصلت الى القرية، مع غروب الشمس، وكم كانت دهشة والدتي وهي تراني أعود على غير عادتي، وراحت تسألني إن كان حصل لي مكروه او أنني أعاني من مرض أصابني فجأة؟ فقصصت عليها ما حصل، وأن مصروف الشهر قد سرق.

كانت والدتي تعرف طبع والدي، فقالت هيا تناول طعامك وتمدد في الفراش، وعندما يأتي والدك يفرجها الله، ففعلت ما أمرتني به، واستلقيت في الفراش، ولكنني لم أنم، بل تظاهرت بأنني غاف.

وعند عودة والدي الى البيت، لفت انتباهه، الفراش الممدود، بينما جميع الاخوة يلهون، فسأل والدي: من النائم؟ أجابته: احمد، فسألها بلهفة، وما به؟ هل جرى له مكروه؟ فأجابته لا، والحمد لله، لم يصبه شيء، ولكنه فقد المصروف الذي أعطيته إياه، فتقدم مني، وانهضني، فقبلت يديه، وأطرقت رأسي، وراح يسألني كيف فقدت المبلغ؟!

شرحت للوالد ما حدث معي، فلامني كثيرا، وأسمعني كلاما قاسيا، وقال: انت تعرف كيف نوفر لك مصروفك في المدرسة، ومصروفنا في البيت؟ نحن نقطع اللقمة عن أفواه اخوتك، ونقدمها لك، وتتالت الاسئلة المترافقة مع اللوم والتوبيخ، لماذا؟ كيف؟ من؟... الخ.

خمسون قرش بدلا من الثلاثين
بعد هذه الجلسة الساخنة، والتي فعل فيها اللسان، والحزام فعلهما، طلب من أحد اخوتي دعوة ابن عمتي "محمد عبد الرحمن قدورة" وكان يسكن بجوار بيتنا، ولما حضر، قص عليه القصة، وطلب منه اقراضنا ثلاثين قرشا يسددها له بعد فترة.

راح ابن عمتي محمد يهدئ من روع أبي، وقال له: "ما عليك يا خال، انا سأدبر الامر، فهل تسمح لأحمد ان يذهب لرؤية عمته، ويقضي ليلته عندنا".

ذهبت معه، ونمت عند بيت عمتي، وفي الصباح ذهب معي الى بيتنا ودعت والدي واخوتي، ثم توجهت وإياه الى موقف سيارة الباص وأصعدني اليها، ودفع لصاحبها السيد زكي اسماعيل اربعة قروش (اجرة أمس واليوم) ثم أعطاني نصف جنيه (خمسين قرش) وطيب خاطري، ودعا لي بالتوفيق، وردد توصيات والدي: "دير بالك على دروسك، دير بالك على مصروفك".

غادرت القرية شاكرا، فرحا اليوم، رغم ألمي بالأمس، فقد كسبت عشرين قرشا زيادة على الثلاثين.

العلامة 98% للتلميذ الشاطر
كنت في نهاية العام الدراسي السابق وقبل مغادرة صفد، قد استعرت من الزميل الصديق ابراهيم احمد حمد، الذي أنهى دراسة الصف الثانوي الثاني، ملخصات دروس الصف الثاني (التاريخ والجغرافيا، العلوم، وقواعد اللغة العربية... الخ...) لأطالعها في العطلة الصيفية، استعدادا للسنة القادمة، (ولم اكن أعلم أنني سأنتقل الى مدرسة عكا الثانوية).

كان مدرس مادة الاجتماعيات في مدرسة عكا الثانوية الاستاذ حامد عطاري، وكنت أدرس المادة التي يعطينا إياها الاستاذ حامد، والى جانبها المادة التي كنت قد استعرتها من الصديق ابراهيم حمد.

وكنت عند تقديم الامتحانات في مادتي الاجتماعيات، أرد على الاسئلة بما اعطانا إياه الاستاذ حامد، واضيف اليها ما قرأته من الملخصات المستعارة، وقد أعجب الاستاذ حامد بالنتيجة، وسجل على ورقة الامتحان (98%) ممتاز)، ذهبت اليه في الاستراحة، وسألته: لماذا يا استاذ فقط 98% وأنا كتبت كل ما اعطيتنا اياه، وزدت عليه من معلومات خاصة، ابتسم الاستاذ حامد وقال: اسمع يا احمد: العلامة الكاملة 100% للمؤرخ (كاتب المادة)، والعلامة 99% للاستاذ، والعلامة 98% للتلميذ الشاطر وقد نلتها انت يا شاطر.

استمرت علاماتي في مادة الاجتماعيات هكذا خلال العام الدراسي، وهذه النتيجة زادت من اهتمام الاستاذ حامد بي، ويبدو انه اطّلع من مدير المدرسة الاستاذ سامي العيد على اوضاعي وأوضاع أهلي، وفقر والدي واهتمامه بتعليمي رغم فقره.

الأستاذ حامد يزورنا في سحماتا
فوجئت احد أيام الخميس بالاستاذ حامد يقول لي: غدا، (يوم الجمعة) سأزوركم في قريتكم، فرحت كثيرا بما سمعت، ولكنني صرت افكر بكيفية استقباله، سيما وأن بيتنا لا يوجد فيه كرسي واحد يجلس عليه، وعندما وصلت القرية وأخبرت والدي، ذهب الى بيت خالي ابو سعيد (جميل الحاج عبد الرحيم قدورة) وأخبره بزيارة الاستاذ، فرحب خالي باستقباله في دارته وأنه سيدعو استاذ القرية وبعض الوجهاء لتناول طعام الغداء مع الاستاذ حامد.

درس في التواضع
عندما وصل الاستاذ صباح اليوم التالي، استقبلناه في ساحة القرية، وانتقلنا الى بيت خالي، ولكنه لاحظ ان البيت ليس بيتنا، فسألني اين والدتك واخوتك أحب ان اراهم وأسلم عليهم، فأخبرته أننا في ضيافة خالي، فطلب من والدي ان يرافقه الى بيتنا، وفعلا انتقلنا الى هناك، وأصر الاستاذ حامد ان يجلس معنا متربعا على فرشة وضعتها والدتي على الحصير، وعاد الاستاذ الى عكا واصطحبني معه، (وفر علي قرشين اجرة الباص).

تعلمت درسا في التواضع من تصرفات استاذي العزيز حامد عطاري. زادت هذه الزيارة من اهتمام الاستاذ حامد بي، والوقوف على احوالنا بنفسه، وكان بين الحين والآخر يمدني بما تيسر.

نتائجي في الامتحان النهائي
كانت نتيجتي المدرسية في نهاية العام الدراسي، ممتازة في مختلف الدروس باستثناء اللغة الانجليزية، وجاء ترتيبي الثاني في الصف، والفرق بين مجموع علاماتي ومجموع علامات الاول علامة واحدة من مجموع الف ومئتي علامة، فقلت في نفسي، لو كان الاستاذ حامد يعطيني العلامة 99%في مادة الاجتماعيات لأصبح ترتيبي الاول.

صغر سني كان لصالحي
كان الاول في الصف الزميل "رجا مخول" من قرية الجديدة قضاء عكا، وكان عمري أصغر منه ببضعة شهور، وهذا الفرق جاء لصالحي، وأهلني لمتابعة دراستي في الكلية العربية في القدس، بينما قبل زميلي رجا في الكلية الرشيدية، في القدس.

زلة لسان ألهمتني الكلام الموزون لأول مرة
أثناء العام الدراسي كان الزميل حسين البكري من قرية البعنة قضاء عكا، بدينا بشكل بارز، وأنا ضعيف بشكل واضح، وكنا اصدقاء.

ذات يوم كان يركض في الملعب، ملاحقا احد الزملاء، فأخذني بطريقه، وطرحني ارضا، فزل لساني وقلت له: "هل انت أعمى، ماشي مثل الدب" اعتبر الزميل حسين سامحه الله، ذلك اهانة، وخاصمني، حاولت الاقتراب منه للاعتذار فابتعد عني.

عندما عدت الى غرفتي، كتبت الكلمات التالية لأعتذر بها عما بدر مني:

زلّ اللسان بزلة فأسأت أنت الصديق وإنني اخطأت
إني امرؤ، ما كنت يوما مازحا لكنني لا ادري كيف مزحت؟
وفي صباح اليوم التالي، قدمت الورقة للزميل، ولكنه بقي غاضبا، ولم يرد علي.
وفي اليوم التالي عدت وكتبت له ثانية:

أبا البكري أيا عز الصفاة أبيت اللعن يا ابن المكرمات
فأنت إن تكن حقا صديقا فغض الطرف صاحي عما فات
ويبدو انه قرأ ما كتبت، تطلعّ نحوي، وابتسم، وعادت الصداقة الى مجاريها.

ج. الكلية العربية في القدس
تلقيت قبل اسبوعين من انتهاء العطلة الصيفية رسالة من مدير المدرسة الثانوية في عكا، تدعوني لمراجعة ادارة المدرسة، فتوجهت في اليوم الثاني الى عكا، واستلمت من ادارة المدرسة كتاب الموافقة على قبولي في الكلية العربية في القدس، مرفقا بكشف طويل بما يجب عليّ ان أقوم بتأمينه من اللوازم المدرسية لطالب داخلي في الصف الثانوي الثالث: (كتب محددة، قرطاسية، ألبسة خارجية، غيارات داخلية، احذية، جوارب، شراشف للسرير، مناشف، صابون، معجون اسنان.. الخ.

السعادة، الهمّ، والمنقذ
بقدر ما انتابني من السعادة، وأنا استلم كتاب الموافقة على قبولي في الكلية العربية لمتابعة دراستي الثانوية، رحت اشعر بالهمّ الذي لا حدود له، عندما سأطلع والدي على كشف اللوازم التي ينبغي علي تأمينها، وعادت بي الذاكرة الى قصة الثلاثين قرش!!.

رحت أذرع ساحة ملعب المدرسة، ذهابا وإيابا، وكتاب القبول بيدي، وتضاربت الأفكار برأسي، اخماسا وأسداسا كما يقال.

وبينما انا على هذه الحالة، مر الاستاذ حامد عطاري، وبادرني (حتى قبل ان اطرح السلام عليه) قائلا: "مبروك يا احمد، ها قد تحققت امنيتك، وستتابع دراستك في الكلية العربية، فقد تلقت ادارة المدرسة قبل ايام كتابا من عميد الكلية الاستاذ احمد سامح الخالدي يتضمن قبولك، اما زميلك رجا فقد قبل في الكلية الرشيدية، فهل راجعت الادارة واستلمت الكتاب؟.

لاحظ، الاستاذ حامد من اجابتي وشكري له، وللإدارة وكأن الخبر السار الذي يتمناه كل طالب لم يؤثر بي، ولم يسعدني، فسألني: "ما بالك يا أحمد، هذه فرصة العمر"، تطلعت اليه وقدمت له الكشف المرفق بالرسالة، وقلت: تعرف يا استاذ حامد والدي، فمن أين له القدرة على تأمين كلفة هذه المطلوبات؟

رافقت الاستاذ حامد الى غرفة الادارة، وأخذ الكشف مني، وبعد ان اطلع على محتوياته، قال: سنتدبر الامر، وسأطلب من الاستاذ سامي "مدير المدرسة" الموافقة على إعارتك بعض الكتب (بشكل مؤقت) من مكتبة المدرسة، ولديّ بعض الكتب سأقدمها لك، وغدا تمر على البيت لاستلام الكتب، وبقي الكشف معه.

بت تلك الليلة عند دار العم ابو فايز حميد، وفي الصباح ذهبت الى منزل الاستاذ حامد، فوجدته وشقيقته التي كانت تقيم معه بانتظاري.

قدم لي الاستاذ حامد حقيبة ملأى بالكتب المطلوبة، وحقيبة ثانية ملأى بالملابس، والمناشف، والشراشف، والمناديل والجوارب، ومعجون وفرشاة الاسنان... الخ.

شكرت الاستاذ حامد وشقيقته، وقبل ان انصرف قدم لي الاستاذ الفاضل خمس جنيهات، ورسالة شخصية منه لعميد الكلية العربية، الاستاذ احمد سامح الخالدي.

حملت الحقيبتين، وأسرعت الى الكراج، وعدت الى القرية، وقرأت لوالديّ كتاب القبول، وحدثتهما عن ما تم مع الاستاذ حامد، فانهمرت الدموع من اعيننا نحن الثلاثة، وألسنتنا تلهج بالدعاء للاستاذ الفاضل.

بعد ايام، ودعت الأهل، وتوجهت الى عكا في طريقي الى القدس، وعند وصولي الى عكا، عرجت على منزل الاستاذ حامد، مودعا، وشاكرا فأوصاني بالجد والاجتهاد، وتمنى لي التوفيق، وأن اكتب له بين الحين والآخر، حول سير الدراسة.... وأن أطلب منه ما أحتاجه... صدق من قال:

قم للمعلم وفّه التبجيلا كاد المعلم ان يكون رسولا

الوصول الى القدس
عدت من بيت الاستاذ حامد الى كراج سيارات الباص التي تتجه من مدينة عكا الى مدينة حيفا، وركبت في اول سيارة، وانتقلت في حيفا الى الكراج الذي تتجه منه سيارات الباص الى مدينة يافا، ومن يافا انتقلت الى مدينة القدس، وأخيرًا وصلت الى الكلية العربية، وقدمت نفسي للإدارة التي كانت تعمل ليل نهار لاستقبال الطلبة، القدامى منهم والجدد.

انتظام الدراسة
صباح اليوم الاول للعام الدراسي، وقبل الدخول الى الصفوف ألقى الاستاذ احمد سامح الخالدي كلمة توجيهية، وابتدأت الدروس، وخلال الأسبوع الاول تعرفنا على الاساتذة:
الأستاذ الياس جبرائيل الخوري مدرّس اللغة العربية
الأستاذ عبد الرحمن بشناق مدرّس اللغة الانجليزية
الأستاذ جميل الحاج علي مدرّس الرياضيات
الأستاذ سليم كاثول مدرّس العلوم الطبيعية
الأستاذ الحاج مير مدرّس الاجتماعيات.
كنت أقبل على الدرس بنهم، وكنت أستسهل الامتحانات الشهرية، باستثناء اللغة الانجليزية، فقد لازمتني حالة الضعف بهذه المادة، رغم أنني كنت لا أهمل الانتباه في الصف، ولا أتوانى عن المطالعة والاستعداد...!!!

اللباس الموحد والهموم المتلاحقة
كان نظام الكلية العربية يقتضي ان يقتني الطلاب لباسا موحدا، يمكن الحصول عليه من تعاونية الكلية، وكلفة البدلة ثلاثة جنيهات.

ومن جديد بدأت أشعر بالهموم تلاحقني، حيثما كنت، وأينما اتجهت، فمن أين لي ثمن بدلة الزي الموحد، وتأمين المصروفات الأخرى.

مرّ الأسبوع الاول، وتلاه الثاني، وكاد الشهر الاول ان ينتهي، ولم أشتر الزي الموحد، والذي يزين شعار الكلية صدر الجاكيت، وكنت في ساعات الفراغ، أفضل الإنزواء في مكتبة الكلية، او في أي ركن من أركان الساحة.

كان الطلاب ايام العطلة الاسبوعية، يغادرون الكلية الى مدينة القدس، بعضهم لمعرفة معالم المدينة المقدسة، والبعض الآخر يذهب لشراء بعض ما يلزمه، اما انا فقد كنت التزم منطقة الكلية في أغلب الاحيان "قاتل الله الطفر".

الجاكيت من الزميل حامد ابو ستة
أحس بعض الزملاء بما أعاني، وبمبادرة مشكورة من الزميل حامد ابو ستة، انتحى بي جانبا ذات يوم، وصارحني بشعوره الأخوي نحوي، وطلب مني ان اقبل منه دون مناقشة الجاكيت التي تحمل شعار الكلية، قبلت هدية الزميل، وشكرته، وما زلت اشعر بامتناني نحوه.

ربطة العنق من الزميل محمد نجم
كانت المبادرة المشكورة الثانية من الزميل محمد نجم، المشهور بدماثة خلقه، وطلاوة حديثه، كنت جالسا في المكتبة، فتقدم مني وقال: سأقدم لك هدية أطول منك فهل تقبلها من زميلك، او أنك سترفض هديتي؟ وفرد أمامي ربطة عنق، ربما كانت حقا كما قال: أطول مني، قلت له: شكرًا، ولكنني لم اعقد ربطة عنق بحياتي، فتبرع بعقدها، وتركها لي.

قبلت الهدية الثانية شاكرًا، وما زلت أذكر ذلك الحديث مع الزميل محمد نجم، وأكن له كل تقدير واحترام.

وتمضي السنوات مسرعة، وبعد عدة عقود من السنوات، التقي بالزميلين العزيزين، اللذين تابعا دراستهما الجامعية، بينما انا اكتفيت بالدراسة الثانوية.

التقيت بالزميل الصديق الاخ حامد ابو ستة (الذي اصبح من كبار الموسرين) في المجلس الوطني الفلسطيني لمنظمة التحرير الفلسطينية، وفي اللجنة التنفيذية للمنظمة حيث اصبح كلانا عضوا في المؤسستين لعدة سنوات.

والتقيت بالزميل الصديق الاخ الدكتور محمد نجم في ميدان العمل القومي والتربية والتعليم في لبنان، الدكتور محمد نجم استاذ جامعي مرموق، وأثناء دراسته الجامعية في الجامعة الامريكية في لبنان كان من طلائع القوميين العرب (قبل تشكيل حركة القوميين العرب، كما انه اصبح رئيسا لمجلس ادارة صندوق الطالب الفلسطيني، وأنا مدير مدرسة ابتدائية، تابعة لوكالة الغوث الدولية (الاونروا) ثم ناظرًا للمدرسة، قبل ان أتفرغ كلية للنضال السياسي القومي والوطني (حركة القوميين العرب، منظمة التحرير الفلسطينية والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين).


من الطرائف المدرسية المحببة
بطلها الزميل الصديق محمد نجم


الطرفة الأولى:
كان مدرس مادة الاجتماعيات في الكلية العربية الاستاذ الحاج مير، قد أعطانا فرضا مدرسيا لإتمامه في عطلة رأس السنة الميلادية، وهو عبارة عن تلخيص حوالي مئة صفحة من كتاب تاريخ العالم (برستد) وأن علامة شهر كانون الأول من مادة التاريخ ستعتمد على دقة التلخيص.

عدت الى القرية، بعد ان مررت على منزل استاذي الفاضل حامد عطاري في عكا، ورحت في اليومين الاول والثاني احدث الاهل والجيران عن القدس، المسجد الاقصى، والصخرة الشريفة، وكنيسة القيامة، باب العامود، باب الخليل... الخ (بعضها كنت قد شاهدته، وبعضها كنت قد سمعته من الزملاء الذين كانوا يحدثوننا عما شاهدوه.

وبعد ذلك انصرفت الى تأدية الواجب والوظائف المدرسية، ومن بينها تلخيص مادة التاريخ، وبلغ عدد الصفحات التي قمت بكتابتها، خمسا وأربعين صفحة من الحجم الكبير (دفتر "c" المستعمل في ذلك الوقت).

بعد انتهاء العطلة الصيفية، وعودتنا الى الكلية، طلبت من الزميل الصديق محمد نجم ان يعيرني دفتر تلخيصه، لأقارن بين ما قام به كل منا، فوجدت للوهلة الاولى انه كتب ما يزيد عن سبعين صفحة من نفس حجم الصفحات التي استعملتها.

رحت اقرأ ما لخصه لأقارن بين دقة التلخيصين، فوجدت بعد الصفحات الثلاث الاولى، حديثا مطولا، لا علاقة له بدرس التاريخ القديم، او الجديد، وما زلت اذكر بعض ما قرأت:
"عدت الى قريتنا المجدل، وكانت جدتي تحبني كثيرًا، وتقص عليّ القصص المسلية...الخ، وكان جارنا يقوم مساء كل يوم بدعوة الجيران، للاستماع الى قراءة قصة عنترة بن شداد، او الزير ابو ليلى المهلهل، او حمزة البهلوان، او سيرة بني هلال، الى ما هنالك من احاديث عادية".

ويعود في الصفحات الثلاث الاخيرة، ليلخص بعض الصفحات من الكتاب، والكتابة كلها بخط جميل ومرتب!!!

سألت صديقي محمد مندهشًا: ما هذا الذي قرأت يا صديقي؟ وهل ستقدم فعلا هذا التلخيص للأستاذ؟ فرد علي ساخرا وبلهجته المحببة التي عودنا عليها، قال: "كم صفحة كتبت يا عبقري؟ قلت: خمسًا وأربعين صفحة، فقال مسكين، غدًا ترى من سيأخذ العلامة الاعلى".

جمع عريف الصف دفاتر التلخيص، وقدمها لأستاذنا الجليل الدكتور حاج مير، للإطلاع عليها، ووضع العلامات التي يستحقها كل منا، وعندما أعيدت لنا الدفاتر في نهاية الاسبوع، وإذا بعلامة الزميل محمد نجم 75 بالمائة "جيد"، وعلامتي 55% مع ملاحظة: "كان يجب أن تبذل مجهودًا اكثر"!! تأكدت عندئذٍ من صحة ما قاله الزميل العزيز محمد نجم بأن استاذنا يضع العلامات، وفق عدد الصفحات، وليس على صحة أو دقة مادة التلخيص، سامحه الله.

الطرفة الثانية:
حدثت هذه الطرفة أيضًا مع استاذنا الجليل "حاج مير" وبطلها كذلك زميلنا العزيز محمد نجم.

في بداية إحدى حصص التاريخ... قال لنا الأستاذ، اسمعوا يا ابنائي: "لقد أنشأ أخي مزرعة لتربية المواشي والدواجن، فيها أبقار، وأغنام للحليب... ودجاج وحمام، وأرانب... الخ وبإمكانكم نقل هذه المعلومات لأهلكم المقيمين في ضواحي مدينة القدس ومعارفهم، وتشجيعهم على شراء منتوجات المزرعة، وجميعها من الأصناف الجيدة والمفيدة"... الخ.

أثناء استراحة الغداء، أو ربما اثناء حصة التاريخ، كتب الزميل الصديق محمد نجم إعلانًا بخط جميل، وقدمه للأستاذ حاج مير، طالبا رأيه بنشر هذا الإعلان، بين طلبة الكلية، لإرساله لأولياء امورهم. قرأ الأستاذ ما كتب، وربت على كتفي الطالب الزميل محمد نجم، مشجعًا إياه لتعميمه بين الطلاب.

أما مضمون الإعلان فكان كما يلي:
"نداء، نداء.. من الأبناء الى الآباء
الى كل الأولياء
الى الجيران والأصدقاء
أيها الأهل الكرام، أيها السادة العظام، حافظوا على صحتكم، وعلى صحة عيالكم، وخاصة صحة أبنائكم، واشربوا حليب الحاج مير، وكلوا بيضات الحاج مير!! وشوفو بعد ذلك صحتكم كيف بدها تصير".
لم أتابع دراستي الجامعية، بينما اغلبية زملائي تابعوا دراستهم العليا في الجامعة وفقهم الله.


الوعي الوطني
بداية الحِس الوطني


عشت في السنوات الاولى من طفولتي، حوادث أثرت في نفسي، وخلقت فيّ أحساسا قويا بالحقد على البريطانيين المستعمرين وعلى الغزاة الصهاينة المستوردين.

الحادث الاول: يوم اصطحبني والدي الى مدينة عكا، وكانت (كما اشرت سابقا) هي المرة الاولى التي اخرج فيها من القرية، وأذهب الى المدينة، وأرى البحر، ثم أرى اعواد المشانق، تنصب في ساحة سجن عكا المركزي، وإعدام الابطال الثلاثة: فؤاد حجازي، محمد جمجوم وعطا الزير، حيث حملني والدي على كتفيه لأشاهد الأبطال الثلاثة، وهم يصعدون الى الكرسي المعد لإعدامهم، ثم يتقدم الجلادون البريطانيون، المكلفون بوضع حبل المشنقة حول أعناق الابطال، وإزاحة الكرسي التي يقفون عليها، فتتدلى اجسامهم، وتتماوج حتى تفيض ارواحهم الطاهرة، سمعت صراخ النساء، وهتافات الجماهير.

ولما سألت والدي: "ليش عمل العسكر هيك" قال: لأن العسكر ضد الثوار الوطنيين.

الحادث الثاني: استعار والدي فدان بقر من دار خالي ليحرث قطعة ارض، (القواطيع ورثتها والدتي عن اهلها)، تقع قرب الجسر القائم على الوادي بين قريتنا سحماتا، وقرية ترشيحا (وكان الثوار عام 1936 قد حاولوا نسف ذلك الجسر)، وكنت يومها برفقة والدي.

مرت في ذلك اليوم دورية من رجال البوليس الانجليز في مصفحة، توقفت قرب قطعة الارض التي كان والدي يحرثها.

ترجل بعض رجال البوليس من المصفحة، وأشهروا سلاحهم، وتوجهوا نحو والدي، وهم يشتمون العرب، وما أن اقترب أحدهم حتى ضربه وألقاه ارضا، بينما اخذ الثاني "المنساس" الذي ينهر الفلاح فيه البقر اثناء الحراثة "وهو عبارة عن عصا طويلة برأسها مسمار"، وضرب والدي بالمنساس حتى أدماه، ثم اقتادوه معهم الى المصفحة، وبقيت وحدي مع البقرات، ظنا مني أنهم سيطلقون سراحه، وسيعود، ولما يئست من عودته، عدت مع البقرات الى دار خالي، وحدثتهم بما جرى معنا، ثم ذهبت الى البيت وأخبرت والدتي، لم يعد والدي مساءًا، وفي اليوم التالي عرفنا ان ما حدث لوالدي، حدث مع الكثيرين من ابناء القرية، ولم يعرف احد مصيرهم.

بعد بضعة ايام عاد الوالد والآخرون، وعرفنا انهم كانوا في "معتقل المالكية"، وأن التهمة التي وجهت اليهم، انهم يتعاونون مع الثوار، يقدمون لهم الطعام والمأوى، ولا يخبرون مركز البوليس عنهم!!

الحادث الثالث: أفاق اهل قريتنا ذات صباح من ايام الشتاء، ليجدوا الجيش البريطاني يحاصر القرية ويذيع بالمذياع النداء التالي:
"الجيش البريطاني يحاصر القرية، وكل من يحاول الخروج منها سنطلق عليه النار، على اهل القرية جميعا، الرجال والنساء، والاطفال ان يخرجوا من بيوتهم، ويتركوا ابوابهم مفتوحة، وأن يتوجهوا الى ساحة القرية قرب البركة، وكل بيت سيجد الجيش اثناء عملية التفتيش ابوابه مقفلة، سيتم نسفه".

توجه الاهالي الى ساحة القرية، وبدأ الجنود يختارون الشباب من الرجال، وبدون اي سؤال ينهالون عليهم بالضرب والشتائم، ويلقون بعضهم في البركة المحاذية للساحة.

أثرت العملية في النفس، وكان اكثر ما آلمني رؤية المواطن اللبناني "رشيد الزين" الذي كان يعمل في صناعة الأحذية (اسكافي من بنت جبيل)، وهم يقذفونه الى البركة، وكان لا يحسن السباحة، راح يصرخ، ويستغيث، وما زال صدى كلماته يرن في اذني، وهو يقول:
"بخاطركم يا وليداتي، بخاطرك يا مراتي، ديري بالك على الأولاد، بخاطركم يا وليداتي..!". ولولا ان قام احد ابناء القرية بشده من يده، وإيصاله الى حائط البركة، لمات غريقا من ظلم الانجليز، ووحشية اعمالهم.

هذه الاحداث الثلاثة، حفرت في الذهن، والعقل الباطني كما يقولون حسًا لازمني باتجاهين:
* الحقد على المستعمر.
* حب الأهل والوطن.

تبلور الوعي الوطني
كنا في المدارس الابتدائية، نشارك في الاضرابات، والمظاهرات التي تدعو لها الهيئات الوطنية في مناسبات متعددة، ولم نكن ندرك الابعاد الحقيقية لتلك المناسبات.

وبانتقالنا الى المدارس الثانوية، بتنا نعي مدلولات تلك المناسبات، خاصة، وأن بعض المدرسين، كانوا قبل وبعد الاضرابات، والتظاهرات يشرحون لنا الاسباب التي أضربنا او تظاهرنا من أجلها.

ذكرى وعد بلفور
كان في مقدمة تلك المناسبات، ذكرى وعد بلفور 2 تشرين الثاني 1917، وما زلت أذكر كيف ان الاستاذ "نيازي شديد" مدرس مادة الاجتماعيات في مدرسة صفد الثانوية، خصص حصصًا كاملة لإطلاعنا على نص وعد بلفور، وشرح أبعاده، واستهدافاته، وجعلنا نكتب نص الوعد المشؤوم، ونحفظه غيبًا، لنتذكر غدر حكومة الانتداب البريطاني من جهة، والاستعداد لمقاومة تنفيذ ذلك الوعد الذي سيقيم للغزاة الصهاينة وطنا وكيانا في بلدنا فلسطين.

نص وعد بلفور
(النص الحرفي لوعد بلفور كما وردت في مذكرات الكاتب الفلسطيني - اكرم الديري)

"إن حكومة جلالة الملك، تنظر بعين العطف، الى إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين... وسوف تبذل ما في وسعها لتيسير تحقيق هذا الهدف... وليكن مفهوما بجلاء، أنه لن يتم شيء من شأنه الإخلال بالحقوق المدنية للجماعات غير اليهودية، المقيمة في فلسطين!!! او بالحقوق والأوضاع القانونية التي يتمتع بها اليهود في اية دولة اخرى!!!".

الثورة الفلسطينية
الى جانب التعبئة الوطنية التي كان يبثها المعلمون في نفوس الطلاب كانت الثورة تتصاعد، ضد حكومة الانتداب البريطاني، وضد الغزاة اليهود، الذين تستوردهم حكومة الانتداب، وتمنحهم التسهيلات للإقامة، والعمل، والتملك (وعد بلفور) سواء بتقديم الارض الاميرية لهم، او مساعدتهم على شراء الاراضي من إقطاعيين عرب فلسطينيين وغير فلسطينيين، كانوا قد استملكوا تلك الاراضي في عهد السلطة العثمانية (مرج ابن عامر، سهل الحولة، وادي الحوارث، سهل عكا والمنشية... الخ).

كنا كطلاب نحس بأن الثورة تنمو، وتتصاعد، نحس بها في البيت، في الشارع في المدرسة.

في البيت، نرى سلاح الآباء يخبئونه لمقاومة الجيش البريطاني، ومهاجمة المستعمرات التي يقيمها الغزاة على الارض التي تمنحهم إياها حكومة الانتداب.

في الشارع، كانت المظاهرات الصاخبة تتوالى ضد الحكومة البريطانية، وضد الغزاة الصهاينة المستوردين، الذين يقيمون المستعمرات المسلحة بدعم من حكومة الانتداب.

في المدارس، تعبئة وطنية، دروسا، ومحاضرات، شعرا ثوريا، ونثرا وطنيا.

الوعي الوطني ينمو، ويزداد، مع نمو السن، ووفرة المعرفة مع الاستماع، ومع الاختلاط، وقد نمت لدي ملكة المطالعة. مطالعة الكتب التاريخية على اختلافها، الى جانب الكتب المدرسية، كنت (وبكل تواضع) استفسر، أناقش، وأبدي رأيًا.

أخرسني ولم يقنعني
ما زلت أذكر الحوار الذي دار بيني وبين الاستاذ عبد الرحمن بشناق، مدرس الأدب الانجليزي في الكلية العربية في القدس، عندما قرأنا قصة "تاجر البندقية" لشكسبير.

سألت الاستاذ عبد الرحمن: "طالما ان الانجليز يعرفون طباع اليهود، وأطماعهم، التي تعبر، وتنم، عن سوء أخلاق واستغلال، فلماذا يأخذون بيدهم، ويتآمرون علينا وعلى قضايانا لحساب اليهود، وينحازون للغزاة على حساب أهل البلد"؟.

أجابني الاستاذ عبد الرحمن: "نحن الآن ندرس الأدب الانجليزي، ولا ندرس السياسة الانجليزية"، وطلب إليّ الاهتمام بالدراسة، وهكذا فقد أخرسني ولم يقنعني، ورحت بيني وبين نفسي، أقارن بينه، وبين الاستاذ نيازي شديد، الذي كان يخصص لنا حصصا مدرسية لإطلاعنا وتوجيهنا!!.

لم أكن، حتى انتهاء دراستي الثانوية، قد اختلطت بأي يهودي، فلليهود مدارسهم الخاصة بهم، لكنني من خلال ما سمعت، وما قرأت، اصبحت لدي فكرة عنهم، وكيف ينظرون الى غيرهم!!.. وكيف يتعاطون مع سواهم، وكيف يتآمرون عليهم، فالغاية عندهم تبرر الواسطة، مهما كانت تلك الواسطة مخطئة ومهينة ودنيئة.

وعندما عملت لاحقا في دائرة الزراعة في عكا (مزرعة الحكومة) وبعدها في دائرة الاشغال العامة في حيفا، واختلطت بالموظفين اليهود في الدائرتين، واطلعت على اساليب عملهم القذرة، تأكد لي صحة كل ما قرأت، وما سمعت عن اليهود، طمعا، وطباعا، وسوء اخلاق واستعلاء، وفضاضة اساليب التعامل مع غير اليهود.

العدوّان المتلازمان
مع تنامي الوعي الوطني، وتبلوره، بت مؤمنا بأن لنا عدوّان متلازمان:
العدو الاول: الاستعمار البريطاني، نحاربه لإنهاء انتدابه، ونيل الاستقلال الوطني.
العدو الثاني: الغزاة اليهود الصهاينة، الذين سهل الاستعمار البريطاني استيرادهم، التزاما منه بتنفيذ وعد بلفور الذي قدمه لهم منذ عام 1917... كما بتُ مؤمنا، بأنه يجب علينا ان لا نهادن، أيا من العدوين اللدودين.. حتى نتخلص من الاستعمار الذي يحتل الوطن، وينهب خيراته، ويستغل جهد ابنائه... ومن الغزاة اليهود الصهاينة الذين سهل لهم الاستعمار البريطاني اغتصاب ارض الوطن، وطرد الاهل، كما حصل مع اهالي قرى منطقة وادي الحوارث، حيث قامت حكومة الانتداب البريطاني بطرد سكان 27 قرية، بعد ان اشترت الوكالة اليهودية ارض تلك القرى من عائلة "تيان" الاقطاعية. المقيمة في لبنان.

أبرز عناوين بناء التراث الكفاحية لديّ: وطنيا وقوميا

أولا: حب الأهل والوطن
أ. سحماتا، القرية التي ولدت فيها في 24/9/1924 حتى طردت منها بداية عام 1949.
ب. فلسطين، الوطن الذي أعتز بالإنتماء اليه.

ثانيا: رفض الظلم، ومقاومة العدوان من نوع:

أ. وعد بلفور 2/11/1917
ب. قرار الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين (26/11/1947)، وقيام الكيان الصهيوني - العنصري في 15/5/1948 والذي أقدم على تشريد الأهل، واغتصاب الأرض...

الأعمار بيد الله
حوادث كادت تودي بحياتي

بالإضافة الى ما تعرضت له، اثناء احتلال العدو الصهيوني لمنطقة الجليل الاعلى، من تهديد بالقتل، واعتقال، وتعذيب، وإبعاد، فقد سبق ان تعرضت لحوادث كادت تودي بحياتي..

الحادثة الأولى
كنت في الثانية عشرة من عمري، وأواصل دراستي الابتدائية في مدرسة ترشيحا الأميرية، وكان علي ان اذهب صباح يوم السبت الى ترشيحا، وأعود مساء يوم الخميس الى القرية مشيا على الاقدام.

غادرت القرية كعادتي في احد ايام الشتاء، وكان الجو غائما، وينذر بهطول المطر، وما ان وصلت الجسر القائم على واد في منتصف الطريق، حتى بدأت الامطار تهطل بغزارة، فارتأيت ان اختبأ تحت الجسر ريثما يتوقف هطول المطر، سيما وأنا لا احمل شمسية، ولا ألبس معطفا... جادت السماء بخيراتها، وزاد هطول المطر، وراحت مياه الوادي ترتفع تحت الجسر، وأنا انتقل من حجر الى حجر، ولم أعد قادرا على الخروج من تحت الجسر، ورحت اتصور أنني هالك لا محالة، وأن المياه ستجرفني معها..

وبينما أنا تائه في لجة الأفكار، والمياه تقترب مني لابتلاعي... وإذا بوالدي يندفع الى داخل الجسر، ويسابق المياه بجريانها، ويهجم عليّ كما يهجم الأسد على الفريسة، وينتشلني من المكان الذي كنت فيه، ويخرج بي من الوادي، وسار بي مسافة حتى توقف هطول المطر.. وكنا قد اقتربنا من قرية ترشيحا، فأنزلني عن كتفه، وودعني، ولسانه يردد الدعوات بأن أصل الى ترشيحا سالمًا.. لم يعد الى القرية بل صعد الى ربوة مرتفعة، مشرفة على الطريق التي سأسلكها، وحمدنا الله بأن وصلت الى ترشيحا سالما.

وصلت البيت الذي كنت اقيم فيه (منزل السيد محمد صالح الدباجة) ولم يكن لدي من الثياب بديلا لأغير ملابسي المبتلة، فأشفقت علي السيدة ام محمد وأوقدت النار لكي أنشف ملابسي المبتلة، وأذهب الى المدرسة.. وما زلت أذكر الجملة التي قالتها السيدة ام محمد: "ليش يبعثك أبوك اليوم؟ وهل تريد ان تحضر له العلم بالجرة"... "في المرة الجاي، هات غيار لملابسك".

ذهبت الى المدرسة، وتابعت الدراسة، وفي المساء عدت الى القرية لأغير ملابسي، ونقلت لوالدي ما سمعته من السيدة ام محمد، وسألت والدي كيف عرف انني تحت الجسر، قال: كنت أتابعك من المكان المرتفع "الرحراح" الذي يطل على الطريق بين قريتنا وموقع العقبة، ورأيتك عندما دخلت تحت الجسر، ولم أرك تخرج منه، وخشيت ان تجرفك المياه..

وفي صبيحة اليوم التالي عدت مع والدي الى ترشيحا، وحملنا معنا غيار الملابس وفق طلب السيدة ام محمد...

في سبيل العلم، واجهت الصعاب، صبرت فنلت ونجحت، والحمد لله.

الحادثة الثانية
كنت أعمل في جمعية العمال العربية الفلسطينية، وكانت الجمعية قد أعدت العدة لعقد المؤتمر العام... كلفني السيد سامي طه الأمين العام للجمعية، ان أوزع الدعوات على عدد من الشخصيات، ومديري المؤسسات.

قمت والزميل برهان شريح، بالتوجه الى شركة تكرير البترول بحيفا "الرفاينري" وسلمنا رسائل الدعوة لمدير الشركة، ورؤساء الأقسام، وفي طريق عودتنا، وكان السائق الأرمني يقود السيارة مسرعا، وكنا نقرأ بعض ما جاء في صحيفة "نداء الوطن".. وفجأة انحرفت السيارة عن اتجاهها، ومالت الى الجانب الآخر من الشارع العام، وقلبت، ووقعت في منخفض، واصطدمت بعامود كهرباء.. ويبدو ان الأسلاك الكهربائية قد قطعت من الصدمة، وأصبحت عجلات السيارة الى اعلى؟ وبصعوبة خرجنا من السيارة، ونحمد الله أننا لم نصب الا بجروح بسيطة باستثناء السائق الذي كسرت يده وأسنانه.

وبينما نحن في هذه الحالة امام السيارة، حضرت قوة من مخفر بوليس الشركة، ومعهم طبيب الشركة وممرضتين، ويبدو ان المخفر كان قد شاهد شرارة الكهرباء التي حدثت عن انقطاع الاسلاك الكهربائية، وقد ازدادت دهشتهم جميعا عندما علموا أننا نحن الذين كنا في السيارة، وقال احد رجال البوليس، وهو يشير الى احد الاسلاك.. "تصوروا لو وصل هذا السلك الى حديد السيارة لكنتم الآن في عداد الأموات احتراقا"؟.

وعندما أخذ البوليس اقوالنا، أكدنا ان السائق لم يكن مسرعا وكان على طريق "كلبا" يركض ذهابا وإيابا فخشى السائق ان يدهسه فمال عن الطريق.. وحدث ما حدث (شهادتنا كانت عبارة عن كذبة بيضاء نسأل الله ان يسامحنا لارتكابها).

وتركنا السائق امام السيارة، وانتقلنا بسيارة اجرة عائدين الى مقر الجمعية، وكلفنا احد الاخوة، من عمال كراج بلدية حيفا، ليأخذ سيارة رافعة لنقل السيارة من المكان الذي وقعت فيه...

الحادثة الثالثة
كانت وقائعها في مدينة يافا، وكنت يومها أمين سر فرع جمعية العمال العربية الفلسطينية.. ومع بداية عام 1948، كانت المقاومة المسلحة قد بدأت ضد الصهاينة بعد صدور قرار تقسيم فلسطين.

كان مكتب الجمعية في منطقة حي المنشية المقابل لتل ابيب، وكانت النيران متبادلة بين المقاتلين العرب والغزاة الصهاينة..

كنت في غرفتي أتابع بعض المهمات.. وفجأة اشتعلت المنطقة بنيران الرصاص، وأصابت بعض الرصاصات جدار الغرفة التي كنت فيها فأدخلت نفسي تحت الطاولة.. واستمر أزيز الرصاص، وعندما هدأت الحالة وجدت خلف المكان الذي كنت أقف فيه أثرا لرصاصات في الحائط..

لطف الله، وعنايته خلصتني من رصاصات الغزاة القاتلة، وقد صدق من قال: "من له من العمر مدة... لا تقتله خلالها شدة".

الحادثة الرابعة
تعود مدينة حيفا مرة ثانية لتكون ميدانا لتعرضي للموت، فبالرغم من وجود الجيش البريطاني في حيفا.. كان الغزاة اليهود قد سيطروا منذ شهر نيسان عام 1948 على المدينة.

كنت في مكتب الجمعية بعد عودتي من يافا، وفجأة بدأت القنابل والعيارات النارية تسقط في المنطقة، (تهشم) زجاج مكتب الجمعية، ومكتب الجمعية الاسلامية في الطابق الثالث من نفس العمارة، وكنت اختبأ في الاماكن التي لا يصلها الرصاص.. بقيت ثلاثة ايام في مكتب الجمعية.. واتصلت هاتفيا بالاستاذ الزميل فخري حجازي، فطلب مني ان اغادر مكتب الجمعية وأنتقل الى منزله في منطقة "عباس أفندي".. وأنا في طريقي اليه، سمعت اصوات القنابل تنفجر قريبة مني، والناس يهرولون، ويبتعدون، ومن خلال الاستفسار من أحدهم قال: انفجر لغم في تلك الزاوية، ووقعت اصابات عديدة بين الاشخاص الذين كانوا هناك، ولو أنني سبقت قليلا لأصابني ما اصاب من تعرضوا لغدر الصهاينة المعتدين.

"عبرة وعظة"
يزداد إيمان الانسان من مثل هذه الأحداث بأن الأعمار بيد الله، وأن الدهر يومان يوم لك، ويوم عليك.

"فإن كان اليوم لك، فأقضه بما يرضى عنه ضميرك، وما يستريح إليه قلبك، وعامل الناس كما تحبهم ان يعاملوك، وراعي المبادئ الإنسانية، واحترم القوانين الربانية".

"وإن كان اليوم عليك، فكن صابرًا، وجلودا، تحمل الآلام، ولا تنحني امام المصائب، فالدهر قاس، إن حكم ظلم، وإن وليّ جار، فحاول ان تخرج من امتحان الدهر بنجاح".



المصدر : من كتابه تجربتي مع الأيام - الجزء الأول
صدر عن دار كنعان للدراسات والنشر، دمشق 2004






® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600