صفحة البداية
عن الجمعية
حق العودة
عن سحماتا
أخبار سحماتا
مواقف ونشاطات
شهادات وذكريات
مقالات و دراسات
أخبار منوعة
فن, تراث وحكايات
قوس قزح
من رياض الثقافة
والأدب
أفلام وأغاني
صور سحماتا
دنيا الأطفال
تعزيات
روابط مميزة
دفتر الزوار
اتصل بنا
English

شهادات وذكريات


من مذكرات إبن سحماتا الكاتب محمد خشان (*) - 1

الفلسطينيون وروح التسامح

عدة أحداث تتزاحم في ذاكرتي. لا أدري على وجه التحقيق الترتيب الزمني الدقيق لها. فقد حدثت في أوقات متقاربة في مدة قد لا تتجاوز السنة. أذكر انني كنت متقربط (ممسك) بفستان والدتي وهي تجلس مع نساء القرية في حاكورة تعلو الشارع قليلا. لا اذكر كلاما أو همسا وقد كنت في ما يقرب الثالثة او الرابعة على أبعد تقدير. مقابل النسوة سنسلة (جدار بدائي من حجر) وقد أوقف عدد غير قليل من رجال القرية وظهورهم الى ذلك الجدار. والبوليس الانكليزي يحقق معهم يخيل الي أنني سمعت امرأة تقطع هذا السكون وتقول هرب علي عزام فقد استطاع ان يخادع البوليس الانكليزي ولكنه لم ينج بفعلته لأن القفز من الاماكن المرتفعة خوفا من مطاردة البوليس اصابه بتمزق في خاصرته. والحادثة الثانيه هي تركنا القرية بعد مغيب الشمس قاصدين قرية حرفيش (وهي قرية من اخواننا الموحدين الدروز) حيث لنا فيها اصدقاء لان الانكليز سيحاصرون القرية في اليوم التالي كما جرت العادة اثر كل حادثة. حملني والدي على ظهره داخل معطفه كما تفعل البدويات. سمعت ان امرأة على وشك الولادة عادت الى القرية وكنا لا نزال على مشارفها. قطعنا واديا يجري فيه الماء وسمعت احدهم يقول انتبهوا الوادي حامل، اي مرتفع المياه وهذا يعني ان هذه الحادثة حدثت في الشتاء نمنا في بيت سلمان الفارس نحن وبيت خالي. أتذكر السهرة ولكني لا اذكر ماذا دار من حديث.

في اليوم التالي لعبت مع ابن خالي في غرفة ارتفعت جدرانها وفي وسطها كومة من الرمل. وأذكر اننا عدنا بعد يومين وكان والدي واقف عند باب البيت المفتوح وهو يتفوه بألفاظ الندم والحسرة و يقول لا حول ولا قوة الا بالله ويتجهم وجهه، لأن الانكليز قد خربوا البيت وضعوا الفراش على الارض وخلطوا القمح مع العدس مع البرغل مع الزيت. حادثة أخرى أتذكرها الآن، كنا في نفس البيت والوقت بعد العشاء، كانوا نائمين، ولكني كنت ما زلت مستيقظا، سمعت صوت رصاص فاسرع والدي وحاول فتح شباك صغير مغلق قلّ ان نفتحه وهو باتجاه الجنوب وهي الجهه التي سمعنا منها صوت الرصاص. سمعت والدتي تقول لا تفتح الباب يا كامل لا تفتح الباب يا كامل. علمت بعدها ان مختار القرية قد قتل. ناداه جماعة فخرج من الديوان فاطلقوا عليه النار. حادثه اخرى غير مؤلمة اتذكر خالتي عائشه وهي و أمي وزوجة خالي وهي تلبسني صدرية وكان النسوة يتحدثن ولا اذكر اي كلام اظنني كنت في الثالثة من العمر وبعد ان كبرت في الحادية عشرة من عمري تقريبا وجدت هذه الصدرية كانت امي تحتفظ بها وهي مصنوعة من اربعة الوان تمثل العلم العربي. وقد جعلت من هذه الصدرية غطاء لقبعة من القش فكانت على قياسها. في هذا البيت ولدت شقيقتي اذكرها وهي تلفها بهذه الرباطات القوية (الملفة) التي يلف بها الاطفال يظنون ان ذلك يساعد على جعل عظام الساقين مستقيمة. في هذا البيت تعلمت ايضا مبادىء القراءة وشيئا من القران الكريم حيث يجاورنا مباشرة الشيخ محمود الجشي وهو يعلم الاولاد الصغار مصطحبين كل يوم رغيفين ويوم الخميس خميسية (نصف قرش فلسطيني) وفي الشتاء حطبا للتدفئة. ختمت القران وكانت العادة ان يدور الذين في الكتاب مع زميلهم وقد اتخذ الزميل الذي ختم القران زينته ويحمل بين يديه النقشه وهي ورقة مزينة حواشيها بالالوان كتلك التي في اول القران الكريم وفيها الايات الاولى من سورة البقرة تمر على كل بيوت القرية وصاحب النقشة يفتحها امام كل بيت ويقرأها ويجود عليه اصحاب البيت ببعض النقود او البيض او غيره وهذه تعود الى الشيخ. دفع اهلي جنيه للشيخ حلوان ختم القرآن ورطل لبنة ظرف ليعفيني من العادة المتبعة ولا ازال احفظ لاهلي هذه المكرمة فقد خلصوني من واجب ثقيل. لوحة اخرى أذكرها في هذا البيت او قل عملية مخيفة لم استشعر قبلها خوفا هي عملية الختان فقد كان هناك رجل يمر على القرية من وقت لآخر ليجري عملية الختان للاولاد وسمعت بقدومه وفهمت ان دوري قد جاء. هربت ولعبت<بعيدا عن البيت ثم عدت معتقدا ان الرجل قد ذهب، وما ان دخلت الى البيت حتى مسكني رجل كالغول كان يختبىء وراء الباب. الرجل هو جارنا حسن عبدالله. مددت على الارض ورأيت الرجل يخرج مقصا وطلب مني ان انظر الى الحمامة التي في السقف، نظرت الى اعلى وبلمح البصر تمت عملية الختان، وفيها ألم نفسي وخوف أكثر مما فيها من ألم وقت العملية. اذكر ان والدي سجن مع مجموعة من رجال القرية في كمب قطمون وكانوا يطلقون عليهم الكلاب بعد تحقيق وضرب عنيف. قضى اسبوعين في هذا المعتقل ومن سوء حظه وحظ العديدين غيره من رجال القرية ان مختار قرية سعسع (قرية قريبة من قريتنا) قتل واتهم أهله أناسا من قريتنا بقتله وجاء الانكليز وجمعوا الناس واخلوا البيوت من السكان كعادتهم. كان هناك بعض الثوار في ثورة 1936 ولكنهم كانوا حذرين ويراقبون تحركات الجيش الانكليزي ويهربون الى الجبال الوعرة مختفين عن الانظار. جمع الانجليز الرجال الموجودين وطلبوا من اهل القتيل ان ينظروا اذا كان أحد من الموجودين ممن يشكون فيه واخذوا يتخيرون من الرجال الموجودين وهم يعرفون ان لا احد منهم له علاقة بالثورة. و جاء دور والدي وقف بعض أهالي القتيل أمامه وقالوا هذا، فقال والدي للرجل خاف الله يا رجل. فقال أنا رأيتك تدرب الثوار على البيادر وتحمل مسدسا وقنبلة - لا اذكر ان والدي حمل سلاحا في حياته - أنتخب أهل سعسع 14 رجلا من قريتنا اخذوا الى سجن عكا المشهور وهو جزء من التحصينات والسور الذي أقامه أحمد باشا الجزار بالاضافة الى جامع عكا الشهير والمعروف بجامع الجزار.

بقي والدي في السجن مع الاخرين ستة اشهر. أخذتني والدتي لزيارة ابي في احدى المرات واظن انه طلب منها ان تاخذني معها في الزيارة ليراني. دخلنا من بوابة عالية يمر من امامها الشارع. دخلنا ومررت بالقرب من باب كباب البئر نظرت الى اسفل اظنها اقبية تحت الارض والى يساري بناء من طابقين لونه أصفر باهت وفي وسط الساحة الواسعة وضعت طاولة عتيقة يجري عليها تفتيش الاكل للسجين ويؤخذ من اصحابه، ثم نمشي الى اخر الساحة وندخل في ممر مسقوف ضيق ينتهي الى شرفة ضيقة محاطة بالجدران من جهات ثلاث ومن الامام جدار ارتفاعه يقارب متر ونصف ويقف الزوار على دكة ملاصقة للجدار. رفعتني والدتي رأيت امامي ساحة واسعة ويفصل بين الجدار الذي نحن خلفه والساحة كرات من الشريط الشائك في عرض امتار عدة. الساحة خالية ثم سمعت صوتا الان سياتي المسجونون وبلمحة خرج العديد من الرجال وقفوا في الساحة وكل واحد يتفرس ليرى قريبه. الزوار خلف الجدار والمساجين في الساحة خلف كرات الشريط الشائك والزيارة نداء بالصوت العالي. بين هذه الاصوات والنداءات المتعددة لا اذكر اني شاهدت والدي ومن الاكيد انه شاهدني وأمي ترفعني.

***
اعود الى بيتنا الذي لم اكن اعرف اننا نستاجره من الشيخ شحاده وقد كان غائبا عن القرية لسنوات ربما بسبب الثورة فقد كان من رجالها علمت انه عاد من حوران وطلب بيته وامهلنا وقتا لندبر سكنا جديد وهو امر عسير في القرية فلا توجد بيوت للايجار الا نادرا وكان سكننا الجديد في دار الكنيسة وهي قريبة من بيت شحادة الى الغرب منه و دار الكنيسة هذه لها بوابه خارجية تدخل منها فتجد الى يسارك الكنيسة والى يمينك بيت قديم تهدم وامامك ساحة وحديقة رمان مسيجة بالشوك وبعد الكنيسة غرف مستطيلة الشكل وفيها باب ينفذ الى قاعة كبيرة وامام الغرفتين ايوان مسقوف يرتفع على اعمدة رشيقة. كان قد سكن هذه الدار مدير مدرسة القرية الابتدائية وسكنها بعدنا ايضا مدير المدرسة واستاذي في الابتدائي الاستاذ خليل الديماسي من عكا. اهم الاحداث ونحن نسكن في هذه الدار شق الطريق الذي يربط الساحل بلبنان وشمال قريتنا وبصفد الى الشرق كنا نراقب الطريق وهو يقترب من قريتنا و نذهب لنشاهد لاول مرة المحادل وبيوت السكن الخشبية التي ترافق طاقم العمل ونأخذ معنا اوعية صغيرة نجلب بها الزفت الذي يستعمل للطرقات وبعد ان يبرد نستعمله علكة. تقدمت الطريق الى قريتنا كنت اشاهد الالات تقتلع الاشجار وتحفر عميقا لتسوية الطريق. ولون التراب من باطن الارض يختلف عن اللون السطحي للارض لا ادري لم اثار ذلك الدهشة في نفسي وكانني اكتشف شيئا غير مالوف. رصت الارض بالحجارة –بلوكاج- ثم تقدمت الطريق شمالا حوالي ميل عن القرية والناس يتفرجونو كثير من رجال القرية يعملون في شق الطريق فالايجار جيد والعمل غير مرهق = شغل دول- ولكن كان هناك مهندسين ومراقبين للعمال ولا أنسى ان والدي كان ياخذ قرشا زيادة عن العمال لاخلاصه في عمله سواء حضر الرقيب او غاب
كنت مع مجموعة من الرجال لا اذكر ولدا في مثل سني خمس سنوات تقريبا غيري، وجاءت سيارة شحن افرغت بعض اللوازم على الطريق وعرض السائق عل الرجال ان يركبوا معه ليعيدهم الى القرية. صعد الرجال الشاحنة يساعد بعضهم بعضا. قلت الطريق غير مزفت وانما يهيء للتزفيت. وما ان تحركت السيارة حتى اخذ الرجال يتمايلون والذين في الوسط كادوا ان يسقطوا في الشاحنة وسمعت رجلا يقول اقعدوا اقعدوا فقعدنا وكاننا نجلس على بساط الريح وعجبت من حكمة هذا الرجل وظننته في نفسي اعظم الناس معرفة فقد عرف كيف ينقذنا من التمايل في الشاحنة. حلاوة هذه الركبة الاكتشاف لا يماثلها الا مغامرة اخرى بعد ايام قليلة مرت سيارة تاكسي سوداء قد تكون اوصلت شيئا للمسؤولين عن شق الطريق وعادت لتمر من امام القرية كنت واقفا على الكوربة وتعني منعطف امام القرية حيث تنعطف الطريق من الغرب الى الشمال. مرت السيارة السوداء على مهل في القسم من الطريق الذي لم يصله الزفت وان لم يكن بعيدا عنه وخلف السيارة مقعد توضع عليه الاغراض وليس عليه شيء فكانه اعد لي خصيصا لاجلس عليه في نشوة لا مثيل لها وظهري الى ظهر السائق لا ادري اذا كان راني وأنا اجلس على الكرسي لان الاغراض توضع في صندوق السيارة. سارت السيارة متانية وانا اشعر بسعادة وغبطة لا مثيل لها وفكرت وانا اركب انني سانزل عند مفرق ياخذني الى البيت، عند هذا المفرق كانت الطريق قد زفتت فما ان وصل السائق الى الطريق المزفتة حتى غيّر سرعته واذا بها تطير كالريح وخفت ونزلت عن الكرسي الخارجي الخلفي وكانني امشي واذ بي اسقط على الارض كان نزولي بالعكس فسال الدم من وجهي واسناني وكسرت لي سنان، ذهبت الى البيت والدم يسيل من فمي ووجهي وعلى ثيابي. اسعفتني والدتي فانقطع الدم ثم جاء والدي وهو رجل هادىء جدا قليل الكلام يجيد اشياء كثيرة منها تجبير العظام للانسان والحيوان، لا ادري ما الذي جعل والدي الهادىء العطوف يربطني بحبل الى أحد اعمدة الرواق، فشلت والدتي في منعه وهو على هدوئه وبساطته ينفذ ما يريد، لم يضربني او يوبخني وبقيت انتظر الفرج وهذا الفرج لا يكون الا اذا جاءنا احد وكنت اقول في نفسي اذا جاء احد سيشفع لي عند والدي وقد صدق ظني وجاءت امراة تريد ان تشتري زيتا ورأتني على هذه الحال ولكنها لم تسأل ولم تنطق بكلمة هذه المرأة الشريرة لا ازال اذكرها واحتقرها وان كنت لا اعرفها. حيث البيت والكنيسة في دار واحدة بل ان البيت أسمه دار الكنيسة. كنت اشاهد كل أحد القداس وكان
يبهرني منظر الكاهن وهو يقرأ القداس بلغة لا افهمها وان حفظت بعضها مثل كيس يالايسون كريست يالايسون ثم وهو يضع على كتفه قطعة قماش جميلة صفراء ثم يغيرها بقطعة اخرى حمراء مع الشموع والبخور وكل ذلك كان يضعني في جو روحي جميل والامر العظيم الذي اذكره لوالدي ووالدتي وهما اميّان ومسلمان حسنا الاسلام ويقومان بالفرائض الدينية انهما لم ينهياني مرة عن النظر الى القداس ولم يتكلما أي كلمة عن النصارى، أنني سأموت وأنا أحفظ لوالدي ووالدتي هذه الانسانية السامية وهذه الروح السمحة والتي كنت أراها تتمثل في علاقة النصارى بالمسلمين والمسلمين بالنصارى مشاركة بالافراح والاتراح.

من مذكرات إبن سحماتا الكاتب محمد خشان - 2

كنا نغني را رو ري. ري را رو. رو را ري
ذكريات الطفولة في فلسطين الاربعينات
الحلقة الثانية

في هذه الاثناء ذهبت مع والدتي الى عكا لزيارة الطبيب فقد اصيبت برشح استمر لمدة، اذكر اننا وصلنا عكا وصعدنا الى عيادة الدكتور اديب خازن صعدنا درجات قليلة لندخل الى قاعة الانتظار وهي قاعة فسيحة وجميلة وهي بشكل ايوان يطل على البحر حتى يكاد المرء يظن ان الموج سيصل اليه. سجلت الممرضة اسم والدتي وجلسنا ننتظر دورنا، بعد فترة ليست بالطويلة جاء دورنا ودخلت انا ووالدتي. كان الطبيب أصلع، باسم، أبيض الوجه ودود، والى يسار الداخل وضعت جمجمة بيضاء لم أدر الهدف منها، سأل الطبيب والدتي ما بها زهرة "اسم والدتي" قالت يا حكيم انت الذي يجب ان يعرف ما بي افحصني. قال لها ولكن يجب ان اعرف ما يؤلمك، رجلك، بطنك، رأسك. وبعد أخذ ورد أخبرته انها اصيبت بالرشح وقد يكون ذلك بسبب ضربة تلقتها على رأسها. كتب لها الوصفة ثم قالت: يا حكيم هذا ابني وانا أراه ضعيفا اذا امكن ان تعطيه ابرة لتتحسن صحته. خضعت للامر المفاجىء ثم اشترينا الدواء وعدنا للقرية. شفيت والدتي بعد ايام قليلة ولم يعاودها الرشح وبقيت بعد ذلك سنوات وهي تتأملني وتقول أرأيت كيف تحسنت على الابرة. الحقيقة انني لم اكن اشعر انني ضعيف بالعكس كنت في منتهى الحيوية والنشاط ولم اشعر انني تغيرت بعد هذه الابرة العجيبة بالعين التي تحبها.

في دار الكنيسة هذه ابتدأ الحجار الخواجة عيد بقطع الحجارة لبناء بيتنا الجديد بعد ان اشترينا قطعة ارض من حسن موسى في موقع جميل قريب جدا من وسط القرية ومجمع الدكاكين ومطل على الكوربة حيث ينعطف الشارع من الغرب الى الشمال. من هذا الموقع المشرف على مدخل القرية من الكوربة حتى وسط القرية وعلى الجهة الشمالية الشرقية شاهدت الكثير من الاحداث التي حدثت فيما بعد. كان والدي ينقل الحجارة من المقلع الى مكان البناء على حمارتين، وما ان انتهى من هذه العملية حتى نظرت الى الحمارتين واذا هما اشبه بالهيكل العظمي ورثيت في نفسي لحالهما. حفر والدي الاساس بعمق متر ونصف على وجه التقريب وبعرض ثلاثة ارباع المتر، والقاعدة ان يحفر الانسان حتى يصل الى الصخر ولا يقيم البناء الا على الصخر وفي الاساس توضع الاحجار ومعها مونة كلس وتراب. وعندما تقارب الأرض يبتدأ البناء الحقيقي. كان البناء رجل من صفد اسمه غنوم ومعه شاب يساعده في العمل ليتخرج بعدها بنّاء اسمه أمين والمساعد يسمى أراري، لا ادري اصل هذه الكلمة ولكن معناها الرجل الذي يساعد البناء فيحمل الحجر الى الجدار والمعلم يضع المونة ويسويه ويقيس صحة العمار بميزان الزئبق والشاقول. الزئبق للضبط الافقي والشاقول للضبط العامودي.

كانت الاتفاقية ان نضيف الى اجار البناء ثمن الطعام فقد كانت العادة ان يقدم الطعام مجانا للمعلم ومساعده ولكن غنوم طلب ان يعطى مالا بدل الطعام وهو يصنع طعامه. هكذا تم الاتفاق ثم كانت والدتي تحمل اليه الطعام كل يوم رغم ذلك. اثناء الاعداد للبناء ذهبت مع والدتي الى قرية البقيعة وهي الى الشرق الجنوبي لقريتنا وهي قرية فيها عدة ينابيع للماء وفيها بساتين واقنية الماء في القرية من الاسمنت والبيوت بين الاشجار. رايت شجرة ضخمة قلت لوالدتي ان هذه الشجرة تصلح ان تكون جسرا لبيتنا فقالت اننا سنضع جسور حديد، فاجاتني هذه المعلومة الجديدة (جسور حديد). كان البناء يرتفع من الجهة الغربية والجنوبية. البناء كلين - اي الجدار عرض جدارين، ومن الجهة الشمالية والشرقية جدار عادي. كان في الجهة الغربية بوابة واسعة لتتمكن الدواب من الدخول وهي محملة بيسر ويليه باب آخر بمصراعين ثم شباك عريض وهذا هو طول البيت بين ثمانية وعشرة امتار وأما عرضه فهو ستة امتار. استمر البناء في العمل عشرين يوما اكمل بعدها بيتنا الجديد وهو قاعة كبيرة وبنى عليها السقف. ذهب والدي الى حيفا واحضر جسورا ثلاثة وضعتها الشاحنة في الرحبة ساحة القرية ومن سوء حظنا ان جاءت دورية بوليس وكثيرا ما كنت أراه في القرية سال عن صاحب الجسور وهل لديه فاتورة بالشراء لا اظن ان والدي كان يعرف انه سيحضر فاتورة واظن انه كان على البائع ان يزوده بها لانه ادرى بذلك ثم أمر البوليس ان تنقل الجسور الى مركز البوليس في ترشيحا وهي قرية الى القرب من سحماتا تبعد عنها حوالي اربع كيلومترات نقلت الجمال الجسور الى مركز البوليس.

ذهب والدي الى حيفا وأخذ فاتورة بالشراء، وهكذا استعاد جسوره الحديدية، ونقلت هذه المرة ليس الى ساحة القرية بل الى البيت. حفر والدي جذوع الاشجار وخشب البيت والركس (وهي قطع خشبية توضع متلاصقة بين الخشبة والخشبة) استأجرنا مجموعة من النسوة للعمل في سقف البيت وساعد شباب القرية في رفع الجسور الى الجدار. كانت الاخشاب توضع على الحائط، والجسر الاول وبين الاخشاب مسافة قد تبلغ اربعين سنتيمترا ثم توضع الاخشاب على الجسرالاول والجسر الثاني وهكذا. ثم يوضع الطين التراب فوق الركس ثم طبقة من الطين اكثر سماكة ويكون السطح بشكل مائل حتى تنزلق عنه الأمطار لتصب في مزراب الى اسفل. أخذ والدي يحفر الاسطبل وهو داخل البيت وفيه ستنام الحيوانات. تدخل من البوابة الكبيرة للبيت لتهبط الى الاسطبل وفيه المعلف الذي يوضع فيه التبن والشعير للدواب. نسيت ان اقول ان "الأراري" أمين أمسك بعصفور من على الزيتونة الوحيدة في الحاكورة امام البيت وأهداني اياه. فرحت به،لعبت به قليلا ثم اطلقته. في اخر هذا الصيف و بينما كان والدي لا يزال يكمل بناء البيت، حفر الاسطبل، الى جانبه قسم للحمام وفي الداخل اعدوا الداخون او المدخنة لتعلوا الموقدة التي تستعمل للطبخ والتدفئة في الشتاء.

في خريف هذا العام 1941 التحقت بالمدرسة في الصف الابتدائي الاول. في السابعة وبضع شهور أرسلني والدي الى ترشيحا لاستعجل النجار الذي تأخر في صنع الأبواب سمى لي النجار وانه يسكن في حارة النصارى، ذهبت الى ترشيحا سألت عن حارة النصارى، صعدت الطلعة ولحقت برجل سألته عن النجار فاذا به هو النجار وأخبرني انه سيأتي بعد غد وقد حضر فعلا وركّب الابواب والشبابيك: بابان وشباكان، بابان وشباك في الجهة الغربية وشباك في الجهة الشمالية. أما الجنوب، فالجدار منخفض عن الطريق ولا شباك في الجهة الشرقية. يعد بيتنا من هذه الناحية خطوة الى الامام من حيث البناء الحجري والابواب والشبابيك، فمعظم البيوت القديمة لا شبابيك لها، بل باب واحد يدخل منه وقد يكون هناك شباك او كوة وقد تكون مغلقة في اغلب الاحيان.

كنت اشعر بالاعتزاز ونحن نبني بيتنا وكانت والدتي لا تكف عن فخرها بما انجزت فقد اخبرتني ان بيت جدي اخرجوا أبي من البيت بعد ان تزوج واعطوه مد قمح روادة أي سيء النوع ومنكوش وفي خلال سبع سنوات استطاعت ان تشتري عدة قطع من الارض وتبني بيتا وتحافظ على ابنها البكر وهو أخي لأمي . اذكر بعد ان فرغ معلم العمار غنوم و الأراري أمين من رفع جدران البيت بقي كومة من الطين المخلوط بالكلس المونة وأخذ يسوي الجدار بما وجد من الطين تسوية افقية تملا النتوء والفجوات فطلبت منه والدتي ان يتوقف عن هذا، ثم بعد ذلك اكملت تسوية الجدران من الداخل تاركة فجوات ونتوء لا تكلف تسويتها شيئا كما بدا للمعلم. لم اكن مسرورا بمنع والدتي الرجل من تسوية جزء من الجدار بما تبقى من طين لا ادري قد تكون تخاف من الحسد اذا ظهر البيت بصورة لائقة وجميلة.

وهكذا ابتدات حياة جديدة، بيت جديد ومدرسة لأول مرة في حياتي كنت قد عرفت قبلها الكتّاب ونسميه الشيخ. نسيت ان اقول ان ولادتي كانت في بيت الحاج ابراهيم، البيت الاول الذي استاجره والدي بعد ان خرج من بيت اهله، وحسبما كانت تروي لي والدتي اننا لم نمكث في هذا البيت اكثر من سنة لننتقل الى بيت شحادة حوالي اربع سنوات ودار الكنيسة حوالي السنتين. في بيت شحادة تعرفت بفاكهة الموز لاول مرة كان هذا الاسم (الموز) يطلق على حبات من الدربس (سكر ملون وقد يكون مشكوك بخيط كالقلادة). وقفت والدتي بعيدا عن دكان علي الحاج أسعد فالرجال يملأون الفسحة التي أمام الدكان. ذهبت وقلت للبائع اعطني بقرش موز فاعطاني قرنا من الموز الفاكهة ومع ان والدتي استنكرت ذلك فانني وجدت هذه الفاكهة لذيذة المذاق ولا أزال أقيس طعم أي موز على النكهة الاولى.

من الاحداث التي مرت بي في بيت شحادة ايضا احتراق رجلي بجمر الموقد الذي كان يعد لسلق القمح لتحويله الى برغل (قمح مسلوق) وهو عماد الغذاء في القرية. كنت اكرّج دولابا وهي لعبة قروية عندنا. قفز الدولاب في مشتل، تبعته ودست في الموقد الذي ظاهره رماد لكنه يخفي الجمر الملتهب. صرخت وصادف ان رأتني زوجة خالي (وأم زوجتي الآن) حملتني بسرعة ووضعت رجلي في برميل ماء معد لزراعة الدخان، لا أنسى هذا الحادث المؤلم كنت في معظم الليالي لا أنام واوقظ اهلي قائلا لقد صاح الديك. والديوك قد تصيح في منتصف الليل. صنعت لي خالتي تمام عزام وهي أخت أمي لوالدتها سطلية وهي وعاء من نحاس يسع حوالي ثلاثة كيلوات من الحليب، اقول صنعت لي مرهما ملأ هذا الوعاء عرفت بعدها انه مصنوع من زيت الزيتون وماء الكلس المصفى، كان أهلي يذهبون الى الشغل في النهار وكلما شعرت بقوة الحرارة أضع من هذا المرهم على رجلي فكانني اضع ثلجا واشعر بالراحة، لم يترك هذا الحرق أثرا، والان لا اعرف اي رجل احترقت اليمنى او اليسرى. في بيت شحادة ايضا ولدت شقيقتي الوحيدة وهكذا يكون والدي قد انجب ولدا وبنتا.

أنا الان في المدرسة الفوقا في الصف الابتدائي الاوّل وهذه المدرسة اعدت كمدرسة زراعية تتبعها حديقة مساحتها تربو على العشرة دونمات فيها غابة صغيرة من السرو والى جانبها مرجة خضراء فيها شجرة عنبر وهذه الغابة وما جاورها خارج حديقة المدرسة المحاطة بالاسلاك، وتزرع حديقتها من قبل الطلاب بالخضار كالكوسى واللوبياء والسبانخ للتدريب على اساليب الزراعة: كل طالبين حوالي أربعين مترا مربعا والقسم الباقي يزرع ثوما وبصلا او غيره. في الحديقة غابة صغيرة أيضا من أشجار الفلفل الاسمر ورقه ناعم ويميل الى الصفار. وفيها غرفة تسمى بيت الدجاج، كان يربى فيها الدجاج التابع للمدرسة، أما في أيامي فكان الموجود عدة خلايا للنحل ونقطف العسل كل عام لابسين وجها له منخل يقينا من لسع النحل وكذلك كفوف من قماش سميك يزر عند الكوع ومنفاخ يخرج منه دخان ليبعد النحل عن الخلية ثم نرفع البراويز وهي قطع مستطيلة الشكل ترسلها ادارة المعارف وعليها الشمع فتوضع في الصناديق كما نسميها في كل صندوق عدة الواح وبعد ان تخرج الالواح نعصرها في عصارة موجودة في المدرسة لهذه الغاية والنتاج يرسل الى ادارة المعارف، كما اذكر انه كان في المدرسة التحتا وهي مدرسة في وسط القرية عدة حدادة ونجارة وكور للفحم ويظهر انه لصغر القرية (1350 نسمة عام 1948) لم تستعمل المنجرة والمحددة فنقلت هذه الادوات في ايامي حوالي عام 1944 الى ترشيحا.

كان في المدرسة استاذان فقط لاربعة صفوف، كل استاذ يعلم صفين. تعلمت الاول والثاني في المدرسة الفوقا وهي قاعة فسيحة تشرف على الجهة الغربية. يعلم الاستاذ الصف الاول ويعطيه وظيفة لينجزها ثم يعلم الصف الثاني وهكذا الصفان في نفس القاعة. كان استاذي في الصف الاول والذي لا أنسى أناقته و نظافته واخلاصه رغم انه جاوز الستين بطربوشه الاحمر النظيف وكبوته الاسود وحذائه الاسود اللماع واسلوبه في التدريس. كان كتاب القراءة الجديدة اسم الكتاب لخليل السكاكيني وهي قد تكون سلسلة من أجود السلاسل، ونسميه كتاب راس روس لانه أول درس في الكتاب، كان في اسفل الصفحة صورة لبنات صغار يشكلن حلقة ويغنين را رو ري لتعلم أحرف المد. فكان الاستاذ شوكت دلال وهو الاستاذ الذي وصفته يخرجنا من المقاعد وهي مقاعد طويلة. كان يجلس على المقعد الواحد احد عشر تلميذا لنشكل حلقة نغني را رو ري. ري را رو. رو را ري. وهكذا، والذي يجيد الدرس يعطيه ملبسة من كيس في خزانة المدرسة. ابتدأنا تعلم الكتابة، الدفاتر قليلة وغالية فكنا نمحو الصفحة ثم نكتب عليها من جديد قد نمحو الصفحة مرتين لنكتب عليها من جديد. كنت اكتب بسطر مستقيما على الخط المرسوم وقبل انتهاء السطر انحدر بالخط الى أسفل ثم السطر الذي يليه حتى اصل الى نقطة الانكسار فانحدر بالسطر الثاني وهكذا، جاء الاستاذ شوكت دلال وقال: ما زلت قادرا على كتابة السطر صحيحا حتى قبيل انتهائه فلماذا لا تكمله الى الاخر؟ وضربني عصا بعكازه الزيتون، واذا بالكتابة تعتدل وتسير بخط افقيا جميلا الى اخر السطر. لم نكن بعد نجيد الكتابة وما نكتبه كنا ننقله عن اللوح وكنا نحفظ بعض الحكايات من التراث نسمعها من الاستاذ ونحفظها ومنها سنمار والنعمان ويوم بؤس ويوم نعيم. وفي هذا العام انتقل الاستاذ شوكت دلال ليحل محله الاستاذ احمد سعيد وهؤلاء الاساتذة جميعا ليسوا من قريتنا، كان الاستاذ احمد سعيد عندما يأتي الى الصف يكون أول عمل يقوم فيه ان يطلب مني ان أخرج أمام الصف، احكي قصة سنمار والنعمان. وهي قصة عن مهندس يبني قصرا للنعمان وبعد ان فرغ من بنائه سأله الملك أيوجد سر خاص في هذا القصر قال نعم يا مولاي هناك حجر صغير في الجدار اذا نزع انهار القصر، ودل المهندس الملك على موضع الحجر. طلب الملك من المهندس أن يصعد واياه الى ظهر القصر ليشاهدا المدينة من على السطح. صعدا وتمشيا ثم دفع الملك بالمهندس من فوق السطح فوقع ميتا ليحتفظ الملك بالسر لنفسه فقط، فذهب قتله للمهندس مثلا يقال (جزاء سنمار) أي يجازي على الجميل بالقبيح.

لا أدري ماذا كنت أفعل لأرى هذا الاستاذ القوي البنيان الممتلأ صحه تغمره سعادة فائقة وهو يستمع اليّ أحكي قصة سنمار والنعمان، يتكرر هذا العمل كل يوم تقريبا.

من مذكرات إبن سحماتا الكاتب محمد خشان - 3

اعطاها والدي ليرة فعادت لفلسطين لتموت هناك
ذكريات الطفولة في فلسطين الأربيعنيات

لا أذكر في هذا العام أحداثا مهمة في القرية فالثورة قد انتهت والحرب العالمية الثانية قد بدات ولعلني في هذا العام او الذي يليه سمعت لاول مرة بلفظة (سفير). كنت ذاهبا الى دكان علي الحاج اسعد والمعروف بـ"علي نجلا"، دخلت الدكان وكان امامي رجل هو خالي محمد والدكان مزدحم بالرجال. كانت الدكاكين هي مقاهي القرية، وخاصة في الشتاء. طلب خالي من الشاب الذي امامه واسمه سعيد يونس ان يفسح في الدخول قائلا وسع يا سعادة السفير، اكون من هذه الدكان تعرفت الى فاكهة الموز والى كلمة سفير. وهكذا اكون قد انهيت الابتدائي الاول وانا قادرا على القراءة دون الكتابة ما عدا الكتابة المنظورة. في الصيف ذهب زوج خالتي تمام عزام والتي سياتي ذكرها كثيرا في كتابي هذا الى عكا وطلب منه اهلي ان يشتري لي كتابا حسب معرفته فاحضر لي قصة فتوح اليمن او رأس الغول وهي تروي قصة فتح المسلمين لليمن، اذكر من ابطالها الزبير بن العوام و قد أسر وسلخت ناقة ووضع في جلدها فيبس الجلد عليه وكان يتكرر ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم مرارا و احيانا في كل سطر وأنا اريد ان ألاحق الاحداث اقرا وأهلي يستمعون سعداء بالقصة وبابنهم النجيب، سألتهم اذا كان يمكن تجاوز هذه العبارة "صلى الله عليه و سلم" رفض أهلي وسكتت على مضض وبدأ يكون كتاب فتوح اليمن أو رأس الغول والذي يزين غلافه صورة له، له قرنان وناب لوّن بالاحمر بشكل بدائي هو أول كتب أقراه من التراث الشعبي والذي سيكون زادي في المستقبل. في الصف الثاني ابتدأنا نتعلم الحساب وهناك عداد فيه كرات ملونة حمراء وخضراء وزرقاء وصفراء على ما اذكر، كما ان ممحاة اللوح من نوع جيد والمادة التي صنعت منها ملونة ايضا بخطوطها الجميلة. لا اذكر اننا استهلكنا غير هذه الممحاة. كثيرا من زملائي في المدرسة قتلوا في الحرب الاهلية في لبنان. نجيب جميل عبدالله. عبد الغني محمد علي. خالد يوسف قدورة. اذكر في هذا الصف الثاني الابتدائي اخلاص لاو مثابرة وعطف الاستاذ خالد القاضي من قرية ترشيحا. كما لا انسى نظافته واناقته . كان الدرس الاول في كتاب الصف الثاني اسمه (الى المدرسة)
الى اين أنت ذاهب يا بني؟

الى المدرسة.
وماذا تتعلمون فيها؟
نتعلم القراءة والكتابة والحساب ودروس اخرى.

كنا في الدرس الاول وفي بيتنا الجديد وكنت في الدار واخي لأمي واقف، قال أين صرتم؟ قلت له في أول سورة، قال هذه اسم درس وليس سورة. لا أذكر لأخي هذا، كلمة تشجيع او موقف حسن. فكثيلرا ما كان يضربني او يدلي بي فوق منحدر مخيف كله شوك وقد ضربني مرة فورمت عيني. اقول ان أخي هذا قد رباه والدي وعاش في بيتنا. واشترت له والدتي بعض الارض والزيتون وكانت خالتي تمام واخوالي يعطفون عليه باعتباره ابن اختهم وانه يتيم وهذا اليتيم والذي كان الايتام امثاله تؤكل حقوقهم كما حصل لوالدتي واخيها. اقول ان اخي هذا جمعت له والدتي من المال اكثر منا وعندما خرجنا من قريتنا الى لبنان كان معه مال اكثر منا. ومع ان والدتي بقيت في لبنان تعمل وتقدم له ولزوجته و اولاده. و قد تزوج صغيرا وانجب كثيرا اقول قامت والدتي بهذا العبء الثقيل ولم يحفظ لها ما يجب على الابن نحو والدته حتى انه لم يحضر جنازتها. وكذلك اولاده لم يذكروا مرة ان لهم جدة وانها عملت ما لا يستطيع الرجال في سبيلهم. اذكر هذا ليس من قبيل الغضب او العتب بل ليذكر كل انسان بعمله.

في شتاء هذا العام قرأت قصة الزير سالم وهي تدور بين بكر وتغلب، اثر مقتل كليب فارس تغلب وزعيمها على يد جساس بن مرة زعيم بكر بعد مكيدة البسوس ومقتل ناقتها و كاتب القصة المجهول يرسم لكليب صورة الفارس الكريم المقدام وينعت جساس بالمكر والخديعة والغدر. والحسن ان الصراع كان صراعا اقتصاديا يدور حول الكلأ والماء فقد حمى كليب كثيرا من المراعي ومنع غير ابله من الرعي فيها وقد كان ظالما شديد البطش يخشى باسه وللان لا يزال المثل يضرب به. فنقول محمى كليب او حمى كليب للمكان الذي يخشى او يصعب اجتيازه او دخوله. غلاف القصة عليه صورة الزير سالم وقد وضع قربتين من الماء على ظهرالاسد ولجمه بلجام الحمار الذي اكله وتحت هذه الصورة العبارة التالية من يأكل حمير العرب يحمل القرب حيث ان الزير ذهب لجلب الماء فأكل الأسد حماره فقبض عليه وحمله القرب. وفي الداخل صورة لكليب وهو يغمس اصبعه في جرحه ويكتب وصيته لأخيه الزير سالم محملها ان يرفض الصلح مهما كان وللان نعتبرالمعتدى عليه والذي يقبل الصلح يكون طرفا ضعيفا وفي الغالب يصعب عليه البقاء في مكانه فيرحل الى بلد اخر. اقول القصة مؤثرة وخاصة لطفل في عمري "الثامنة" كنت اقرأ القصة كعادتنا في قرانا في الشتاء ان يقرأ أحد بصوت مرتفع ليسمع الجميع وقد يجتمع الجيران عند بعضهم يستمعون لهذا القصص الجميل، تغريبة بني هلال، قصة الزير، فتوح اليمن، الملك سينان ذي يزن، الف ليلة وليلة، كتاب عنترة، حمزة البهلوان، الملك الظاهر بيبرس، نوادر ابي نواس وغيرها وجميع هذه الكتب ليس لها مؤلف معروف اي انها تراث شعبي بالمعنى الصحيح. وقد عاشت الأمة العربية مئات السنين وهي تقرأ هذا التراث حتى اصبح جزء من حياتها تؤمن بها كحقائق واقعة وليس كقصص هدفها التسلية ولا انكر ان هذه القصص تبعث في النفس علو الهمة وتعلم القيم العربية من فروسية وخلق ونجدة وكرم وشجاعة واقدام وحماية الجار.

اعود وأقول بعد هذا الاستطراد اني كنت اقرأ القسم الذي يروي مقتل كليب وكتابته وصيته ودموعي تنهمر غزيرة على وجهي. وبخني أخي لبكائي فكنت امسح دموعي السخيه واقول انا لا أبكي. كان أهلي ينامون وأنا استمر في قراءة هذه القصص الجميلة الى ما بعد منتصف الليل وكان والدي ينبهني لانام ثم يزجرني فأرى انه لا بد من النوم حيث يستحيل عليّ تكملة الكتاب في ليلة، وهكذا كانت هذه الكتب هي التي شكلت تفكيري واتجاه ثقافتي منذ صغري. كانت معظم دروس الصف الثاني الابتدائي تدور حول موقف مرح ليبعث الرغبة في القراءة ولكن لم يكن المدرس يشرح لنا الدرس وما ينطوي عليه من نكتة فكان ذلك يضيع في جدية الدرس والمدرس ورهبة الطلاب وهل يفكر تلميذ صغير ان في الدرس نكتة او مزحة. اذكر من هذه الدروس الان الابن الرسام، بائع السمك.

الاب: ارسم لي سيارة فيها راكبان. فرسم الابن سيارة وما رسم راكبين
الاب : اين الراكبان؟
الابن : نزلا يا ابي.

كان يثير انتباهي ان هناك راكبان وراكبين اعرف انهما اثنان ولكن لا اعرف لم كتبت مرة راكبان ومرة راكبين لا نعرف قواعد في الصف الثاني وكنا نحفظ شيئا من التاريخ غيبا فعلى سبيل المثال، قورش ويعرف عند العرب بكسرى وهو أمير من أمراء الفرس وكل طالب يسمّع هذه العبارة الموجزة من التاريخ. وقد كان هناك عدادا: آلة فيها قضبان وكرات خشبية ملوّنة لتساعدنا في تعلم الحساب. اذكر للاستاذ خالد القاضي الذي تعلمت على يديه في هذا الصف اخلاصه واناقته وحرصه على تعليمنا. مرت والدتي من جنب المدرسه فرأته يقتصّ من بعض التلاميذ. اذكر انه اخذ يتذمر ويشكو ويشرح لها ما يعاني في حين التلاميذ لا يبذلون جهدا كافيا.

في نهاية العام الدراسي ودّعنا الاستاذ المذكور ثم بكى لانّه سيفارقنا، انهمرت الدموع على وجهي وذهبت للبيت الذي لا يبعد كثيرا عن المدرسة، رأت والدتي دموعي فظنّت انّني تشاجرت مع احد، سألتني فاخبرتها ان الاستاذ ودّعنا وانا ابكي لذلك، فاخذت تهوّن عليّ الامر وان هي الا مدّة قصيرة وأعود للمدرسة. كان يعلمنا في هذه الصف ايضا الاستاذ احمد سعيد المدرس الجديد الذي حلّ محل الاستاذ شوكت دلال كما سبق وذكرت. اذكر انّه في احدى الحصص عندما دخل سأل من الاخير في الصف وعرفنا بالبديهة ان الاستاذ غير راغب في تعليمنا فتشجعنا وقلنا بصوت واحد فلان احد التلامذة لا اذكر اسمه ثم قال والذي يليه وهكذا ونحن نذكر الاسم ملحنا وبصوت جماعي عال حتى بقي في الصف اثنان انا وجاري علي الحاج عبد اليافاوي. قد يكون ابوه من يافا و امه من قريتنا، اظنها من ال عبد القادر لانهم يسكنون في ذلك الحوش وهو يعمل اسكافي. كان علي ذكيا وحسن الخط وكنت في نفسي اغبطه على حسن خطه وخاصة عندما يكتب كلمة حضرة هكذا (حضــــــرة) بخط جميل اتعجب منه، اقول توقف الصف لحظة لاخذ القرار بيني وبين جاري ثم صاحوا علي الحاج وعلى هذا او حسب استفتاء التلاميذ لا حسب علامات توزع علينا وجدت نفسي في المرتبة الاولى ولكن الاستاذ نغص علي هذه الفرحة وقال من التيس الكبير؟. خجلت وسكتت ثم قال اطلع قدام الصف. طلعت ووقفت قدام الصف وقال: قل أنا اشطر منكن كلكن يا تيوس. لا اذكر كيف قلتها وان كنت قلتها فقد شعرت على صغر سني بحرج شديد وخجل شديد من رفاق صفي خاصة وانا لا اعتقد انهم تيوس بل تلاميذ جيدون. في هذه الاثناء بنى لنا الخواجة عيد وهو الذي قطع لنا حجارة البيت تصوينة خارجية من نفس الحجر للجهة الجنوبية المحاذية للطريق وفي هذا الجدار بوابة الدار وهي عالية وواسعة وجانبي البوابة من الحجر البيض المنحوت ـ حجر نحيت ـ كما يسمونه في القرية والبوابة بشكل قنطرة جميلة و قد طلبت والدتي من الخواجة عيد ان يحفر على اعلى البوابة (القنطرة الحجر) "لا اله الا الله محمد رسول الله" ولكن الخواجة اختصر العبارة لطولها وحفر على الحجر الغلق اي الحجر الذي يوضع في وسط قنطرة البوابة "الله اكبر" وهكذ اصبحت الدار مصونة من جهات ثلاث الشرقية وهي امتداد البيت ومعظم الغربية وهو جدار جارتنا نايفة الدرزية ومن الجنوب الجدار الذي بناه الخواجة عيد، أما من الناحية الشمالية فبقيت مكشوفة ولا بيوت أمامنا بل تطل الدار والبيت على الجهة الشمالية وعلى الكوربة والطريق الموصل من الكوربة الى الرحبة (ساحة القرية) وتحتنا بابور الطحين. وهكذا اكون قد قضيت اول سنتين من المرحلة الابتدائية في المدرسة الفوقا أي في القاعة الفسيحة التي ضمت الصف الاول والثاني معا يعلم معلم واحد. وفي المدرسة الزراعية التي اختارت حكومة الانتداب قريتنا لتكون مركزا للتدريب الزراعي وتربية الدواجن واختارت موضع المدرسة. كنت سعيدا في هذين السنتين فالثورة، ثورة 1936 قد انقضت والحرب العالمية الثانية بدأت وصرت اسمع كلمات جديدة على مسمعي "الالمان، هتلر، يونس البحري، خط ماجينو". كان التعليم في السنة الثالثة والرابعة دون مستوى التعليم في الاولى والثاانية فالمدير والمدرس احمد سعيد لا اظن اني تعلمت على يديه شيئا ولا اذكر ما هي الدروس التي تعلمناها مع اني اصبحت الان في الثامنة و اقدر على الاستيعاب. الذي اذكره هو درس في القواعد وقد طلب منا الاستاذ ان نحفظ تعريف الافعال مع الضمائر وهو درس جاف ولم يشرحه ولم اكن لادري ما هي الافعال والضمائر وقد وجدت نفسي احفظ كلاما لا معنى له. كتب، كتبا، كتبوا. كان هم الاستاذ ان يشغلنا فقط وقد يذهب للعب الطاولة مع الشيخ عبدالله احد شيوخ الكتاب في القرية. في السنة الثالثة او الرابعة زارنا مفتش التربية. اذكر احد اسئلته بماذا تشتهر القدس، وهب التلاميذ يرفعون أصابعهم بحماس شديد مظهرين المعرفة الاكيدة وكنت بين الذين رفعوا ايديهم واصواتهم فتوجه اليّ بماذا تشتهر القدس فقلت بالجبال، قال هنالك جبال ولكن ماذا ايضا؟ فشل الصف في الاجابة على سؤال المفتش وكم كانت دهشتي عندما قال المسجد الاقصى، كنيسة القيامة. لم اكن سمعت بهذه الالفاظ من قبل، اقول بعد ان كان التنافس قويا في السنتين الاولى والثانية ساد الكسل و الاهمال وها انا الان احاول ان لاتذكر ماذا تعلمت فيهما فلا اجدني اتذكر شيئا له قيمة.

قضينا السنة الثالثة والرابعة في المدرسة التحتا وهي تقع في الحارة التحتا. وتنخفض عن المدرسة الفوقا ومن هنا جاءت التسمية وهي تقع في وسط البلدة وهي جيدة البناء، جدران حجر وشبابيك زجاج واباجور وملحق بهذه المدرسة غرفة كان فيها خشب والة حدادة وكور وبقية لوازم الحداد، مطارق وغيرها وكان من المأمول ان يتدرب الطلاب على مهنة الحدادة والنجارة ومع ان هذه الادوات موجودة منذ سنوات طويلة في البلدة لكن لم يجر الاستفادة منها وفي السنة الرابعة نقلت هذه الادوات من سحماتا الى ترشيحا وكنت من بين الطلاب الذين شاركوا في سوق الدواب التي نقلت هذه الادوات يرافقنا الاستاذ احمد سعيد وهكذا في عهد هذا الاستاذ، وهو مدير المدرسة، والى جانبه مدرس اخر فتكون المدرسة مؤلفة من مدير واستاذ. اقول في عهده لم يتدهور التعليم فقط وانما نقلت الادوات التي في البلدة الى غيرها. اتذكر الان ان خالتي عائشة والتي ذكرت في اوائل الكتاب انها صنعت لي صدرية بلون العلم العربي (وان ذلك في الغالب قد يكون سنة 1936 عام الثورة الكبرى في فلسطين ضد الاستعمارالانكليزي والحركة الصهيونية والهجرة اليهودية الى فلسطين بزعامة مفتي فلسطين الحاج محمد امين الحسيني)، قد غرقت في غدير التينة وهو غدير في وادي الحبيس عميق الغور وكان الناس يذهبون احيانا الى وادي الحبيس لغسيل ثيابهم حيث الماء والحطب والماء خاصة، وقد انتشلت جثتها من الغدير وان امراة اخرى، بعد سنوات على هذا الحادث، قد غرقت ايضا في هذا الغدير ومما اذكر عن هذا الغدير انني ذهبت ووالدي الى هناك حيث لنا ارض قريبة جدا من الغدير وسألت والدي اذا كان يسمح لي بالسباحة في الغدير ففعل وسبحت فيه وطوله لا يتعدى المائة امتار على ما اظن وعرضه قريب من ذلك وفي اخره حجر شكله شكل معلف الدواب وبطول ما يقرب المتر. وفوق الغدير شجرة قد تكون شجرة بطم تضفي عليه شيئا من الرهبة تضاف الى ما يحمل المرء من احداث محزنة. تذكرت و أنا أسبح ان خالتي غرقت فيه وانّ امراة اخرى كذلك، انتابني شيء من الخوف فاسرعت معتمدا على كوعي لاصعد الى هذا التجويف الصخري في آخر الغدير. لم اطلب المساعدة من والدي ولكنني تنفست الصعداء وقفزت من هذا التجويف قفزة قربتني كثيرا من طرف الغدير فخرجت. كما اذكر من ضمن هذه الاحداث ان عمتي ماتت اثر لسعة حية لسعتها في الصيف في موسم الحصاد مدت يدها من خلال الغمر لتتناول ربما وعاء الماء فلسعتها. اخبرني خالي علي عزام بعد ان كبرت انه شاهد جدي و معه اناس اخرون يسقونها الزيت فكانت تتقيأ معه بعض السم. حدث هذا قبل ان أولد بسنوات. وربما في صيف 1944 توفي زوج خالتي تمام. كان زوجها رشيد العبد، من اغنى الناس بالنسبة لقريتنا فهو ابن العبد علي وجيه القرية يمتاز بيته بايوان يطل على الجهة الجنوبية وبغرفتين واسعتين وغرف اصغر ومطبخ وقنديل زجاجي لكي لا تنطفىء النور من الهواء وقباقيب مصدفة وتحته قبو طويل للدواب ودواب الضيوف وفي اخر القبو غرفة واسعة لا شبابيك لها وقدامها بئر ماء ودرج يصعد منه الى الايوان والبيت. ما اذكره الان عن خالتي تمام قد لا يعرف بعضه الا القليل من الناس. خطبها العبد علي من والدها وهي في الرابعة عشرة من عمرها وتزوجها وكان قد تزوج امراة قبلها وطلقها او ماتت لا ادري، هذا الرجل لم يكن ينجب اولادا وغير أهل للزواج وهذا امر يفضل المرء في بلادنا ان يموت ألف مرة ولا يتعرض لهكذا فضيحة. طلب منها ان تكتم سره ففعلت. وعندما توفي زوجها بعد اكثر من عشرين سنة من هذا الزواج فكانت لا تزال عذراء. اعترف بحسن قوامها وذكائها وحسن سياستها ومهارتها في الطبخ ومعالجة الامور. ومما سمعته من خالي عنها ان هناك بعض الناس كانوا يريدون ان يبيعوا بعض الاراضي لليهود وكانوا يخافون عاقبة الامر قد يتعرضون للقتل او يحدث هذا البيع خلافا بين الناس في القرية. قال احدهم دعوا الامر الان فلي مشورة وذهب وسأل خالتي تمام عزام عن رأيها في الامر فقالت لا تفعلوا قال لماذا قالت لانكم على اقل تقدير وان لم يسقط قتلى فنتيجة هذا العمل ستدفعون ما تاخذونه للمحاكم والمحامين وهكذا وفر على البلد خلافا اكيدا. اقول هذه السيدة السديدة الرأي والذكية والتي سمعت انا منها في قريتنا ايام صغري ان السلطان عبد الحميد الثاني رفض ان يعطي ارضا لليهود في فلسطين وقال تقطع ذراعي ولا اعطيكم ارضا ولكني ان مت ستاخذونها بلا ثمن. كانوا قد عرضوا عليه ما ينقذ دولته من الافلاس سمعت منها ان السلطان عبد الحميد زار فرنسا وقدمت المشروب فتاة (لعبة صناعية) ولم يعرفها احد الا السلطان عبد الحميد فقد نظر اليها فلم ترمش عينها لهيبته فعرفها وحده من الحضور. لا ادري اذا كانت هذه القصة حقيقية او اذا كان السلطان عبد الحميد زار فرنسا وساحاول ان اتاكد من هذا الامر اذا امكنني ذلك. اقول عندما توفى زوجها شاهدتها تشحر وجهها اي تطليه باللون الاسود الذي يعلق على اوعية الطبخ عبر سنين. دهشت وانا ارى خالتي على هذه الصورة وقد كان زوجها قبل ان يموت قد كتب لها جميع ما يملك. بيته، ارضه، كروم الزيتون والتين، ادوات المنزل، وهي ثروة جيدة بالقياس لقريتنا وقد سجلها في السجل العقاري (الطابو) لكي يحميها من اقاربه وهم كثر. ضغط اقارب زوجها ليأخذوا جزء من الارث. طمع كثير في هذه الثروة، منهم من اراد الزواج منها ومنهم من كان يريد المال فقط وقد رأيت خالتي تضعضع لاول مرة قرية باكملها وما فيها من سفلة وقتله وجياع وطامعين وهي وحدها في هذا الصراع، و لها اخوين أيد كل واحد منهما فريق. لجأت الى المال لحل مشاكلها، كان الرجل الذي من المأمول ان تتزوجه قد هُدد فخاف وتراجع. بالاضافة الى ضغط زوجته واقاربه عليه كانت قد دفعت 175 جنيها لرجل لتثنيه عن تهديد زوج المستقبل و300 جنيها لاناس كانت قد اودعت صيغتها عندهم. وصيغتها في ذلك الوقت رطل ذهب وزوجها رشيد العبد ماهر في معرفة الصيغة الجيدة. اقول لم يعيدوا لها صيغتها الا بعد ان دفعت 300 ليرة (جنيه) لانهم كانوا يحرثون لها كروم الزيتون وغيرها. وهذه الصيغة نقلت من بيتها الى بيتنا وحملت انا العلبة وهي مصدفة عليها رسوم فضية فاتنة وصور رجال عليهم عمائم مستديرة. اقول باعت الذهب و ما تملكه لحل المشاكل ولكن اذا وقع القدر عمي البصر، قد تكون انهكتها هذه الخلافات وهي تقاوم وحدها اناسا لا تجد لها معينا سوى حقها الشرعي وما ورثته مسجل في السجل العقاري، ومما يتصل بهذا الامر اذكر انني رجعت من المدرسة ظهرا، وجدت والدتي تقف مع رجل يحمل سلاحا حربيا تشكل رشاشا صغيرا و هو أحد الغضباء ولم اعرفه فهو ليس من قريتنا وقد جاء ليهددها لتؤثر على اختها. لا اعرف ماذا طلب من والدتي ولكن حين وصلت كانت تجيبه وتقول انا لا انكر انها اختي و لكنني لا استطيع ان امون عليها بشيء تقول بصوت قوي وحازم وقد عرفتها غير هيابة في كثير من المواقف وانصرف الرجل. مما يتصل ايضا بهذا ان والدتي تعرضت للضرب والاهانة و لكسر جرتها فقد كانت ذاهبة الى العين لجلب الماء فوجدت ثلاث نسوة قد كمنّ لها هنّ اخوات زوجة الرجل الذي كان زوجها رشيد العبد اوصاها ان تتزوجه بعد موته. عادت الى البيت مبللة بالماء وقد ضربت وأهينت لانهم يظنون ان امي تؤيد زواج خالتي من زوج اختهم اقول ان خالتي تزوجت اخيرا من رجل يكبرها بكثير واولاده شباب وهو فقير الحال، كان ابن اخ زوجها، اساء معاملتها وكذلك تسلّط عليها اولاده وزوجته السابقة والتي رضيت بزواج زوجها طمعا بالمال.

كنت حينها في حوالي الحادية عشرة من عمري وانا اسمع واشاهد ما يحدث واحزن بعمق و انا ارى بعض السفلة يستقوون بكثرتهم او باجرامهم ليعتدوا على الشرفاء حيث لا يجد الضعيف نصيرا. دعك من الدولة فلكي ترفع دعوى او تقدم شكوى يلزمك الشهود والناس لا تشهد مع الضعيف، الناس مع الحيط الواقف. استمر الحال على هذا المنوال حتى النكبة، خرجت مع الناس، والى بعلبك اخذتها الدولة اللبنانية الى ثكنة غورو. هال خالتي تكدس الناس كل ست عائلات في بركس (غرفة للجنود)، حمامات عامة وبؤس وضياع. فقد خرج معظم الناس لا يملكون شيئا. انا استبق تسلسل الاحداث لانهي الحديث عن خالتي تمام، اقول في لبنان ضربها زوجها فشج رأسها وبقيت ملابسها عندنا ومنها غطاء الرأس والحطة وقد تجمد عليها الدم. لم يمض اكثر من اسابيع قليلة، قالت لوالدي يا عمي كامل اعطني ليرة، اعطاها والدي ليرة وعادت لفلسطين لتموت هناك في التسعينيات.

يبقى للحديث عن خالتي بقية حين يحين وقته. اعود الان لاتابع الدراسة وانا الان في الابتدائي الخامس والسنة 1945 و هذا الصف استحدث في تلك السنة وبعد ان انهينا الابتدائي الرابع والقاعدة ان يشتري الاهل المقاعد و يدفعوا راتب المدرس الذي يدرس الصف الجديد لمدة عام وادارة المعارف تزور الصف كغيره فان وجدت عدد الطلاب كافيا تثبته على نفقتها وهكذا كان، بالاضافة الى ان القرية اخذت بتبليط الطرقات فارضة على كل رجل مبلغ جنيه او ما يعادله من الانتاج. كذلك صب سطح باطون جديد للعين بعد ان كان سطحها ترابي قديما كما لا انسى انه كان في القرية لجنة او بلدية ينتخب اعضاؤها عائلات القرية يصرفون شؤونها ويحلون ما امكن من مشاكلها بالاضافة الى مختار من ثلاثة يمثلون حكومة الانتداب وهم ينتخبون انتخابا. الرجال فقط ينتخبون. في هذا الصف كنت سعيدا جدا فقد انتقل المدير القديم ليحل محله خليل الديماسي من عكا، كان سبق وان علم في قريتنا جيل والدي وعاد في الخامسة والاربعين ليعلم اولادهم. عدنا في الصف الى المدرسة الفوقا او المدرسة الزراعية وقد اعيد تخطيط وتحسين الحديقة، تعلمنا في الصف تعليما جيدا وخاصة في الحساب والاجتماعيات والدين. ولا ازال للان (2001) اذكر بعض اقسام اميركا الشمالية كمنطقة السافانا او البراري والبحيرات الخمس الدب الاكبر والدب الاصغر وانتاريو وغيرها. بالاضافة الى جغرافية البلاد العربية. زارنا في هذا العام حدثان هامان بالنسبة لي في هذا العام الاول التمثيلية او المسرحية التي كان لي فيها الدور البارز والاول و قد اعدها الاستاذ خليل الديماسي. وهي مجموعة لوحات منها الطبيب والمريض وقد مثلت دور الطبيب والذي يقول للمريض خود نفاس فهو طبيب يهودي على ما اظن اي خذ نفسا، ثم اسأل المريض ماذا اكل فيقول انه اكل فقط دست مجدرة ورطل فجل وستة ارغفة. و قد دعيت القرية لحضور هذه المسرحية تحت اسم حفلة سمر، و قد امتلات الساحة بالحضور، ولم يكن الحضور مجانا بل مقابل خمسة قروش الكثيرون دفعوا اكثر من هذا المبلغ. ثم دور اخر نمثل فيه شيوخ كبار السن في ديوان القرية وملابسهم القروية بشراويل و قنابيز مع الحطة والعقال وتدار القهوة صوريا وكل من الممثلين يروي حديثا نبويا وقد كان الحديث الذي اديته قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (اياكم والدين فانه هم في الليل ومذلة في النهار). كما كان هناك فواصل بين المشاهد لتغيير الملابس استعدادا للمشهد او اللوحة التالية، يقوم احدنا باسكتش بسيط منه ان ابن مدير المدرسة مشى متبخترا على المسرح واضعا يده في جيبه و هو يقول ان امحلت او اوحلت جاء وقت شتائها في الصيف ما زال جيبي بالدراهم ممتلىء امشي على ذوقي وخاطر كيفي . ومنه مشهد برز فيه خطر بيع الارض لليهود ودور السماسرة. وقد وضعت في عبي وانا البس القنباز كدسة من اوراق اليانصيب وهي بلون العشر ليرات فلسطيني. ثم كان الدور الابرز وهو نقد للمساعدات التي تقدمها حكومة الانتداب من طحين، سكر و رز باسعار مخفضة. وقد اشترك في هذا الحوار الثلاثي زميليّ حسن عبدالوهاب ومحمد خليل الديماسي وانا.

حسن: قالوا دايرة المونة بدّة تظبط التوزيع من غزة للجاعونة وفلسطين عالربيع وتوزيعتها مضمونة وحقوقنا مش رايحة تضيع.

محمد الديماسي: عملو للنفر نص كيلو منشان يوكل ويغمس.
والفقير يا تعثيرو من جوعه رايح يطمّس.
والغني معبّي برميلو طحين ابيض و كويس.
انا: النص كيلو شو بتكفي زوّدها يا اخينا.
ما زالك حامل الدفّه ربي منك يحمينا.
عالارض راح منصفي والجوع بدو يهرينا.
واللي عندو شي وصفي يجيه حتى يداوينا.

هذا الدور كان اعطاه المدير لغيري عند توزيع الادوار وفي اليوم التالي لم يجده حافظا دوره فغضب فقلت انا احفظه الان، قال الان؟! فقلت نعم. خرجت من القاعة لدقائق لاعود واسمعه مع بعض الاشارات مما ادهش المدير. وقد كان لهذه المسرحية اثر كبير فقد نلت استحسان البلدة وللان عندما التقي باناس يكبروننا اول ما يتذكرونه المسرحية وقد كان المفروض ان نمثلها في القرى المجاورة.

وقد سمعت والدي على البيادر يقول مفتخرا بي يجب ان يكون للفرقة نصيب من الربح. كان هذا المدير (خليل الديماسي) قد علم في قريتنا في العشرينيات و قدّم ايضا مسرحية كان يذكرها الجيل القديم، احفظ عن خالي بغض العبارات التي تتخلل الحوار.

الملك: اين وزيري شمس الدين ومالي لا اراه من جملة الحاضرين.
رئيس الديوان الملكي: لعله يا مولاي ينجز بعض مهماته او لعله مشغول بتزويج احدى بناته.
الملك: وهل لوزيري شمس الدين بنات تليق بعليائي لاجعلها من بعض نسائي.
رئيس الديوان: ان ابنته درّة الصباح. الى اخر الاجابة.
ثم تدخل الفتاة بعد ذلك ويقوم بتمثيل الدور جريس قيصر سمعان وهو ابن المختار قيصر سمعان والذي اصبح مختارا فيما بعد وخرج من القرية مع من خرج وقد عرضت عليه العودة فرفض قائلا اذا عاد اهل بلدي اعود وإلا سابقى معهم وقد بقي معنا ومات في لبنان وقد زارتنا منذ سنوات اخته رتيبة قيصر سمعان وهي تسكن في كسروان ولم تتزوج وشكت ان بعض الاولاد كانوا يسيئون اليها اثناء الحرب الاهلية ولكنهم امتنعوا بعد ان اخبرت ذويهم.
اكمل ما احفظ من المسرحية التي مثلت في العشرينيات من القرن العشرين. دخل جريس قيصر سمعان وهو يلبس ملابس فتاة وهو ابيض مشرب بالحمرة وقد أُلبس قلائد وعقود و اساور من الذهب الحقيقي.
ثم ينقلب الحال بالملك و يتحول الى شحاد يقعد على قارعة الطريق قائلا:
فقير على الابواب يندب حظه ويسأل من يسوى و ن كان لا يسوى
ويرجو من الملك الاله يميته ليرتاح من كار الشحادة والبلوى
فيمر به الناس، البعض يعطونه والبعض لا يعطونه كما هي العادة.
ثم يمر به رجل يلبس عباءة فضفاضة وقاوون اي لباس رأس طويل كالقمع يثير الضحك. ويقول الملك اللازمة التي يقولها فيرد عليه الرجل - و يمثل الدور عبدالله سلمون القادري وقد اصبح بعدها شيخ كتاب يحمل لقب الشيخ عبدالله ـ
لو كان لي ماء الفرات جميعه وطلبت ان تسقى ما اسقيكا
او كنت قارون الورى بزمانه ما نلت مني في الورى متليكا
ان كنت شحادا حديثا عهده فانا القديم وكنيتي انتيكا
فيمسك الملك بجلبابه وهو يصيح قف يا شيخ انتيكا. قف يا شيخ انتيكا. وينتهي المشهد.
هذا ما احفظه كما سمعت عن تمثيلية العشرينيات. في الايام التالية للمسرحية كنت امشي في طرقات البلدة فاسمع بعض التعليقات مثل هذا الذي كان يمثل امبارح (البارحة ). او ان هذا الولد يصلح ضابطا في مستقبل الايام.
اذكر وقتها ومن ضمن هذه التعليقات التي كانت تدخل السرور الى قلبي ان التقيت وانا في طريقي من الحارة الى البيت بالمختار علي صالح قدورة فقال بصوت عال كانه يوجه الي الحديث (دار خشان مش متعدين معن (معاهم) شهادة مفتي).
الحدث الاخر في هذه السنة 46/1945 في الصف الخامس، اشتركت المدرسة في المهرجان الرياضي الذي كان يقام في مدينة عكا، يشترك فيه قضائي عكا وصفد، على ما اظن، كانت شارة المدرسة وهي معدة من قبل ادارة المعارف شريط حريري اسود واخضر يشكان على الصدر. ذهبت الى ترشيحا مع جميل الحاج قدورة اشتريت قميصا وبنطلون قصير (شورت) ابيضان كما هو مقرر. ابتدا التدريب من اوائل الربيع بعد اختبار من المدير والاساتذة لتحديد الالعاب التي يمكننا الاشتراك فيها. 200 متر، 400 متر، قفز عال، قفز عريض، ثلاثة ارجل الاكياس البطاطا و غيرها من الالعاب. و هناك ثلاثة فرق صغار ـ متوسطين ـ كبار. يعتبر في ذلك السن. كنا يوم يوم بعد العصر نذهب الى البيادر وهو مكان صالح للتدريب، فهو مستو ومنعص بشكل طبيعي. اختارتني المدرسة للاشتراك في مسابقة الجري او العدو 200 م او 150م. لا اذكر و في لعبة الثلاثة ارجل و في لعبة المواصلات و تسمى الان التبادل و هي لعبة تقوم على مجموعة يسلم كل فرد فيها الى الاخر بعد ان يقطع المسافة المطلوبة منه. كان كثير من رجال القرية يذهبون كل يوم يحضرون التدريب ويشجعون الطلاب. وكنت اشترك في الالعاب الاخرى 400 م، اكياس بطاطا فيكون هناك تنافس. وكنت اتفوق احيانا على الطلاب المختارين لالعاب غيلر العابي. و كنت الاقي تشجيعا من الرجال الحاضرين واذكر تعليقا لا اعرف صاحبه انني كنت اسابق في 400 م وهي غير لعبتي فسبقني صاحب اللعبة وكان التعليق يوم لك ويوم عليك. اذكر من الزملاء المشاركين في الفريق، حسن عبد الوهاب، نجيب جميل عبدالله، خالد يوسف قدورة، مرعي حسن محمود، خالد سعيد موسى.
كان التدريب تلقائيا وطبيعيا، فلا منشطات او حتى توجيه لافضل السبل في العدو. افضل ما تعلمته اثناء التدريب ان اكون ان اكون في ميدان عكا البيضاوي في اقصى الشمال اذا امكنني فتكون المسافة اقصر قليلا. وفي المواصلات كنا نجري باتجاه الطالب الذي نستلم منه قطعة الخشب لنعطيها لغيرنا ثم نتراجع قليلا قليلا وفي ذلك تنشيط لنا. اشتركت المدرسة في تمويل الفريق والذي سينام في عكا. اليوم الاول تصفية والمباراة الرسمية. في اليوم التالي ركبنا البوسطة وذهبنا الى عكا في الصباح الباكر. في الطريق وقرب عكا كان هناك مزرعة دجاج، احضر المدير بيضا نيئا لنشربه عرفت وقتها ان ذلك يقوينا على الجري. لم يشرب احد وكان بامكانه ان يخبرنا و نحن في القرية لنواظب على شرب البيضة المسلوقة قليلا ـ بريشت ـ لشهور فالبيض متوفر في كل بيت. وصلنا، وقفت البوسطة خارج سور عكا، دخلنا عكا القديمة وكان ان سبق وعرفت بعض اجزائها عند ذهابي مع والدتي. دخلنا من البوابة، كانت لا تزال قائمة، والشارع يمر منها، وهو بشكل بيضاوي، والناحية الشرقية منه محاذية للسور وقد صعدت الى ظهر السور وهو مشرف على البحر بشكل رائع وعليه غرف صغيرة فوقها قباب قيل لي انها للمدفعية لتصد السفن المعادية القادمة من الغرب وهذه الغرف لحماية المدفع من قنابل العدو.
من مذكرات إبن سحماتا الكاتب محمد خشان - 4

خرجت من فلسطين وقد وفيت بنذري

أذكر ايضا ان والدتي ارسلت معي الى عكا ابنها الاكبر - اسعد - لتشعر بامان اكثر علي مع اني ذاهب مع الفريق ومدير المدرسة، كان الدخول الى الملعب ممنوع على غير المشتركين وعند دخولنا الى الملعب تاكدت اللجنة من اسمائنا واعمارنا واطوالنا حيث هناك جهاز لقياس الطول، اظن ان طولي كان 135 سم. لقد وصفت صعودي الى ظهر السور والذي رأيت لاول وهلة انه يمكن ان يلعب عليه كرة القدم، قبل ان اصف مباراة التصفية كانت اللجنة المشرفة ارشدت الى اماكن خلع ملابسنا وارتداء البدلة الرياضية والشارة في اماكن خصصت لذلك. ليس هناك متفرجون في اليوم الاول بل المتبارون واللجنة، وكل عشرة متبارين تقريبا ينطلقون بعد صفارة البدء وتختار اللجنة الطالب الاول فقط من كل مجموعة وكنت اول مجموعتي 200 م او 150م وهذا ضمن لي الاشتراك في المباراة الرسمية في اليوم القادم وكذلك في سباق الثلاثة ارجل انا وزميلي خالد سعيد. انتهت التصفية واذا بشاب اسمر طويل القامة يتقدم مني ويقول انت ضيفنا الليلة، لبست ملابسي وانا في الملعب واذا بجانبي صبي يصغرني بسنوات يستعجلني في الذهاب الى بيتهم فاقول له من انت، قال انا عمر اخو عبدالله، ذهبت معه تأملته تبدو عليه امارات النجابة والثقة.

اذكر ان جميع افراد الفريق نحو 13 او 14 متبار، نمنا جميعا في بيت هذا الرجل الكريم النبيل حميد ابو صهيون - ابو فايز زوجته من قريتنا وهو رجل بوليس، في البوليس الانكليزي. دخل علينا، رحب بنا واخذ شيئا من خزانة في الغرفة، في اثناء النهار تجولنا في عكا وهي مدينة عامرة اسواقها مسقوفة لا تخطىء عليها حركتها الناشطة من ازدحام اسواقها وكثرة الباصات الوافدة اليها وما فيها من مكتبات وصيدليات. صعدت درج جامع الجزار وهو يرتفع عن الارض. درج واسع عريض يفضي الى ساحة واسعة جدا والى اليمين رواق لم ادخل الى الداخل بل عدت وشربت من بحيرة ترتفع عن الارض ومسقوفة بشكل جميل ومعلق بهذه البحيرة طاسات نحاسية، كل طاسة مربوطة بسلسلة والشارب يغرف من البحيرة وفي اسفلها على ما اذكر ممر تتسرب منه المياه الزائدة، يتبع هذا الجامع مدرسة تسمى المدرسة الاحمدية، تعلم الطلاب مجانا وتتكفل بملبسهم ومأكلهم. كان لي زميل وجار في هذه المدرسة اسمه عبد الرحيم الجش.

في العام الماضي 2003 ذهبت الى صيدا في مناسبة تعزية رأيت رجلا يقول لي انا انتظرك هنا ريثما تعود، لم اعرفه، نزلت من البيت حيث عزينا النساء وركبت الى جانبه، قال انا كنت اذهب الى سحماتا عند بيت جدي، عرفته وقلت عمر صهيون، قال عمر ابو صهيون وهكذا بعد ما يقرب من 58 سنة اعود والتقي بهذا الشاب النبيل وابن البيت الذي احفظ له التقدير والاحترام.

في اليوم التالي ذهبنا الى الملعب وكل مشغول بنفسه وجميعنا لا خبرة سابقة لنا، تمشيت في الملعب منتظرا دور لعبتي، استوقفني ولد وقال ما هي لعبتك قلت 150م قال الله يساعدك انت مع الغندور. رحت أبحث عن هذا الغندور، رأيته ورحت أتأمله، وجدته أطول مني و ابرز ما فيه ساقان طويلتان. جاء دورنا وركضت مع الراكضين ولكنني لا ادري ما كان ترتيبي اي انني لم احقق نجاحا كما كان في التصفية وكذلك بقية افراد الفريق لم نفز باي لعبة اولا او ثانيا او ثالثا اظن ان ترتيبنا كقرية كان الاخير. انتهت المباراة، ذهبنا الى البوسطة لتعود الى القرية و اذا مدير المدرسة خليل الديماسي ياتي ويشتمنا لفشلنا ونسي انه تركنا نجوب عكا طوال اليوم نأكل ما يلزم وما لا يلزم، فلافل بوظة وغيرها مما جعلنا نخفق في المباراة، وصلنا القرية مع مغيب الشمس وجدنا العشرات من رجال القرية ينتظروننا على مدخل القرية ـ الكوربة ـ سألوني عن النتيجة، اخبرناهم ولا انسى وهم يرجعون صامتين كمن خسر معركة، والحقيقة انها معركة رياضية، تقدم كل قرية افضل ابنائها للمباراة. في السنة التالية 46/47 اشتركنا ايضا في المباراة او في هذا المهرجان الرياضي الجميل، اشتركت في نفس الالعاب 150م او 200م والثلاثة ارجل والبدل، وكان استعدادنا كالسنة السابقة، نذهب كل يوم عصرا الى البيادر في شهر نيسان والنصف الاول من ايار. وعادت اللجنة المشرفة للتدقيق في اهليتنا للمباراة، فوجدت ان بعض من كانوا في فئة المتوسطين اصبحوا من الكبار، اما ان يلعبوا او يخرجوا وبقيت أنا في فئة الصغار. كان حظنا هذا العام اوفر بل قل ان اسستعدادنا النفسي و البدني كان افضل - اتذكر ايضا انني تجولت مع عبدالله ابو صهيون في اسواق عكا وهي مسقوفة في معظمها واشار الى الجدار وقال انظر في هذه الثغرة منها هرب اليهود من السجن مستغلين استعداد االمسؤولين لتهيئة وسائل النجاح للمهرجان الرياضي - فقد حصلنا على المرتبة الاولى في لعبة الاكياس وعلى الدرجة الثانية في لعبة الثلاثة ارجل والتي لعبنا انا وزميلي خالد سعيد كما فزت بالمرتبة الثالثة بالركض او العدو وهكذا اكون حققت نجاحين من الالعاب التي الثلاثة التي اشترك فيها والثالثة هي لعبة البدل، عرفت ان التدريب الجيد والخبرة والثقة بالنفس من اهم عناصر النجاح وكما في السنة السابقة استضافنا الرجل الكريم ابو فايز حميد ابو صهيون.

كنت بعد مباراة السنة الاولى ذكرت لأهلي ما حصل معنا فذهبت والدتي الى عكا لشكرهم. وفي هذا العام ذهب اخي معي مع انه اخبرها انه لا يحق له الدخول الى الملعب وانه لم يراني فقالت، رحمه الله، لا يهم مصروفك علي. وهذه السنة كانت معاملة مدير المدرسة لنا افضل، فقد اخذنا في اليوم الاول الى مطعم للغذاء، اقول كان الطلاب كلهم يساهمون في النفقات ونحن المشتركين ندفع اكثر من غيرنا بكثير ولكن سوء الادارة والتوجيه كان من المدير مع حبي له واعجابي به وهو صاحب الفضل في تقديم المسرحية الرائعة في ايامي اواسط الاربعينات وكان قد قدمها في اواسط العشرينات على ما اظن- لا انكر لهذا المدير حرصه على نجاحنا وكان يعلمنا مادة الحساب وكان مفتش المعارف يحضر مرة في السنة على ما اذكر وقد اعطانا خمسة اسئلة متنوعة وكان المدير قد نظم جلوسنا بحيث أجلس الضعفاء الى جنب الاقوياء للمساعدة في حل الاسئلة وكان باستطاعتي ان احل السؤال اثناء كتابته على السبورة لاني حافظ للقاعدة ومتمرن عليها كثيرا. سلمت الدفتر وكنت احاول مساعدة جاري، راني المفتش و صرخ بصوت عال - اطلع اركع برّه - كان المدير يجلس الى جانبه ويصححان الاجابه مباشرة فمال المدير عليه يقول هذا سلم دفتره فقال اقعد جيدا. صححت الاجابات على الاسئلة الخمسة وكانت جميعها صحيحة عندي، وسمعت المفتش رضا ايراني يقول للمدير: هذا تلميذ!! اقول ان جميع الاسئلة حلت في الصف، البعض حل سؤالين او ثلاثة ولكنني كنت الوحيد الذي حل الاسئلة الخمسة.

حدث في هذه الفترة حادث مؤسف جدا اهتزت له القرية فقد قتل احد شباب القرية محمد شحادة وهو ابن الشيخ شحادة امام المسجد وصاحب البيت الذي سكنّا فيه سنوات. صديق محمد ابن الشيخ ابراهيم شيخ قرية كسرى القريبة من قريتنا والتي لا يفصلنا عنها سوى قرية - كفر سميع - وهما صديقان وكان محمد شحادة في زيارة لصديقه محمد ابراهيم، كان في البيت بندقية صيد - جفت - كان اصحاب البيت على البيادر المجاورة للبيت والضيف نائم في البيت، قام وحمل الجفت وخرج من القرية ورأته بنت الشيخ ابراهيم، اخبرت أخاها تبعه طلب منه محمد شحادة ان يرجع، لم يرجع ولا اظن انه كان يعتقد ان صديقه سيطلق عليه النار ولكن هكذا كان. وحوادث القتل كانت قليلة جدا، تمر سنوات ولا تحصل حادثة كهذه. استطاع محمد شحادة ان يجري الى كفر سميع وهناك لحقه البعض واوسعوه ضربا ثم سلم للبوليس. سرت شائعة ان اهل كسرى قد يهاجمون القرية. خرجت مجموعة من الشيوخ والشباب ووقفوا على مرتفع من الارض - درب الدورة- وهو مشرف على سهل يفصلنا عن كفر سميع، اي أن اي حركة تستطيع ان تراهم من بعيد. لم نر شيئا وسمعت احدهم يقول ان بيننا وبين قرية بيت جن وهي قرية الى الشرق من سحماتا ومتاخمة لها، حلف قديم. يقول على ان ينصر احدنا الاخر اذا وقع عليه اعتداء. رد عليه احدهم هذا كلام لا يجوز لان اهل بيت جن واهل كسرى من طائفة واحدة - من الموحدين - و ليس من الكرامة ان تطلب منهم النصرة على اخوانهم.

اقترح رجل اخر ان نخبر مركز البوليس وهو الجهة الصالحة للتدخل، لاقت الفكرة قبولا، كنت بين الموجودين وأحمل عصا وقد التقيت برجل وانا ذاهب حيث التجمع وهو عائد فقال الى اين يا ولد قلت فازع قال اعطنا هذه العصا قلت لن اعطيك اياها. قالوا من يستطيع ان يصل الى مركز البوليس في نصف ساعة قلت انا معتمدا على مقدرتي في العدو السريع، تركت عصاي عندهم وانطلقت منفردا مسرعا الى مركز البوليس وهو يقع الى الغرب من ترشيحا وبيننا وبين ترشيحا حوالي ثلاث كيلومترات او اكثر. قطعت هذا الماراثون وانا ممتلىء همة واحساسا بالمسؤولية وصلت الى مركز البوليس وهو الى يسار الذاهب الى عكا يبتعد عن الشارع الرئيسي حوالي خمسين مترا. الطريق معبد، حين وصلت رأيت بوليسيا على المدخل واظني رأيت خلف رأسه جواد اخبرته بانني ارسلت اطلب النجدة قال طيب روح. عدت وقد اخذ مني التعب كل ماخذ وقبل ان اقطع الخمسين مترا كانت سيارة البوليس تتجاوزني مسرعة (كتبت لم ياخذوني معهم) الى القرية. وصلت بعد غروب الشمس بقليل منهكا ولم اجد احدا في ساحة القرية او الرحبة. ذهبت الى البيت لم اخبر اهلي بما جرى ولم يسألني احد فالوقت الذي عدت فيه هو الوقت الذي نعود فيه من اللعب. اني حزين لهذا الحادث المؤسف لان فيه غدر وخيانة وطعنة للصداقة، اضيف الى ذلك ان علاقتنا بجيراننا بني معروف علاقة صداقة واخوة ولا اعرف غير هذا الحادث شيئا عكر علاقات بلدتنا بجيرانها.

لقد بذلت القرية جهدا قويا تقتضيه المسؤولية هكذا كنت اشعر حتى تم اخيرا الصلح بين قريتنا وكسرى البلدة المضيافة والتي قدر لي ان ازورها بعد هذا الحادث وازور مع جدي بيت الشيخ ابراهيم والد المغدور وهو بيت واسع وداره واسعة، بوابته مقابلة لقريتنا للشمال، كما زرت قرية يانوح ولما مررت بها شاهدت صبية بهية الطلة تخبز على الصاج، ألقينا عليها التحية وتابعنا الطريق منحدرين الى يركا لا اذكر شيئا الا اني رأيت اسطح القرية، اظنني كنت شبه نائم وقد زرت ايضا بيت جن ونمت فيها وحرفيش ونمت فيها سنة 1936، اما زيارتي لبيت جن و كسرى ويانوح ويركا فكان بعد ذلك بحوالي سبع او ثمان سنوات.

اذكر ايضا في تلك الفترة 45/47 كنا نقوم ببعض الرحلات منها رحلة الى وادي الحبيس وهو واد تجري منه المياه في الصيف ومنه عدة ينابيع منها عين النمر وتصب المياه من مزراب يعلو الوادي باكثر من متر وكنت ارى بعض الثيران تضع فمها على المزراب فلا تشرب الا من رأس النبع، الى هذا المكان ترد قطعان الماشية من البقر والماعز للسقاية. وهناك أجران يسكب الرعاة فيها الماء لتسهيل الشرب عندما تكون المياه شحيحة. اقول استمتعنا بهذه الرحلة و قمنا بجمع بعض رؤوس نباتية ـ ركف ـ يقال انه يخدر السمك. حولت المياه عن غدير وضعنا فيه الركف وكثير من التراب وقام بعض الطلاب الذين يكبروننا سنا ولهم خبرة في هذا المجال بتعكير الماء فخرج السمك من مخابئه واحضرنا بعضها. رحلة اخرى الى نبع - طيرية - وهو في اول أرض البقيعة وهو يسقي بساتين تفاح ورمان وغيرها من المزروعات بندورة، كوسا، رحلة اخرى الى غابة سنديان قريبة من نبع طيرية وهي غابة صغيرة ولكنها مهيبة واشجارها من السنديان لم أرى مثلها في حياتي. كان يرافقنا في هذه الرحلة بائع العنبر وهي حلوى من السكر مصبوغة باللون الاحمر الزهري وهذا الملك يدعى الملك. سمعت انه كان غنيا وخسر ماله في لعب القمار فتحول الى بائع كعكبان كما كنا نسميه والعنبر كما رأيت اللبنانيين يسمونه لا تخلو الرحلة من أناشيد او اغاني ومنها ما كان يغنيه بائع العنبر رقو رقون رقو قشر البندق ما رقو

كان يحضر الى القرية بين الفترة والاخرى مدربو القرود يلاعب السعدان هكذا تعجن الصبية وهكذا تعجن العجوز وهكذا يمشي الشاب وهكذا يمشي الختيار يقدم البعض للسعدان تين يابس يفتح السعدان الحبة اذا كانت مسوسة يرميها ونحن نتفرج ونعجب من ذكاء القرد. كما كان يحضر بعض الحواة يقومان بألعاب الخفة كان يحرق قطعة نقود ورقية ويسحقها في جرن نحاس يمر على البعض ليلمسوا المسحوق بأيديهم تاكيدا على حرقها وسحقها ثم يعيدها كما كانت او يخرج حبلا من شفرة الحلاق من فمه وغيرها من العاب الخفة ثم يدور على الحضور يجمع منهم النقود. اذكر المقدمة التي يقولها قبل اللعب وقد يكررها: كلا كلا كلا حاوي سيماوي ياكل النار بالشوكة يتنشق بالمسلات بيضرب الصبي على بطنه ينزل منه عشر بيضات بيضرب البيضة بالارض يطلع منها حيايا وعقارب و فيران كلا كلا كلا.

كما كان يحضر رجل يحمل على ظهره صندوقا مدهونا فيه ثلاث او اربع مرايا دائرية ومعه مقعد يقعد الاولاد عليه وتنظر من خلال المراة المكبرة وهو يقف الى جانب الصندوق يحرك شيئا في داخله وهو صور اظنه يلفها على اسطوانة وينظر من فوق يرى الصورة وكل صورة لها اغنية تفرج على ابو زيد ابو زيد الهلالي بيده حربه بتلالي وهكذا ونحن نستمتع بهذه الصور المكبرة ونحن نرى ابو زيد يركب حصانه وهكذا. هذا هو صندوق الفرجة. كنت ارى الختيارية ياخذون هم ايضا دورهم ويتفرجون بعد ان يكون الاولاد قد انفضوا. اذكر ايضا انني شاهدت مسرح العرائس الدمى المتحركة، جاء رجل نصب خيطا يعلو الارض بمقدار شبر ودار حوار بين لعبتين جميلة وجميل باللهجة المصرية. وافضل ما شاهدت في هذا المجال، سيركا، في اليوم الاول نصب السيرك حبل يرتفع عن الارض ما يقرب ثلاثة امتار، مشى احدهم على الحبل مستعينا بعصا طويلة للتوازن وزحف احدهم على الحبل و تحته صينية و رقصت امراة على الحبل وعلى راسها ابريق، نام منهم على قطعة خشب فيها مسامير متراصة ووقف رجل فوقه، التقط ولد من افراد السيرك ابرة عن الارض بجفنيه. بالنسبة لي هذا افضل ما رأيت من وسائل الترفيه، كان ذلك سنة 1946. كما لا تعدم بعض مدربي الحيوانات فقد رأيت رجلا له عنزة وحمار وقد دربهم على الاستلقاء والقيام حسب ما يطلب منهم. في هذه السنة ايضا شاهدت فيلما عرضته الدولة و حضره جمع غفير من الناس اذكر في أوله صورة مستر ونستون تشرشل وبعض الالعاب الرياضية. الان عندما اتذكر ذلك ارى ان قرانا كانت على شيء من الثقافة سواء بالنسبة للتعلم كما ذكرت، ففي القرية مدرسة للصف الابتدائي السادس مع مدرسة زراعية وكتب تراث تقرأ في الشتاء وهي كثيرة وحفظ للحكم والامثال والقصص الشعبية مما لا أراه الآن او ارى بديلا له.

حادث اخر اذكره في هذه الفترة وهو مقتل احد ابناء القرية، العبد شرف، وهو من الخارجين على القانون والدولة تتعقبهم اذكر انني رأيت مجموعة منهم تسير في وسط القرية: سعيد رافع، محمود قيس، صالح الدوخي. اذكر هذه الاسماء ولكن المجموعة كانت اكثر من ثلاثة. رأيت العبد شرف يطلق النار من امام المدرسة الفوقا- المدرسة الزراعية على نخلة أمام بيت في الحارة التحتا ورأيته يطلق النار من مسدسه على أفعى على شجرة حتى قتلها بعد عدة رصاصات. اقول قد يكون الفقر الشديد هو سبب خروج البعض على القانون فالتعاون الاجتماعي لم يكن وثيقا فلا جمعيات ترعى الفقراء والعجزة وانما الامر متروك للمبادرة الفردية يتصدق البعض احيانا ولكن هذه الطريقة لا تف بالغرض. اذكر انني سمعت من بعض زملائي ان رجلا طاعنا في السن كان يفرك ورق التين اليابس ويضعه في غليونه بدل التبغ اذا عرفت ان قريتنا مشهورة بزراعة التبغ وان الشركة تتلف كل سنة كمية كبيرة من الدخان تعتبره غير صالح اذ انه قد يكون زائدا عن حاجتها، تقول ايعقل ان يدخن رجل ورق التين ويحرق الدخان بكميات كبيرة ذلك من الحديث عن الترابط الاجتماعي هي زيارات في المناسبات اعياد، افراح، اتراح. تساعده على البيادر في تذرية الحبوب وهي ضرورة لانه لا يمكن لصاحب البيادر وحده ان يقوم بعملية التذرية. اذكر عجوزا ارملة كنت اسمع انها من صفد وضع والدي مد قمح على الدابة وقال لي اوصل هذه لزهرة سعدة، اسم المرأة، اخذته المرأة عاتبة، قد يكون أبي لا يحسب حسابها دائما. اقول كان البعض لا يملك الا ملابسه التي يلبسها فاذا غسلها قد لا يجد ما يلبس. اثاث البيوت بسيط جدا والبيوت القديمة كثيرة منها لا نوافذ له الا الباب الذي يدخل منه.

اعود لاكمل قصة العبد شرف فقد تبعته الدولة ورصدته في قرية البقيعة في بيت كان يتردد عليه واحكمت الطوق وعندما شعر انه يحاصر حاول الخروج من شباك مطل على سطح ولكن البوليس اطلق عليه النار فقتله. ذهب الكثير من افراد القرية واحضروا الجثة ودفن في اليوم التالي وقد بني له قبر والذي بناه هو الخواجه عيد الرجل الذي قطع لنا حجارة البيت وبنى لنا تصوينة جدار الدار الخارجي من الجهة الجنوبية وقد كان يبني القبور الى جانب قطع الحجارة وبعض اعمال البناء. اقول كان يقوم بتسوية الحجارة في كرم تين لنا ملاصق للمقبرة وكنت انا احرس كرم التين من السرقة وقد نمت صداقة بيني وبين الخواجة عيد وهو يروي لي الحكايات عن جحا او بعض الحزازير القديمة وقد علمني نحت الحجارة بآلة كالمشط من جهة خشنة ومن جهة ناعمة مع الزاوية فأسوي الحجر بالخشنة ثم الناعمة مستعملا الزاوية لضبط اوجه الحجر. لقد نحت جميع احجار قبر عبد شرف وبناه الخواجه عيد. وكنت ارى والده وهو على عجزه يأتي يجلس جنب القبر ويبكي. سمعته يقول ضحكوا عليك يا عيد. اقول عبارة ضحكوا عليك تردد في كل حادث. فكل عمل يفشل فيه حتى وان كان في المدرسة مثلا فلا بد ان أحد ضحك على الولد والهاه عن دروسه ودرس هو في غيابه. اذكر بعض العيوب الاجتماعية وهي كثيرة، ان الخارج على القانون هذا كان يرهب الناس ويكسب أهله قوة يعتدون بها على الناس معتمدين على قريبهم الخارج على القانون. في ايام الصيف يصيب الرمد كثيرا من الناس وهو التهاب في العينين يصيبها بالاحمرار والدمع والالم يستمر عدة ايام وهناك علاجات بسيطة له. كما كانت تكثر الدمامل. رذيلة اخرى كانت متفشية هي السرقة، سرقة مواشي بقر، ماعز، دكاكين. كما كانت هناك سيئة أسوأ من السرقة، اكتب وأنا أخجل مما اكتب ولكنها الموضوعية والتجرد. اقول سيئة اخرى هي اتلاف المزروعات وقطع الاشجار فقد قطع لنا كرم زيتون اسمه كرم مصلح، لنا نصفه ولبيت مرّة النصف قطع ليلة او في الايام الاولى التي ولدت فيها وقد روت لي والدتي هذه الحادثة عشرات المرات ان لم يكن اكثر وهي تتباهى بان شريكتنا في الكرم جاءت تخبرها بانهم قطعوا كرم مصلح ولكن والدتي لم تكترث مما اغضب المرأة وعادت تقول طبعا غير مهتمة لانها مخلفة صبي، قالت لي انها لم تشأ ان تعكر حليبها لانه يضر بصحة الطفل. كما كان يحدث اتلاف الدخان قبل ان ينضج او اتلاف مشاتل الدخان برش الملح فوقها، الحسد والكيد والنميمة والحاق الضرر بالناس كانت بضاعة رائجة وعلى الضعيف المداراة والمساواة ولا يسلم بل يعتدى على زرعه وضرعه.

كانت تقوم بين الاولاد ألعاب بريئة مثل اولك يا اسكندراني وخرج الملاح والغميضة ومنها ما تكون بين اولاد الحارة الفوقا واولاد الحارة التحتا، لم اكن في الفريقين ولا من العائلتين وان كنت اشارك احيانا معتبرا اياها لعبة. والقتال بالحجارة، كان اولاد الحارة التحتا اكثر عددا ولكن يتمتع اولاد الحارة الفوقا بموقع استراتيجي في مكان مرتفع، كان القتال على اشده، فريق في اعلى مقبرة القرية وفريق اسفلها وهي مقبرة كبيرة جدا مما يدل على ان القرية كانت قديما اكبر مما هي بكثير. اذا بالمختار سعيد مختار الحارة الفوقا يرانا يتراجع الاولاد، ولكنه يستدعينا، احضر ورقة وقال لي اكتب، كان المختار أميا. كتبت ما أملاه علي. اذكر أوله كنت خارجا من بيتي شاهدت (وكتبت اننا كنا نلعب) وفي النهاية قال وقع المختار سعيد العبد، وقعت بسرعة وبخط زائد مما ادهش زملائي، قال لي اعط هذه للاستاذ غدا، توقعت عقابا شديدا للتلاميذ المشاركين، وفي اليوم التالي اعطينا الورقة للاستاذ، ففتحها وقرأها و لم يفعل شيئا، شعرت ان الاستاذ قام بعمل سيء وكان عليه ان يسأل ويتحرى على الاقل احتراما للمختار. اقول على كثرة المساوىء الخلقية واظن بعضها ناشيء عن الفقر والجهل فقد كان هناك مظاهر جيدة تتجلى في الافراح والاتراح حيث يشترك معظم اهالي القرية في الاعراس والمآتم. ومن المآتم المتميزة هي عندما يموت احد من اصحاب الطريقة القادرية، فيخرج العدة والاعلام وهي اعلام كبيرة عليها كتابات كثيرة يحملها شبانا اقوياء. وفي منتصف الطريق الى المقبرة رأيت الشيخ مصطفى يضرب مقدمة النعش بمحجانة (عصا ذات عقد يحملها بعض اصحاب الطرق) ويقول ارجع ارجع ارجع وهكذا يستدير الشباب الذين يحملون النعش ويركضون كالبرق الى بيت الفقيد يقولون انه يريد ان يودع أهله الوداع الاخير. يصل النعش أمام بيت أهله فترة وجيزة ثم يحمله الشباب الى المقبرة ويدفن وتكسر عكازته وتعصب بشاهد القبر (رأيت قبرا هكذا) واحيانا يقولون ان الاعلام تسير بحامليها رغما عنهم فيبتعدون عن الناس مئات الامتار ثم يعودون. جاء احدهم لتجبير ابهامه بعد ان كان يحمل العلم، جاء حسين يوسف وزيدان وقام والدي بعملية التجبير وهي بسيطة في مثل هذه الحالة لا كسر وسأله والدي: هل صحيح ان الاعلام تحملكم ام انكم انتم تجرون بها؟ قال يا ابو محمد ما اعرفه اننا كنا نركض بسرعة لا نعرفها في انفسنا. اقول سمعت هذا الحديث وانا صغير السن في الحادية عشرة على ما اظن، ولكنني على صغر سني لم اكن مقتنعا ان الاعلام طارت بهم. كما سمعت ايضا ان احد اجدادهم كانوا يحملون نعشه ومر من جنب البركة، وهي بركة عميقة وواسعة والطريق تمر من جانبها تماما، سمعت ان صاحب الطريقة هذا قد نزل نعشه في البركة وخرج جافا. اقول لا يمكن لهذه الاحاديث الا ان تترك اثرا في النفس ان اضفته الى التربية المحافظة فلا يعود يصعب تصديق مثل هذه المرويات، وايضا لاصحاب الطريقة القادرية في قريتنا اقول انني اعرف عنهم العفة والايمان وكنت اسمع والدتي تخاطبهم يا سيدي احتراما وتقديرا وهو يختلف عن احترام الفقراء للاغنياء او الاقوياء، كما ان امرأة منهم تسمى حمدة تقوم بعملية التوليد وهناك امرأة اخرى تقوم بنفس العملية وهي شيخة الشيخ.

في صيف هذا العام 47 كنت عائدا من البيادر الى البيت مارا بطريق فرعي يوصل الى البيت، تعرض لي ثلاثة اولاد محاولين انتزاع ما معي من مقاليع وهي ثلاثة احدها من الجلد والاخر من الصوف والثالث من قماش سميك (خام شوادر) كنت اضع يدي في جيبي قابضا على جيبي بشدة، مرت دقائق قليلة وانا احاورهم، تارة اقول لهم ساعطيكم مقلاع ثم ارفض، ونحن في هذه الحالة رأيت المختار سعيد من بعيد، عرف انهم يحاولون الاعتداء عليّ، صرخ من بعيد فهرب الاولاد ولحق بهم، هم يركضون باقصى سرعتهم وهو وراءهم، قطعوا المقبرة وهي كبيرة وغابوا في كروم التين، عرفت بعدها انه طاردهم حتى المرشقة وهي تبعد مئات الامتار، وتابعت طريقي مارا بالشيخ ابراهيم وهو قبر قديم من طين وحجمه كبير وفيه فتحة لوضع مصباح فيها لاضاءة القبر لمن تنذر نذر للشيخ ابراهيم. كنت اسمع انه احد ابطال الحروب الصليبية وقبره الذي يقع غلى تلة مرتفعة يقابل تلة اخرى في بلدة ترشيحا وعلى هذه التلة قبر شيحا جمال الدين احد ابطال الحروب الصليبية. قرأت قصة الملك الظاهر بيبرس وفيها هذان الاسمان شيحا جمال الدين وابراهيم الحوراني قرأت هذه القصة في المرحلة الابتدائية، من ضمن ما قرأت، سيرة عنترة اربعة مجلدات، قصة الزير سالم، تغريبة بني هلال، حمزة البهلوان الف ليلة وليلة، نوادر ابي نواس، دلائل الخيرات، سيف بن ذي يزن وغيرها

لا تخلو هذه القصص من ألفاظ تخدش الحياء، الشعر والنثر يتنافسان في قصة الزير وتغريبة بني هلال وكتب عنترة، أما في قصة الملك الظاهر فهي نثر ولا اذكر انني قرأت فيها شعرا، بيتين على ما اظن وهما :

قان قانات الحصون وعزها
شيحا جمال الدين يعني الظاهري

سلطان من سل الشواكر في الوغى
يوم الجهاد وللاعادي قاهر

استنتجت وقتها ان قان لقب كبير ولكنني لم اعرف معنى الشواكر، سألت والدي فقال هي سيف قصير والواحدة شاكرية كالخنجر.

زرت قرية المزار او سبلان، ذهبت منفردا ولنا ارض في الارض الشرقية، ارض واسعة تصلح كمحمية لما فيها من اشجار متنوعة السنديان، بلوط، بطم، شبرق وغيرها كثير. بالاضافة للحيوانات البرية والطيور البرية اقول في اسفل ارضنا هذه – المرانة- اسم الارض وادي الحبيس ومصب عين النمر قطعت هذه وذهبت صعدا في الممر الجبلي الضيق الذي يوصل الى سبلان كما اوصاني والدي عندما رأيت شخصا في اول القرية يرعى حملا قلت له انا ابن كامل خشان فاستقبلني، كان اسمه يوسف، قطف لي حبات من الجربيح، ثم ذهبنا الى القرية، وهي صغيرة وبيوتها بدائية بالقرب منها المقبرة، ذهبت اليها، رأيت قبرا متميزا ببنائه وعلى الشاهد مرآة وهو قبر حميد على ما اذكر وكان قد قتله الانكليز في ثورة 1936، في هذه القرية مزار النبي سبلان الذي يزوره الناس في مناسبات كثيرة. كنت قد زرت القرية قبلا و نزلت الى المغارة وهي داخل غرفة معلق فيها فساتين كثيرة وقديمة، ونذرت وقتها عشرة قروش بخور لسبلان، خرجت من فلسطين وقد وفيت بنذري باني تصدقت بليرة لبنانية في اوائل الخمسينات و هي تعادل العشرة قروش

من مذكرات إبن سحماتا الكاتب محمد خشان - 5

قال لي الرجل شو رأيك يا محمد هذه الطائرات عربية والا يهودية؟

فلسطين في نهاية الاربعينيات

(...)

عثر فلاح وهو يحرث كرم الزيتون على مسطبة مرصعة بالفسيفساء حضر المطران على ما اعتقد وزار الموقع مع مجموعة من القرية وشاهد ارضية الفسيفساء وكنت من ضمن الحضور بل اقف في المقدمة وانظر الى البقعة وضعت فوقها قطعة حصير ثم ردمت ثانية قيل انها بقايا كنيسة قديمة. اذكر ايضا في تلك الفترة كنت اتجول بالقرب من القرية رايت مجموعة من الرجال تقدمت واذا بهم قد حفروا حفرة واسعة وعميقة وبنوا جوانبها بحجارة كلسية من كلس المنطقة ثم رأيتهم بعد ايام يجمعون البلان اليابس وغيره وقودا للنار التي اججوها حيث تتحول هذه الحجارة الى كلس ويسمى هذا المكان الذي يضعون فيه الكلس (الاتون) وبالقرب من القرية في الجهة الشمالية شاهدت غرفة منحوتة في الحجارة وقد لفت نظري انها بحجم غرفة وان بابها الحجري قد نحت بدقة كانه باب حديث. والى الشمال من القرية عين برزة وفيها اثار قديمة كنت اذهب املا الماء واحمله على الدابة وانقله الى ارض لنا تسمى شلول برزة كان والدي قد اتفق مع ابن عمه حامد خشان على زراعتها دخان لان زراعة الدخان يحتاج الى ايدي عاملة كثيرة وقد اعطت هذه الارض نتاجا جيدا ووفيرا، علقت حصتنا من كبوش الدخان في سقف البيت وعند سقوط البلدة اظن ان من دخل بيتنا قد فوجىء بانه مستودع غلال.

كان ذلك في صيف 1948 وقد ساعدت والدي لساعات في قلع شتول الدخان من الارض استعدادا لزرعها، كان ذلك في ايلول او تشرين الاول لانني وصلت الى صور مع اهلي ولا تزال اثار الجروح في يدي فأنا لم اتعود العمل و كانت كل شتلة كأنها شجرة صغيرة: اعتقد ان هذا القسم عن زراعة الدخان في شلول برزة، كان يجب ان يؤجل لانه يقع بين أيلول الذي كان بداية للحرب وتشرين الاول الذي اخرجنا فيه من بلادنا.

اعود لاقول انتهى صيف 1947 وكنت خلاله لا انقطع عن زيارة خالتي تمام في الحارة التحتا. جاء أيلول 1947 وهو موعد افتتاح المدارس وكنت قد انهيت الصف السادس في قريتي ولا يوجد فيها صف اعلى. ذهب بعض الاولاد ممن كانوا في صفي الى قرية معليا وهي بعد قرية ترشيحا المجاورة لنا. لم توافق والدتي على ارسالي، غضبتُ وثرت ولم يثني ذلك والدتي عن عزمها ولا ادري لماذا لم يتدخل والدي، اذكر ايضا ان والدتي استعانت بخالتي تمام لاقناعي بعدم الذهاب الى معليا. كذلك استغرب كيف ان خالتي على حصافتها استجابت لاختها، لا ادري ربما لان خالتي ليس لها اولاد ولان اختها الكبيرة ليس لها سوى هذا الولد، اظن انها كانت تقدر خوف أمي عليّ من الذهاب يوميا الى بلدة تبعد كيلومترات عديدة ولا توجد سيارة كل يوم. على اي حال فقد كان ذلك خطأ كبيرا. في تلك الاثناء بدأنا نسمع عن خلاف بين العمال العرب واليهود في حيفا في مصفاة البترول وعن احداث اخرى في يافا وغيرها من مدن فلسطين ثم توالت الاحداث واقفلت المدارس و ابتدأ المتطوعون العرب يفدون الى فلسطين

أول من وصل الى قريتنا سحماتا متطوعون سوريون حوالي خمسمئة بنادقهم فرنسية قصيرة وطويلة على ما اذكر، في الحارة وهي مجمع دكاكين القرية وحيث يجتمع الناس ناول متطوع حذاءه للاسكافي ليصلحه وطلب مني ان امسك البندقية، مسكتها، كانت اطول مني، رفعتها عن الارض وجدتها ثقيلة لا تناسبني، ثم وزع المتطوعون على البلدة ثلاث وخماس وسباع، الفقراء اعفوا من هذا الواجب واقل من اصابع اليد الواحدة استضاف كل منهم سبعة متطوعين، كان نصيبنا خمسة متطوعين

اذكر ان احدهم من بيت البرازي وكانوا ينادونه بالبيت اثناء السهرة كنت ألعب ببندقية فرنسية قصيرة وجدتها خفيفة تمنيت لو كان لنا مثلها. مددنا الفراش للنوم، رأيت احدهم يضع فرشته فوق غرشة البرازي لينام على فرشين وهيأنا لهذا الشاب فرشا جديدا. في اليوم التالي غادر المتطوعون القرية لانه لا يوجد في منطقتنا يهود، اقصد في قضاء عكا. توجد بعض المستعمرات وهي قليلة السكان باستثناء مستعمرة نهاريا. مر بالقرية فوج آخر من المتطوعين لم يتوقفوا في القرية ولكن الاهالي استقبلوهم بالهتاف وهم يمرون ويرمون اليهم جرز من الدخان ودفاتر ورق الشام للف التبغ، استشعر الناس الخطر واجتمعت اللجنة كما نسميها وهي هيئة تضم وجهاء البلدة درسوا الوضع حسب معرفتهم وقرروا الاستعداد وشراء السلاح. واعلموا كل بيت ما يتوجب عليه شراء بندقية او اثنين او اكثر. فرض علينا شراء بارودتين، كنت في المرحلة الابتدائية وهناك والدي وقد جاوز الخمسين واخي لأمي وهو في العشرينات. ذهبت أمي الى اللجنة مستنكرة فرض بارودتين على بيت فيه رجل لم يحمل السلاح في حياته وصبي صغير في حين بعض البيوت ممن لديهم وفرة من المال والرجال، ثلاثة بواريد، فاقتنعت اللجنة. عينت اللجنة أمينا للصندوق، وكانت النية ان تذهب لجنة من القرية لشراء السلاح من الدول العربية وجمع خمسة وثلاثون جنيها ثمنا للبندقية ثم ذهبت البعثة الى الشام وعادت دون سلاح وخاب ظنهم واعادوا المال الى اصحابه ليدبّر كل واحد نفسه ونشط تجار الاسلحة يجمعون من الصحاري، سمعت ان معظمها كان يجمع من صحراء العلمين وتكدست على مر السنين ثم يسوى بطريقة بدائية، وتباع البندقية من هذا النوع بخمسة وعشرين جنيها تزيد قليلا او تنقص قليلا والانكليزية او الكندية بمئة وعشرة جنيهات والرصاصة بعشرة قروش.

استطاع سكان القرية كل حسب قدرته ومعرفته ان يشتروا سلاحا متفاوت الجودة كما ذكرت، كان في القرية اكثر من 130 بندقية ورشاشين احضرهما شابان كانا في سلك البوليس الانكليزي وبضعة رشاشات صغيرة توميكن وستنكن (Tommy gun) هذا ما اذكر ولو كتبت هذه المذكرات منذ سنوات، لكنت اكثر تحديدا للاحداث والارقام. اشترينا بندقية من احد المتطوعين ومن حسن حظي انها كانت بندقية فرنسية قصيرة كما تمنيت، المقاتل اخي، والذي دفع ثمن البندقية والخرطوش والدي. حضر اخي استحكاما في الحاكورة التي امام البيت وهي تشرف عل الشارع الذي يمر امام القرية، كما اشترينا خنجرا مصدفا - خنجر مجدلاوي - و قنبلة ملز. اظنها من نوع انكليزي. في هذه الاثناء كان فريق من المتطوعون يعسكرون في قرية سبلان. وهي قرية على قمة مرتفعة و فيها مزار سبلان الذي سبق وذكرته. في هذه الاثناء قام المتطوعون العرب يؤازرهم شباب القرى المجاورة وهي كثيرة العدد بمهاجمة مستعمرة جدين وهي الى الغرب من ترشيحا، كنت أراها من بعيد عندما كنت اذهب مع والدي لشراء البرتقال من الكابري وهي بعد ترشيحا ومعليا الى شمال الذاهب غربا وتظهر كبقية قرية قديمة تحيط بها الاشجار. كان هناك جسر يؤدي الى المستعمرة، وكانت الخطة ان ينسف الجسر لمنع النجدات وفي نفس الوقت يكون قسم من المغاوير قد تسللوا الى القلعة كما تعيها ذاكرتي. حول القلعة مكشوف، قطعت الاشجار ربما كانوا يزرعون هذه الارض، سمعت ان الجسر نسف قبل وصول المتسللين الى جدران القلعة، اذكر انه قتل حوالي خمسة وبقيت جثثهم ملقاة وقد اكلتهم الوحوش والطيور، هذا العدد الغفير والذي لا تنقصه الشجاعة مع عدد غير قليل من المتطوعين كانوا يطلقون النار على القلعة، قد تصل الرصاصات وقد لا تصل وهناك على ما سمعت مدفع هاون يلقي بقنابله فتأتي بعيدة عن المستعمرة وعندما اخبروه بذلك عدّل الرماية فاصبحت تأتي قريبا من المهاجمين. اخبرنا انهم لم يشاهدوا احدا ولم تطلق عليهم طلقة ولكن شاهد اسراب من الحمام تطير من القرية. استمر الهجوم الى ما بعد الظهر عندما ظهرت دبابات انكليزية وبعض الطائرات. كان الهجوم قبل 15 يوما من اعلان قيام دول اسرائيل على ارض فلسطين. خاف القائد العام ان يقع جنوده ومن معهم بين بين نيران اليهود والانكليز القادمين من الغرب فأعطى امرا بالانسحاب عندما اخذت الرشاشات اليهم تعمل عملها. وكان انسحابا غير منظم في منطقة شديدة الوعورة. لم يقتل احد من القرية، لا ادري ان كان هناك قتلى غير الخمسة الاوائل ولكن عدد كبير منهم اصيبوا بكسور في ايديهم وارجلهم وهم يتسلقون الصخور، قام والدي وكان خبيرا بتجبير الكسور بتجبير اكثر من ثلاثة عشر على ما اذكر، اقول على ما اذكر لانني كنت احفظ الارقام والاحداث والتواريخ حفظا ممتازا اضاعت كثيرا منه السنون.

لم يكن الناس يشعرون بالخطر القادم ويتحدثون عن المعارك دون ادراك للعواقب او تقدير لما يجري. شكل شباب القرية ما سموه (حامية) للدفاع عن القرية ومثلها في القرى الاخرى كحامية ترشيحا ويرأسها محمد كمال، وحامية شعب و يرأسها ابو اسعاف. أما حامية سحماتا فيرأسها طالب فضة، وهو شاب كان يعمل موظفا في البوليس الانكليزي وكان غيره كثيرون في البوليس الانكليزي تركوا الخدمة بعد بداية الحرب، اذكر مجموعة من مقاتلي القرية حضروا معركة ترشيحا التي حدثت على مقربة من هذه القرية المجاورة لنا. وكان أحد الشباب قد وجد نفسه بين المهاجمين اليهود وهم ينسحبون، رأيت هذا الشاب ولا تزال الوهلة على وجهه من أثر المفاجأة، وطالب فضة يربت على كتفه قائلا هذا بطل. لم أر عليه امارات البطولة بل اثر الوهلة والارتباك، اقول في هذه المعركة ان اليهود هم الذين هاجموا القرية كعادتهم في معظم الاحيان. اذكر ايضا معركة الكابري وقد جرت بعد معركة جدين وكان يتردد اسم ساري بك ضابط اردني و د استعان بالاضافة لمن معه بشباب القرية واستطاع ان يوقع خسائر كثيرة بالقافلة التي كانت تنقل المؤن والعتاد لمستعمرة جدين.

عندما كان يقترب الخطر كان الناس يغادرون القرية الى الاحراج المجاورة خوفا من طيران العدو الذي كثيرا ما كنت اشاهده في اجواء ترشيحا وتطلق عليه قذائف مضاءة. كنت ارى القذائف تنفجر دون مستوى الطائرة بكثير مع ان الطائرات لم تكن على علو شاهق كانت القذائف المضادة تحدث عند انفجارها كتلة صغيرة كروية من الدخان لا تقنع الناظر ان هذا سلاح يسقط طائرة. أنني أسجل هنا احساسي.

اول خروج من بيتنا الى الاحراج القريبة يوم جمعة كانت بالنسبة لي اشبه بنزهة وعدنا في اليوم التالي الى البيت. كان الناس من قضاء طبريا والناصرة وغيرها يمرون بقريتنا في طريقهم الى الشمال الى لبنان. دخلنا الدار ولها بوابة عالية وواسعة لتدخل منها الدابة بحملها من حطب او غلال او غيره. لم يكن والدي ينزل بعد الاغراض من على الدواب واذا بشاب وسيم الطلعة يلبس عباءة يلقي السلام ويقف محاولا الكلام وكان لسانه ارتبط في حلقه وانا انظر اليه واخيرا قال. هل لديكم بعض الخبز، نظرت الى والدي وأحسست ان الارض تدور به وهو على هدوء طبعه و قلة كلامه يحاول ان يقول شيئا ولا يستطيع. هذه من اللحظات التي لن انساها واخيرا قال والدي كمن يسلم الروح انت ترى اننا عائدون الان استطيع ان اعطيك قمحا، ذهب الرجل وفي حلقي غضبة لم يعلمها الرجل ولا ابي. كان شتاء سنة 1948 شتاء ضياع وبلبلة فلا قيادة ولا من يسأل وكل قرية تتدبر امورها بنفسها، في الليل كان الاهالي يحرسون القرية بالتناوب ويقطع سكون الليل ازيز الرصاص ينطلق لاي حركة او اشاعة. كنا نجلس الى الموقد نتسلى بأكل التين اليابس او البرتقال شرب الزيزفون بالاضافة الى الشاي. والزيزفون له نكهة ولون الشاي تقريبا. كان لأخي محفظة من قماش فيها بعض الاوراق. كنت اراها دائما معلقة على الحائط وذات مرة خطر ببالي ان ارى ما فيها، رأيت بعض الاوراق فاذا في بعضها قصائد وطنية شعبية اذكر منها:
ذكر الرب اول ما بدينا خالق الناس من مية وطينا

يا ربي تخذل رجال الحكومة وتنصر جيوش المؤمنينا

وكل خاين للوطن قد صار ناكر ومع جيوش الغرب اصبح يذاكر

وقد ارسل الى طمرة عساكر وقبل الفجر كانوا مطوقينا

مسكوا الشيخ يحيى مع رجاله والشيخ عارف نده للي قبالوا

وقلهم يا اهل طمرة اليوم هبوا واتحدوا رجالكم بكل حبو

وكل منكم غلى المطلوب لبوا وكونوا للجيوش مطوقينا

في تشرين الثاني على وجه التقريب من عام 1947 اي مع بداية الحرب دخل بيتنا رجل ابيض اللون مشرب بحمرة وسيم الطلعة ملابسه بيضاء نظيفة مع حطة (كوفية) بيضاء. هذا الرجل كأني اعرفه فأوصافه تنطبق على ما سبق لوالدتي ان حدثتنا عنه مرارا على انه كان يأتي رجل من بيت المقدس يكرمه الناس بتأمين مؤونته من زيت الزيتون وكانت تحفظ عنه من صغرها مدحة نبوية: قصيدة في مدح الرسول، وقد حفظتها عنها على الوجه التالي

اول ما نبدى ونتكلم صلى الله على البدر وسلم

قدمه في الحجر علم و النبي كامل الوصفات

والنبي يا مليح القامة يا ما طاعت له حكاما

يا الله حجة بسلامة تنشاهد جبل عرفات

تنشاهد انوار نبينا واللي هداكم يهدينا

والزين من النار يحمينا كفي يا نار اللهبات

كفي يا نار وفوتيهم روحي للكفرة وخذيهم

امتي ما بفرط فيهم عليهم من روحي وذاتي

عليهم من الروح معنّى والزين من النار يضمنّا

وبنهر الكوثر يغسلنا بعد ما كنا فحمات

بعد ما كنا بظجة(ضجة) والغفار علينا بيرضى

منخش الفردوس و منحضى ومن الجنة بناكل ثمرات

من الجنة ناكل اثمار بما يضمنا المختار

سبحان العالي الستار رب العزة والقدرات

رب القدرة قادر يعفي يعلم بالظاهر والمخفي

يبعث الرزق المستكفي سبح له الطير في الظلمات

سبح له في الوكر دبيب يبعث له من الرزق نصيب

يونس كان امره عجيب ابتلعه الحوت بين الموجات

ابتلعه الحوت اول ما عدا يونس يا ما قاسى شده

غيب بطن الحوت مدة تنه استوفى الكتوبات

لما انه استوفى المكتوب امر الله ما منو هروب

سبحان من نجى ايوب ونصح جسده من البلوات



ما اذكره الآن اننا غادرنا البيت الى أرض الجبل للمرة الثانية وكان ذلك يوم جمعة ايضا، طلبت من اهلي ان اذهب الى البيت لأحضر بعض الاغراض، وصلت البيت، وهو كما سبق وذكرت، مشرف على الشارع: الكوربة. رأيت شاحنة وحولها مجموعة من الشباب، ذهبت لارى ما يحدث، وقفت في مكان يعلو الشارع فبدت الشاحنة والشباب اسفل مني وكان هناك قتيل يهودي مرميا غلى الأرض، احضروه من المعركة، كان عليه بقايا ملابس داخلية وقد تجمد الدم في شعره، فيظهر ان الاصابة كانت في الرأس. كان الشباب يتحاورون فيما يفعلون بهذه الجثة، اقترح احدهم دفنه. واقترح آخر حرقه، جزعت لهذه الكلمة فلم يسبق ان سمعت او رأيت شيئا كهذا. تركتهم يتجادلون وعدت الى البيت لأخذ الاغراض الى ارض الجبل وقد عدنا بعد يوم او يومين. في هذه المرة ابتعدت عن اهلي مستكشفا هذه المنطقة والتي لم يسبق لي ان زرت هذا الجزء من ارض القرية لم يسبق لي ان رأيتها سوى في المرة السابقة وهذه المرة رأيت بالقرب مني رجلا، ذهبت اليه ونظرت فاذا قطيع من الجمال اكثر من عشرين جملا لم يسبق ان رأيت جمالا بهذا العدد، يوجد في القرية جمالا لنقل الغلال من الارض الى البيادر ولكن قلة من الناس تملك اكثر من جملين. تحدثت مع هذا البدوي وسمعته يغني

زنوبه يا عرق التين يا زينة البساتين

يا ربي صبر و عين على فراق زنوبة

زنوبة زنوبتنا رحت و ما ودعتنا

بكينا وسات دمعتنا على فراق زنوبة

عدنا الى البيت وقد بدأت استشعر الخطر، فالأحداث تتلاحق وليس فيها ما يبشر بخير، كانت وسائل الاعلام عبارة عن راديو عند رئيس اللجنة، واللجنة هذه ورئيسها تقوم مقام البلدية وهي فاعلة وناشطة قامت برصف كثير من طرقات القرية ورممت نبع العين وفتحت صفّي الخامس والسادس الابتدائي عامي 45 و 46 وهي تلاحق ما يحدث في القرية من مشاكل وتعمل على حلها وقد فرضت اللجنة على كل رجل 16 سنة وما فوق جنيه فلسطيني او ما يعادله من زيت او حبوب. و لا انسى لرئيس البلدية علي العبد موقفا ينم عن مسؤولية وكرامة، فقد حدث خلاف بين مدير المدرسة خليل الديماسي والبلدة ولا ادري سبب هذا الخلاف ورفع تقريرا عن البلدة والمدرسة فيه كثير من الاساءة وعدم الدقة وقد اطلعني على مسودة هذا الكتاب زميل لي في الصف وجده في الغرفة المجاورة بين اوراق المدير. اقول اقفلت المدرسة لايام. ذهبت الى بيت رئيس البلدية وهم يجتمعون مرة في الاسبوع. للغرفة باب يطل على سطح للجهة الشرقية. باب خشبي مغلق، جلست استمع اليهم يتحاورون ويتجادلون، فهمت مما سمعت ان بعضهم سرق دجاجات لامرأة، حتى هذه الامور البسيطة كانوا يبحثونها. كنت استمع مستمتعا بهذا الجدال الذي يعلو وينخفض واذا الشباك ينفتح واذا بي في مواجهة رئيس اللجنة علي العبد، كان يلبس على رأسه طاقية بيضاء قال (مين) خشان صغير والله لو بدي أبيع هالطاقية لافتح لك المدرسة. اننا نفتقد لمثل هذا الرجل لحكمته ومعرفته لابناء القرى حتى من الاطفال وقد قال لي هذا الكلام الطيب بعد ان ذاع صيتي في القرية اثر التمثيلية الناجحة ولدرجتي في الصف وتفوقي في العدو (الركض)، والذي سبق وذكرت اشتراكنا في مهرجان عكا الرياضي.

اعود واقول كان الناس يجتمعون في الغرفة وفي الطريق يستمعون الى الاخبار اذكر مذيعا كان صوته يتهدج وهو يتكلم وقد قال الآم جئنا من المعركة. وبعد الاخبار كان تعليق لعزمي النشاشيبي والذي اظن انه كان مدير الاذاعة واحفظ بداية التعليق وهو: قاتلنا ونقاتل وسوف نقاتل. بالاضافة الى الاذاعة كان يصل الى القرية كل يوم جريدتان ( فلسطين و الدفاع) وفي الحارة حيث يتجمع الناس يقرأ أحدهم الاخبار بصوت مرتفع. والى جانب ذلك كان الشاب الطموح والذي سيبرز لاحقا (احمد اليماني) يكتب الاخبار ويلصقها على ابواب الدكاكين.

الآن وأنا في السبعينات اكتب ما اتذكر من حياتي شاهدت على التلفزيون خبرا لانكليزيا يتحدث عن ثورة 1936 في فلسطين وانه وجنرالا اخر مكلفين بملاحقة الثوار وانهم طوقوا قرية يعبد حيث الثوار يقودهم القائد فرحان السعدي واستعانوا بالطائرات والقي القبض على فرحان السعدي وقتل اكثر من مئة مناضل. سمعت هذا الكلام ورأي هذا الرجل بعلمه ما بأمرته من جيش ومعدات يطاردون ثوارا من الفلاحين يدافعون عن ارضهم، عن وطنهم وابنائهم.

منذ بداية الحرب وحتى قبيل اعلان قيام دولة اسرائيل على أرض فلسطين، كنت اشعر ان معنويات الناس كبيرة وهم يحققون بعض الانتصارات باسلحتهم البسيطة يساعدنا في هذا الاطمئنان قلة المستعمرات في الجليل الاعلى هذا الى جهل الناس بما يحدث في المناطق الاخرى من فلسطين، وفي أيار سقطت عكا وصفد ونحن في الوسط بين المدينتين، صفد في الشرق وعكا في الغرب و نزح كثير من سكان القرى المجاورة لعكا وسكن معظمهم في قريتنا. وبعد اعلان قيام دولة اسرائيل دخلت الجيوش العربية للدفاع عن فلسطين واريد ان اسجل هنا ليس مشاعري واحاسيسي وانما ما رأيته وخبرته فقد كان وضعنا ومقاومتنا للعدو قبل دخول الجيوش العربية افضل بكثير من بعد دخول الجيوش العربية. قلت ان الشارع يمر من امام قريتنا وبيتنا يطل على الشارع، دخلت القوات العربية بقيادة فوزي القاوقجي وهو ضابط لبناني على ما اظن وكان شارك في ثورة 1936 وعلى خبرة واسعة بالمناطق الفلسطينية وبالفلسطينيين، استقبل الاهالي الشاحنات التي تحمل الجنود باطلاق العيارات النارية ابتهاجا.

كنت على الشارع اتفرج على الجيوش التي جاءت للدفاع عنا. كانت بنادقهم متنوعة وكذلك ملابسهم ومع ابتهاج الناس بهم لم اشعر انني امام جيش له هيبة وسطوة. سمعت صوتا قريبا مني يقول اه يا يابا راحت ايدي، نظرت فاذا هو يوسف عابدة وقد انفجرت في يده البندقية وهي من النوع الذي كان يجلب من صحراء ليبيا وغيرها ويرمم ويباع بحوالي 25 الى 27 جنيها. اقول نظرت واذا اصبعه الابهام قد طار والشرايين تتدلى من يده، كان هذا انذار شؤم لدخول هذه الجيوش والتي اظن انهم من المتطوعين الذين يحتاجون الى تدريب وعتاد وعدة. بعد سقوط صفد خاف الناس ان يفاجئهم العدو من الشرق ذهب العشرات من الشباب ودحرجوا صخرة كبيرة جدا اغلقت الطريق بين سحماتا ودير القاسي الناس بهذا التفكير البسيط والوسائل البدائية كنا نقاتل العدو. بعد 15 ايار ابتدات أرى سيارات الامم المتحدة UN تمر أمام القرية. كنت قد ذكرت انني رأيت القتيل اليهودي والشباب يتجادلون في دفنه، علمت بعدها انهم احرقوه في بئر قديم مهجور ولا ماء فيه اسمه بئر برزيق. بعد 15 ايار شاهدت بقايا الجثة وقد لفت وربطت برباط عند القدمين وواحد في الوسط وآخر عند الرقبة كالميت. لم يكن يظهر من الجثة شيئا وعلمت ان الجثة سلمت لليهود.

شعرت بالخجل من هذه الحادثة مع معرفتي بفظائع اليهود ومجازرهم ومشاهدتي لطائراتهم وهي تقصف القرى حولنا. ثم تقصف قريتنا وتلاحق الهاربين من القصف من نساء واطفال ورجال. كان الناس يقومون باعمالهم العادية فقد زرعوا ارضهم وجاء الصيف وحصد الناس القمح وغيره من الغلال، شعير وعدس وكرسنة. درست الغلال ونقلت الى البيوت اثناء دراسة الغلال على البيادر في حزيران كانت تمر قوافل من الفلسطينيين المهجرين من قراهم يمرون بقريتنا مع مواشيهم رأيت بعضهم وقد حمل على البقر بعض الفراش. لأول مرة أرى احدا يحمل على ظهور البقر. كان قد استقر في القرية ستة مقاتلين من جيش الجهاد المقدس على ما اظن رأيتهم في حالة مزرية من الاهمال والجوع. رأيت أحدهم يربط حذاءه بخيط ليمسك النعل. كان منهم اعتداء على الناس اظن ذلك لحاجتهم ولا ادري كيف تركهم المسؤول عنهم يهيمون على وجههم ويختلقون المشاكل مع الفلاحين.

لقد سمعت ان احدهم يرافق أحد شبان القرية ويحفظ رقم بندقيته ويعود الى مركزه مزودا بهذا الكسب ويسجل الرقم في دفتر ثم تستدعي الكتيبة هذا الشاب صاحب البندقية فيسألونه من أين اشتراها وهل تأكد من انها غير مسروقة ثم يقولون انها بندقيتهم وان رقمها عندهم ثم يرونه الرقم ليتاكد انها لهم وينهالون عليه ضربا ويأخذون البندقية، ولكن الاهالي تصدوا لهم واوقفوهم عند حدهم. هذه تبدو مسائل شكلية وبسيطة وتحدث في كل مكان ولكنني اسجلها لا للنيل من هؤلاء المتطوعين او الشك في وطنيتهم ولكن كشاهد عيان على مستوى الجيوش التي دخلت لتحرير فلسطين.

اقول في هذا الصيف، 1948 وبعد سقوط حيفا في أواخر نيسان، وعكا وصفد في اواسط ايار وتدفق المهجرين من الجنوب ومن الغرب يمرون بقريتنا مع مواشيهم، سكن القليل منهم في القرية، لم يكن الناس يدرون ما يفعلون وكأن فلسطين تركت لمصيرها المحتوم، ولا انكر بل اذكر بالعرفان تدفق المتطوعين العرب في اول الحرب واستشهاد الكثيرين منهم، ورأيتهم في البداية وقد جاءوا بمعنويات عالية.

انتهينا من درس المحصول من قمح وغيره، وفي هذه الظروف التي لا تبشر بخير وقلة وعي. بعد ان نقلنا المحصول الى البيت وكانت الامور تسوء، اعمل والدي ووالدتي تفكيرهما ماذا يصنعون وهداهم التفكير ان يحتاطوا للمستقبل. وخبؤا مؤونة واغراض في التبّان، والتبان هو المكان الذي يودع فيه التبن الذي يقدم علفا للدواب مع بعض الحبوب، والتبن يوضع من السقف من فتحة في منتصف التبان تقريبا ويسوى التبن. وللتبان باب، يوضع التبن من السقف و يؤخذ من الباب. في الليل و قبل نقل التبن عن البيادر وضع اهلي زيتا وبرغلا وقمحا وعدسا وادوات نحاسية وهي كثيرة عندنا، وفي النهار نقلنا التبن وافرغناه فوق هذا المخزون الذي لا يعلم به احد غيرنا. قبل ان انسى اقول ان خالتي تمام عزام وقد وصلت الى بعلبك لمدة قصيرة جدا ثم عادت الى فلسطين، اخبرناها عما يوجد في التبان، وصلت وكانت القرية قد نهبت وخربت وبعدها نقلت حجارتها الى امكنة اخرى، اقول وصلت خالتي واخرجت ما يوجد في التبان وباعته وارسلت ثمنه لنا. كما انها بعد سنوات ارسلت لنا 110 دينارا اردنيا وهذا المبلغ كانت استدانته منّا جنيهات فلسطينية احتاجتها لتسدد ثمن قيراطين في موتور الزيت الذي انشأ.

قبل النكبة بعامين كنا قد جمعنا اوراق الارض ( كمبيالات ورهونات) وصنع لنا السمكري علبة من الصفيح، وضعنا الاوراق فيها مع النقود وحفرنا حفرة في مصطبة البيت ووضعناها فيها، لم نكن نفكر اننا قد نخرج من بلادنا ولا نعود اليها، نخفي مؤنا و نقودا لوقت الشدة. مرت اشهر الصيف مع معارك بين العرب واليهود. واليهود هم الذين كانوا يهجمون وفي الليل يضعون قنابل موقوتة كما حدث في سعسع وقد رأيت الشباب بالعشرات يركبون شاحنة ويذهبون لنجدة سعسع بعد ان ضرب العدو ضربته وعاد الى مواقعه.

منذ بداية السنة المدرسية في أيلول اقفلت المدارس واكتشفت ان استاذي الذي كنت معجبا باخلاصه واناقته والذي بكى ونحن في الصف الثاني ابتدائي عندما انتهى العام الدراسي وودعنا وبكيت وعدت الى البيت والدمع على وجهي وظنت والدتي اني تشاجرت مع احد الطلاب وعندما علمت طيبت خاطري قائلة انها فرصة قصيرة وستعود الى المدرسة، اقول اكتشفت ان استاذي لم يكن يدخر مالا وان كان انفقه على زواجه حيث تزوج قبل النكبة بعام او عامين. فتح ما يشبه العيادة لمعالجة المصابين بالرمد الربيعي والذي ينتشر في الصيف وخاصة في موسم التين وقد اخذت جدي الى هذه العيادة وهي المرة الوحيدة التي اصيب بها بالرمد مع انه جاوز المئة بسنوات، مررنا في عودتنا بالقرب من مقبرة القرية. فسألني هل تأتي يوم الجمعة و تقرأ القرآن لجدتك، قلت لا، قال كل يوم جمعة اقرأ القرآن لجدتك وتأخذ عشر قروش فينالك أجر واجرة.

كان أهالي القرية يقومون بالحراسة ليلا، خوفا من تهريب الماشية (بقر، غنم، ماعز) الى اليهود. كنت قد ذكرت اننا اشترينا بندقيه فرنسية قصيرة جيدة باثنين واربعين جنيها مع قنبلة انكليزية ملز وحضر اخي الذي كان يقوم بالحراسة وحمل السلاح وقد حفر استحكاما امام البيت، مشرفا على الكوربة. لم تكن القرية تدري ما كان يحدث في القرى المجاورة لها، الا اذا هاجمها اليهود كهجومهم على سعسع وترشيحا. ولا تبعد ترشيحا عنا اكثر من خمس كيلومترات. كان جيش الانقاذ على ما كنت اسمع يمنع الشباب احيانا من المشاركة في المعارك وانه قد اخترع قصة التهريب ووجوب الحراسة لابعاد الشباب عن اخذ امور وطنهم بايديهم مع اني اعرف ان القرى شاركت في معركة جدين الفاشلة وفي غيرها من المعارك، كمعركة ترشيحا.

لقد كان هناك بلبلة وكان الناس يقومون باعمالهم غير عالمين بما سيحل بهم. جاء موسم قطاف الزيتون في أيلول وقد كنت ارافق اهلي في موسم القطاف واستمتع بالعمل فهو في وقت معتدل والعمل لا يتعدى جمع حبات الزيتون في وعاء ثم وضعها في كيس وكلما امتلا الكيس كان والدي يضعه على الدابة وانا اوصل الحمل الى البيت، ادفعه عن ظهر الدابة على مصطبة البيت. حيث يكوم الزيتون وفي النهاية يأخذ الى المعصرة قبل انشاء البابور، والى البابور في السنة التي سبقت النكبة، ودرس الزيتون وعصره بالطريقة القديمة كانت من اجمل واحب المناسبات الى نفسي حيث ينقل الزيتون الى المعصرة ويدرس بواسطة حجر ضخم يديره حيوان، بغل او غيره، وبعد ان يدرس وينعم ينقل الى قفف من الشعر ثم توضع القفف فوق بعض في مكبس من المعدن في اعلاه قطعة كبيرة من المعدن يضغط على القفف ويدير الرجال المكبس فيزداد الضغط على القفف والزيت يسيل من القفف الى مجرى يوصل الى بئر ثم يغرف الزيت من البئر ويوضع في الاواني التي أحضرها صاحب البئر ويبقى في قعر البئر بقايا الزيت غير النقي، العكر، والذي يستفاد منه في اصلاح مساطب البيوت ويصنع من الزيت العكر الصابون الاسود ومن الزيت الصافي الصابون الابيض، يضاف الى الزيت مادة يسميها الفلاحون القطرونة ويغلى الزيت مع هذه المادة الكيماوية وتتحول الى مادة مائعة ثم يسكب في اوعية فيجمد وقبل ان يجمد تماما يقطع الى قطع مكعبة. اقول ما ان كنت ادخل المعصرة مصاحبا والدي أجد نفسي في جو تراثي بديع وخاصة عندما يكون دورنا في الليل وقد يستغرق درس الزيتون الليل والنهار وكنت اعجب بالمعصرة ليلا فهي مضاءة بزيت الزيتون بواسطة سراج على شكل صحن ومن طرفه تمتد قطعة فتيل وتضع والدتي الطعام للعاملين ويضيفون الى الطعام وخاصة اذا كان مجدرة زيتا طازجا حيث تكون اكلة لذيذة ومفيدة. في هذا الجو الجماعي والمحبب كانت تتم كثير من الاعمال كالتذرية وهي فصل الحبوب عن التبن حيث لا يمكن لصاحب البيدر وحده ان يقوم بهذا العمل بل بمشاركة جيرانه كما يشاركهم هو بدوره، ويصنع اصحاب البيدر طعام الغذاء للرجال الذين يقومون بالتذرية وهي أيضا من المناسبات التي كنت انتظرها من العام الى العام.

اعود واقول اننا كنا قد قطفنا نصف المحصول او معظمه ولكن لم ندرسه وبقي مكوما على مصطبة البيت، كان ذلك في تشرين الاول من العام 1948، كانت الاوضاع تسوء والناس يتصرفون وكأن شيئا لن يحدث، قد تتخذ بعض الاحتياطات البدائية كما خبأنا المؤونة في التبان وقد يكون النظر ابعد من ذلك. فقد شاهدنا المهجرين من قضاء طبرية وغيرها يمرون من قريتنا في ايار و حزيران متجهين نحو لبنان وقريتنا لا تبعد الا بضعة اميال عن لبنان، ووالدي يعرف الكثير من القرى المجاورة وله فيها معارف. فاخذنا خطوة احتياطية جديدة ونقلنا مؤونة من القمح والبرغل والعدس والزيت الى قرية رميش اللبنانية. قبل سقوط قريتي بأيام وحيث كان الاهالي المهجرون يزدادون، سمعت عن معركة حدثت بين اليهود وجيش الانقاذ، حضرت دفن جندي منهم في مقبرة القرية وقد اطلق مجموعة من الجنود خمس رصاصات على ما اذكر. في هذه الايام الاخيرة شاهدت جيش الانقاذ وقد سحب المستشفى الميداني ووضع في كرم زيتون امام القرية. شاهدت معه اكياس من المؤن، كنت اشعر ان هناك احداثا سيئة ستحدث. كان بعض المهجرين يدخلون القرية كانها آمنة مع انهم هجروا من قرى لا تبعد عن القرية اكثر من عشرين كيلومترا، ومن المشاهد التي أثرت في نفسي، امرأة شابة كانت تسوق عدة دواب وعليها اغراض مختلفة، منها دابة كانت تحمل جرتين من الفخار، كانت هي وغيرها تدخل القرية، وقد احتكت الدابة التي تحمل الجرار بجدار فانكسرت وسال ما فيها من الزيت، رأيت المرارة ولم تزد عن لا حول ولا قوة الا بالله. اعجبت بصبر هذه المرأة وحزنت عليها. كان والدي يساعد المهجرين على الشارع، نادته والدتي من البيت قائلة يا كامل تعال تنشوف شو بدنا نسوي بحالنا. في اليوم التالي كنت في كرم تين مجاور لمقبرة القرية، وكان هناك رجل يرعى بعض الماعز على المقبرة واذا بطائرتين تأتيان من الغرب وهي كبيرة كأنها طائرة ركاب وبطيئة. قال لي الرجل شو رأيك يا محمد هذه الطائرات عربية والا يهودية؟ قد يكون للرجل ثقة فيّ فأنا ابن مدرسة وهو أمي ولي شهرة في القرية مما جعل الرجل يظن انني قد اكون اعرف عن الطائرات. قلت له على الفور هذه طائرات عربية، قال شو عرفك، قلت ألا ترى انها منخفضة ولو كانت يهودية لما فعلت ذلك، كانني نسيت ان القرية لا يوجد فيها الا البنادق. لم اكد اكمل كلمتي حتى شاهدنا الدخان يغطي قرية دير القاسي وهي تبعد عن قريتنا حوالي اربع كيلومترات شمالا، اسرعت الى البيت. بعد قصف دير القاسي بحوالي ساعة وصلت

سيارة جيب تابعة لجيش الانقاذ وقد رأوا الدخان كما رأينا و ظنوا ان القصف في حدث سحماتا، عجبت على صغر سني من عدم معرفة الجيش بمكان القصف.

عمد اهلي الى اخراج العلبة المعدنية التي فيها النقود واوراق ملكية الارض، وكان لدي قجة فخارية كبيرة، كسرناها وكأننا أيقنا اننا انكسرنا، كان فيها ما يساوي سبع جنيهات وحوالي ثلاثين قرشا، ضم المبلغ الى نقود البيت. كانت والدتي توصيني ان أخذ القران معي اذا جاء اليهود لانهم كما كانت تقول سيمزقونه وسيدوسون عليه ولكنني في اليوم التالي وقد هاجمت الطائرات قريتنا لم اتذكر وصية أمي. في تلك الاثناء كان تدفق المهجرين يزداد والناس في حيرة. في اليوم التالي لقصف دير القاسي وهو على ما اظن في حدود 26 تشرين الاول 1948 وبعد الظهر كانت والدتي تخبز على الصاج في الدار واذا بالطائرات اليهودية تطل من وراء الجبال غربا. كنت قد عينت مخبأ اذا حصل قصف، وهو مغارة في وسط البلد بحجم غرفة واظن ان العشرات مثلي كانوا يرونها مخبا جيدا. اسرعت راكضا الى المغارة وهي الى الغرب من بيتنا، رأيت والدتي صرخت باعلى صوتها، ارجع واخرج من القرية، رجعت مسرعا متجها الى الشرق. خارج البيوت مباشرة هناك صير الماعز ومنها صيرة قديمة مهدمة وغير مستعملة تدعى صيرة قيصر، وصلت راكضا الى ساحتها وسمعت صوت اول قنبلة من الطائرة و نسميها (قازان) التصقت بجدار الحائط ورأيت على الطريق المقابل لي المختارين علي صالح وجريس قيصر وقد خرجا من القرية كما خرجت خوفا من القصف، وعند سماعهم صوت القذيفة انبطحا ارضا وهي طريق ترابية وجبلية وفيها كثير من الاحجار، رأيتهما وضحكت وبدلا من ان استلقي على بطني تمددت على ظهري ورأيت الطائرات فوقي وعليها حرفان UN واسقطت القذيفة الثانية ورأيتها تنزل في الجو كبيرة وطويلة وسوداء رأيتها كانها تنزل علي بشكل عامودي، تشاهدت ولم أغير موقعي ثم سمعت صوت انفجار القنبلة الثانية، كانت الى الجنوب من القرية وانا الى الشمال منها. ثم نهضت مارا ببيادر الحارة الفوقا، رأيت البيادر كان كل الحارة تجمعت فيها والنساء والاطفال يصرخون باحثين عن اولادهم واخوانهم او ابائهم وامهاتهم. جزعت من هذا المشهد وهرعت الى البيت، غادرنا البيت محملين على دابتين ما امكن من فراش وادوات الى ارض الجبل، كان والدي يعود الى البيت محضرا ما امكن احضاره. استمر القصف من الطائرات وفي المرة الثانية عاد والدي الى البيت ثم رجع ولم يحضر شيئا. فسألته والدتي عن السبب فقال ان القصف قد عطل السكرة ولم يشأ ان يخلع الباب. كأنه سيعود ويصلحه!

بهذا التفكير الساذج كان الناس يعالجون أمورهم، لم تكن هذه المرة كسابقتها حيث نخرج الى ارض الجبل عند الخطر ونعود، فقد كان القصف مقدمة لتقدم الجيش اليهودي (احتلال) نمنا تلك الليلة وفي النهار اخذ والدي ينقل ما احضرنا من البيت الى قرية البقيعة وهي لا تبعد عنا اكثر من 4 كيلومترات. كان اخي يحمل البندقية التي دفعنا ثمنها وكان جيش الانقاذ في الغالب، وعند المعارك يضع شباب القرى على التلال المجاورة والاماكن الخلفية وكان هذا يثير ريبة الشباب فقد كانوا قبل دخول هذه الجيوش يقفون للعدو ويحرزون بعض الانتصارات ومعنوياتهم عالية ولكن بعد 15 ايار ودخول الجيوش العربية تبدل الحال.



من مذكرات إبن سحماتا الكاتب محمد خشان - 6

شاهدت أبي من بعيد وجندي يصفعه على وجهه صفعة قوية...

أقول كان أخي مع الشباب في هذا الوضع السيئ وقد تأخر جيش الإنقاذ وقدم الشباب إلى الخطوط الأمامية وقبل أن يباشر اليهود بالهجوم، أنسحب جيش الإنقاذ تاركا الفلاحين بأسلحتهم البدائية والخطرة على أصحابها كما رأيت بنفسي البندقية تنفجر في صاحبها وتطيح بابهامه. جاء احدهم إلى المقاتلين وقال ماذا تفعلون هنا لقد أنسحب جيش الإنقاذ. ترك المقاتلون مواقعهم وعاد كل منهم إلى قريته. في هذه الأثناء كنا في ارض الجبل وقد نقلنا والدي إلى البقيعة وعاد لجلب بعض الأغراض - كان جدي معنا - ووجده والدي جالسا على حصيرة. اخبره جدي أن أخي اسعد قد جاء ووضع البندقية تحت الحصيرة وأجلسه عليها وقال أنا ذاهب إلى لبنان.

من المشاهد التي لا تفارق مخيلتي أنني في هذين اليومين ونحن في ارض الجبل كان جيش الإنقاذ قد تبعثر وأصبح على كل جندي أن يدبر نفسه بنفسه. كان يرد علينا مجموعات مثنى وثلاث أو أفراد يسألون والدتي عن الطريق إلى لبنان ووالدتي تلطم وجهها بشدة وتشير إلى الشمال. لا أدري ماذا حل بهؤلاء فقد كان الجيش اليهودي قد وصل إلى الحدود الفلسطينية اللبنانية قبلهم. نمنا في البقيعة أنا وأختي وأمي وبقي والدي في ارض الجبل. في الصباح ومع شروق الشمس تقريبا جاء والدي ومعه جدي والبندقية. قد تكون العناية الإلهية هي التي أنقذته فما أن وصل حتى سمعنا صوت رصاص لم يرد عليه احد، كانت تلك فرقة كوماندوس يهودية، قد تكون دون المئة وصلتا الى ساحة في منتصف القرية حيث هناك عين ماء. شاهدتهم من إمام البيت الذي نمنا فيه يغسلون وجوههم بعد استعراض بسيط، نزلت إلى ساحة القرية، تأملتهم كانت أسلحتهم عادية وملابسهم غير موحدة، بعضهم حليق الذقن وبعضهم يرخي لحيته. بعدها ساروا في طريق القرية، سرت وراء جندي طويل رفيع يحمل رشاشا صغيرا من النوع الذي كنا نسميه ستنكين أو توميكن سرت وراءه وأنا أقول في نفسي هو الذي سيخرجنا من بلادنا، لم اشعر برهبة من هذا الجندي. مشيت وراءه بضع خطوات ثم عدت إلى البيت. لم نكن وحدنا ضيوفا على هذا البيت ولكن هناك عائلة غيرنا على ما اذكر ورب هذه العائلة معه بقرة جيدة، دفع له فيها خمسة وثلاثين جنيها ولم يبعها وهو ثمن جيد جدا في مثل هذه الظروف، في اليوم التالي لدخول الفرقة وفي الصباح دخلت فرقة نظامية بلباس موحد وخوذات على الرأس وعلى الخوذة شبكة وأمام الفرقة جيب تقوده مجندة سمراء. اعتلوا أسطح القرية وبعضهم كان على سطح إمام البيت وقد ركز رشاشه من النوع الذي كنا نسميه برنكن. تهيبت هذه الفرقة على غير ما شاهدت في اليوم السابق مع أنهم لم يؤذوا أحدا فالقرية وغيرها من القرى عرفت كيف تبقى في بلادها وهم من اخواننا وجيراننا واصدقائنا من طائفة الموحدين ـ بني معروف ـ الدروز كما يعرفون.

كان البيت الذي قضينا فيه يومين قريبا من الشارع الموصل إلى قرية الرامة، صعدت إلى الشارع وإذ أرى نسوة يجرون أولادهم ويبدون حفاة وهم من مظهرهم عليهم سمات المدنية، لم اعرف السبب وعدت إلى البيت وعند المساء سمعنا صوتا ينادي ويقول كل من هو غير أهل البقيعة عليه أن يخرج في الساعة السابعة صباحا ويمشي على الشارع العام والذي لا يسير على الشارع العام، الجيش يطلق عليه النار. ساد سكون مذل وحزين ولكن لم ننس أننا ضيوف وعمدنا إلى حزم ما معنا من أمتعة. شاهدت البعض يرمي بالصوف ويحتفظ فقط بالقماش، لا ادري كيف قضينا تلك الليلة، في الصباح خرجنا حيث لا ندري متبعين الأوامر الصادرة من قوات الاحتلال، كنا على وشك الخروج من القرية وعند مدخلها نبع ماء غير الذي في وسط البلدة وهناك نبع ثالث لقرية البقيعة اسمه طيرية يروي مجموعة من البساتين في حين النبع في القرية يروي بساتين القرية التي تحيط بها وتتخلل بيوتها. أقول عند مدخل القرية تذكرنا أننا نسينا ظرفين من اللبنة ـ لبنة ظرف ـ في لبنان يسمى ـ امبريس ـ ظرف كبير يتسع لستة أرطال. كنا نبيع الرطل منه بجنيه فلسطيني، وظرف صغير فيه حوالي الرطلين كان والدي علقها في وتد متين عند مدخل البيت الذي استضافنا، الكبير في وتد مرتفع بعض الشيء والصغير في وتد منخفض قال لي والدي: يا محمد أرجع وأحضر ظرف اللبنة. رجعت مسرعا حاولت أن أخذ الكبير ولكن يدي وصلت إلى أسفله فتناولت الصغير، حملته على ظهري وأسرعت، كان الظرف جافا فنحن في أخر تشرين أول وهو الوقت الذي نبيع فيه الظرف الكبير ونستبقي الصغير للبيت، يقطع قطعا كروية أو اسطوانية ويوضع في ناوأني زجاجية أو فخارية ويغمر بزيت الزيتون فيكون غذاء لذيذا ولحقت بأهلي، سألني والدي لم لم احضر الكبير، فقلت لم استطع والواقع أنني لم اطلب من أهل البيت المساعدة ولم يساعدني احد ولم أنتبه أن كانوا رأونا أم لا. وما أن خرجنا من القرية وسلكنا الطريق الرئيس حتى شاهدت عشرات الآلاف من الناس يهيمون على وجوههم مثلنا، لم أشاهد هؤلاء الناس في قرية البقيعة، فهمت أنهم هجروا مثلنا من القرى المجاورة لنا وكانوا يبيتون في العراء حول القرية، مشينا قليلا وإذا برجل عائد إلى قرية البقيعة قد يكون نسي شيئا مثلنا ولا عتب فالذهول كان يخيم على الجميع. بين من كانوا جانبي شاب اسمه حسين حسن موسى يسوق بعض الماشية بقر وماعز، قال له الرجل إلى أين تأخذ هذه المواشي يا حسين، الذي يكلمه من قريتنا، قال له حسين يا زلمه هذول بقراتنا وعنزاتنا. قال الرجل اليهود يقيمون حاجزا عند مفرق ترشيحا وهم يأخذون الماشية، ضرب حسين مواشيه بقضيب كان يسوقها به فبعدها عن الشارع تاركها في مرج سحماتا وهو يقع بين البقيعة وسحماتا نظرت إلى الماشية وقد تركت وحدها وهذا أيضا من المشاهد التي لا أنساها كنا كلما تقدمنا تكاثر الناس حتى وصلنا إلى الحاجز وهو عبارة عن بعض الجنود يتكلمون العربية مثلنا، يقف احدهم في وسط الشارع ولا يمر إلا بإذنه وآخرون يراقبون الناس ويطلبوا من الناس أن تضع ما على رؤوسها حتى يلحقها الدور في التفتيش - استدرك هنا لأقول أن والدي عندما أسعفه الحظ ووصل قبل دخول اليهود القرية بدقائق كان يحضر معه البندقية التي تركها أخي واجلس جدي فوقها. في تلك الليلة أخذها والدي وأعطاها مجانا لرجل يعرفه، وكأن والدي وعمي وجدي قد أعطوا أربعين رأسا من الماعز يرعاها وبعد سنوات تتم قسمتها حسب نظام معين ويكون الرجل قد وجد عملا قد لا يجده غيره فالأمر يحتاج إلى معرفة وثقة. أخذ البندقية بعد تردد كما اخبرنا والدي فيما بعد، فالوقت لم يعد وقت حمل سلاح، واحضر والدي قشاط البندقية الجلد فقد يستفيد منه. المساحة بين البقيعة والحاجز وهو على مقربة من القرية غربا لا تزيد عن أربع كيلو مترات، كان موقع الحاجز استراتيجي فإلى اليمين منحدر مرتفع يصعب الهروب من خلاله إذا فكر احد في ذلك والى يسارنا سهل مكشوف وواسع، سمعت صوت رصاصة، سمعت احدهم يقول أنهم أطلقوا النار على رجل رأوه من بعيد. رأيت بعض الشباب وهم يموهون وجوههم بتراب أو ما شابه، في وسط هذا الازدحام والخوف شاهدت الرجل صاحب البقرة والذي لم يبعها ولم يتركها كما ترك حسين مواشيه وصل الحاجز مثلنا. قال له احد الجنود اربط هذه البقرة بذلك الحجر فناول صاحبها الجندي الرسن وقال خذ يا سيدس، فصرخ فيه قائلا قلت اربطها هناك فذهب وربطها. شاهدت الجندي يفتش الناس يأخذ ما معهم من نقود أو مجوهرات. تملكني الخوف فنقودنا مع والدتي وقد وضعهم في قطعة شاش ناعمة وربطتها حول خصرها وكانت تلبس فستانا واسعا مع زنار عريض على وسطها. فكت الزنار الذي يضم الفستان فبدا الفستان واسعا وهي نحيفة. تقدمت من الجندي وقالت له يلّه يا عمي فتشني خليني امشي، نظر إليها وقال لها امشي.

أقول الحاجز هو جندي يتكلم العربية ويقف في وسط الشارع يساعد في بعض الجنود بعد أن تجاوزته قالت له يا خيي طلعلي ولادي قال وين أولادك كنت وأختي إلى جانبه قالت هذوا ولادي قال الحقوا أمكم. لحقنا أمنا ولكنها قالت عودا لليهود وترجوه يطلع أبوكم، عدت وقلت له يا عمي طلعلنا أبوي ولكنه فتشني ووجد معي النقود التي بقيت من القجة فأخذها وقال أنتو عرصات بتخبوا المصاري على الدواب. عدت خائبا دون والدي ونقودي. هذا عمل لا أنساه وأعجب كيف يسيء جندي بتصرفه إلى سمعة جيشه بأكملها، أقول للآن لا اشعر باحترام نحو هذا الجيش رغم كل ما ينسب إليه من بطولات وقدرات. وقفنا وبعد قليل شاهدت أبي من بعيد وجندي يصفعه على وجهه صفعة قوية ثم يخلي سبيله، الجندي الذي صفعه غير الجندي الذي سلبني النقود. بعدها في لبنان سألنا لم ضربك الجندي قال سألني من إي بلد أنت وسميت له بلد غير بلدنا فصفعني، عندها تأملته وعرفته ولم اقل له شيئا، كان هذا الجندي موظف عند الدولة لعد المواشي، وكانوا يباغتون الرعاة وقت أن ترد الماشية للشرب يسألون الراعي كم قطيعه ومن أصحابه وكم يملك كل منهم وعلى هذا الأساس يستوفون ضريبة المواشي.

كان هذا الحاجز يبعد قليلا عن الشارع الرئيسي الآخر الذي يأتي من عكا غربا ثم ينعطف عند مدخل سحماتا إلى الشمال، كنا كلما مشينا اشتد الزحام، عائلات بما فيها من كبار وصغار ودواب تحمل الأمتعة وقد أخذ الإجهاد والخوف من الناس. شاهدت أكثر من واحدة يلقون ما على رؤوسهم ويسيرون. ليس من احد يضمن سلامته عند مفرق سحماتا البقيعة ونحن على مقربة من القرية إلا أن مدخلها من الغرب وأن كان شارع جيد إلا أن هناك طلعة قوية تسمى الدش وكنت أرى على جانبي الطريق حزمات من الفراش وأكياس من الحبوب وصناديق من الذخيرة رأي هذا من الحاجز وحتى حدود لبنان وهناك مصفحات محروقة لا يزال يتصاعد منها الدخان. أقول في أول الطلعة رأينا امرأة بدينة عائدة إلى الوراء،سألناها ماذا يجري ولم تعود مسرعة قالت أنهم يطلقون النار على الشباب عند مدخل سحماتا. لم اشعر بالخوف في حياتي مثلما شعرت في تلك اللحظة، خفت على والدي، قال يا زهرة خذي الأولاد وأنا سأهرب من هنا بين الزيتون ونلتقي في لبنان قالت له أتظن أن اليهود غافلين أنهم على أسطح المنازل كما رأيت في البقيعة فما أن تنزل عن الشارع حتى يطلقوا عليك النار الأفضل أن تبقى معنا أما أن نحيا معا أو نموت معا. استجاب والدي لنصيحة أمي وصلنا بعد قليل إلى مدخل القرية ولم نجد جنودا البتة ولكن قد تكون هذه المرأة شاهدت إطلاق النار على شاب من قريتنا علمت بذلك فيما بعد. كنت أنا من يسوق الدواب بعصا قصيرة وكنت أكاد لا الحق بها فهما مسرعتان دون ضرب عند وصولهما إلى مدخل القرية استدارتا للدخول إلى القرية فضربتهما بعنف وخوف فقد شاهدت اليهود يجلسون في بيتنا على سطح التبان كانت والدتي تقول لي يا محمد أن جاء اليهود لا يقعدون إلا في هذا البيت وكنت أقول لها ممازحا أيوه- قصر يلدز- كنت اسمع هذه العبارة في القرية واعرف منها أنه احد قصور اسطنبول. استطعت أن أوجه الدابتين إلى الشمال وعندما عرفتا أنهما ليستا ذاهبتان إلى البيت كنت ابذل جهدا في حثهما على السير هذه أيضا من الأمور التي لا أنساها وكأن الحيوان عرف أنه يبعد عن وطنه ولا يريد السير في الطريق من الحاجز وحتى الحدود اللبنانية كانت تمر شاحنات لليهود وسيارات جيب يقودها جندي واحد وفي الجيب شيء مغطى كأنه مدفع. السيارات والناس والدواب والخوف والإشاعات عن القتلى إثناء القصف أقول أنه يوم الحشر كان هذا إحساسي وأنا في الطريق أنه يوم القيامة. ابتعدنا عن القرية بأقل من كيلو متر واحد وإذا بقطتي الشقراء الجميلة تركض مذعورة وتموء بين السيارات والشباب والدواب وهي تبحث عنا مرت بقريتنا ولكنها كانت تموء كالمجنونة وأنا أحاول إبعادها عن خطر الموت دهسا رأيتها تبتعد عن الشارع وتجري في كروم الزيتون تقطع قلبي لهذا المشهد فطالما رقدت إلى جانبي أو في حضني أداعبها وترفع ذنبها عندما المس لها على ظهرها حزنت كثيرا عليها ولكنه حزن صامت من يدري أنه سيبقى حيا.

كان والدي يحمل وعاء معدني ملأه ماء من البقيعة وكأن العطش والخوف والناس يرجون والدي أن يسقيهم، فتح الوعاء المعدني وإذا الماء يكاد يغلي من حرارة الشمس رمى الوعاء ومشى أنه الهول الأكبر الذي لا ينسى شعب يطرد بقوة السلاح من أرضه ارض آبائه وأجداده. لا يفصل سحماتا عن لبنان إلا قرية دير القاسي أربع كيلومترات اجتزنا وسط الدير وليس بعيد عنها الشارع الذي يفصل لبنان عن فلسطين وهو خط يمتد من رأس النافورة أعلى المتوسط غربا حتى قرية بانياس السورية شرقا. عبرنا الشارع ولم ادر أن هذا هو أخر عهدي بفلسطين. الطريق إلى رميش تنحدر من الشارع إلى القرية وتربتها بيضاء. في وسط القرية بركة قد نضبت مياهها بتأثير المواشي التي لا حصر لها التي وردت على القرية وحتى بدون ذلك فعهدي بالبرك تنضب في تشرين. رأيت الناس يعرضون كبش الغنم الكبير بليرة ذهبنا إلى البيت حيث كنا قد ودعنا مئونة عند أصحابه وهم أناس يعرفهم أهلي نمنا ليلتنا الأولى نحن وبيت خالي. في اليوم التالي وقد يكون 30 تشرين الأول طلب خالي مني ومن ابن خالي أن نذهب بالأبقار التي لهم إلى خارج القرية لنجد لها مرعى. استطاع خالي أن يخرج مواشيه لأنه لم يذهب مثلنا إلى الجنوب أو إلى قرى مجاورة لقريتنا بل سار بعياله ومواشيه بعد قصف الطيران إلى لبنان وقد قدر له أن ينجو لأن غيره كان يسوق مواشيه مثله قتل وترك لتأكله الوحوش والطيور منهم مصطفى علي وعبد الوهاب وجرح معهم محمد الحاج إبراهيم وترك ظنا أنه مات وبقي أسبوعين وهو يشاهد الوحوش والكلاب تأكل رفيقيه. سمعت منه أنه كان يقول وهو يختبئ بجحليفة(فتحة في الصخر)غدا أموت وتأكلني الوحوش كرفيقي ولكن بعض الناس مروا به وأوصلوا خبره فأرسلت أناسا احضروه سرا وعولج وشفي وتزوج وأنا اكتب هذه الصفحات وهذا الرجل لا يزال حيا أظنه في المائة أو يزيد من عمره. أقول ذهبت مع ابن خالي لنرعى البقرات في كرم تين خارج القرية وإذ بالطائرات اليهودية تحلق فوقنا شعرت بخوف شديد فالأرض مكشوفة تلة بيضاء وشجيرات التين صغيرة وقد سقط ورقها ولا شيء يحمينا.

كانت الطائرات اليهودية تلاحقنا إلى ما وراء الحدود قال ابن خالي لن نرتاح حتى يبيع أهلي البقرات وهذا ما حصل بيعت البقرات لا أظن أننا نمنا أكثر من ليلتين أو ثلاثة وكانت أفواج المهجرين تواصل طريقها صعودا إلى بنت جبيل أما نحن وبيت خالي فقد سألنا عن أقارب لنا فقالوا أنهم ذهبوا إلى العباسية. غادرنا رميش صباحا قاصدين العباسية، سرنا مشيا في طريق جبلية لم أر فيها أثرا واضحا للحياة، جبال جرداء، لم نمر بقرى، قطعنا واديا في وسطه شجرة خروب كبيرة، تابعنا سيرنا في منحدرات جبلية كئيبة بعد الظهر توقفنا قليلا للغذاء. قطفت بعض حبات البندورة النادرة في سطل نحاسي كبير، كان معنا، ونحن كأولاد كان علينا أن نمد يدنا حتى الكوع لنصل إلى الطعام، ضحكت وابن خالي وشر البلية ما يضحك ونحن لا ندري حتى الآن هول ما حصل ولا إلى أين سينتهي بنا المطاف. وصلنا قرية قانا قبيل مغيب الشمس وخارجها وجدنا ما يشبه المصطبة وقد طينت وسويت ولا احد فيها. يظهر أن أصحابها كانوا يقفون أيام الصيف فيها. نحن الآن في أوائل تشرين ثاني، نزلنا هناك، نمنا من التعب ولكنني استفقت على حوار بين أهلنا ورجل من القرية. الرجل يقول إذا كنتم لا تريدون أن تذهبوا ولكن دعوني أخذ الأولاد. لقد سقط المطر ليلا وهذا الرجل عندما سمع أن هناك فلسطينيين في القرية، أسرع ليرى من هم وقد صدق حدسه فالرجل واسمه عبود كان متزوجا امرأة من قريتنا وكانت تعيش في غرفة صغيرة في كرم تين عند مدخل القرية الجنوبي وتعرف بسعدة عبود، ويعرف كرم التين بتين عبود. لا أنسى لهذا الرجل شهامته فقد حمل بعض الأولاد الصغار وسرنا نحن وكل ما اذكره أننا دخلنا غرفة شبه مظلمة، لا اذكر إذا كنا نمنا وقد يكون ذلك في الغالب، وعند الصباح شددنا الرحال إلى العباسية.

كانت الأرض أكثر جودة وإيناسا من اليوم الأول، سرنا من الصباح حتى قبيل غروب الشمس، وصلنا العباسية وهي قرية تقع قرب صور، شاهدت والدتي من بعيد بعض النسوة من قريتنا ذاهبات لإحضار الماء، أعطت أختي وعاء وقالت لها اركضي الحقي واحضري الماء. وصلنا بيت يوجد فيه أقارب لنا ولبيت خالي لم يكن قريبنا هذا نبيلا وقد كان شابا لم يستقبلنا بل استفقت عليه في الليل يضرب زوجته، فهمنا الوضع في الصباح باكرا بحثنا عن بيت ونقلنا أمتعتنا إليه. في ذلك اليوم تمشيت مع ابن خالي وهو اخو الرجل الذي ضرب زوجته، أخوه لأبيه، فاجأني قائلا ـ إذا ماتت ستي (جدتي) ـ أنتم المسئولون عنها، لم أكن اعرف أين هي جدتي ولم تكن تعيش معنا. لقد كان عملا سيئا جدا من ابن خالتي وهو يكبرني وبقيت سنوات اشعر بالحزن كلما تذكرت ما فعل. أما أخوه الأكبر والذي ضرب زوجته ليلة وصولنا فقد بقيت احتقره طيلة حياتي وكأن صديقا لأخي وعندما أجده عنده لا اكلمه وعندما مات بعد خمسين سنة من استقباله السيئ لنا لم احضر جنازته. لم أكن اكرهه ولكن احتقره.

مكثنا في البيت الذي استأجرناه يومين أو ثلاثة وعلمنا أن الناس تذهب إلى صور. حملنا أمتعتنا على الدواب ووصلنا إلى مخيم كبير تتجمع فيه الناس ومنه ننقل إلى بلاد الله، حمص، حماه، حلب، بعلبك، طرابلس. نمنا أمام خيمة وليس في خيمة، فالحصول على خيمة يحتاج غلى معجزة، الناس يتوافدون بعشرات الآلاف والخيام لا تفي بالحاجة. رأيت الناس يشتبكون عند وصول شاحنة خيام، شوادر، رأيت احدهم يطعن آخر بعمود الخيمة. لا اذكر كم قضينا في هذا المخيم، أيام قليلة قد تكون حوالي ثلاثة أو أربعة أيام. أثناء وجودنا في المخيم ذهبت إلى مدينة صور، وجدتها مدينة صغيرة فقيرة اقرب إلى قرية كبيرة قبل مغادرتنا المخيم بيوم أو يومين سمعت احدهم يقول أنتم سيأخذونكم إلى بعلبك وهي شديدة البرودة حتى أن العسكري الذي يحرس ليلا يجدونه متجمدا في الصباح. قبل مغادرتنا بيوم تأكدت أننا غدا دورنا والوجهة إلى بعلبك في الصباح وصل بيت عمي من بنت جبيل وهم وغيرهم ومعهم جدي. أنزل جدي من الشاحنة وهو في حالة نزاع بعد قليل فارق الحياة وذهب أبي وبعضهم يبحثون عن شيخ ليدفن حسب الأصول ويجدوا مقبرة كان المخيم قرب قرية البرج الشمالي. وجد أهلي الشيخ يونس سار معهم ودفنوا جدي لم أكن معهم بل بقيت مع والدتي. عاد أبي حوالي العاشرة وركبنا بوسطة كبيرة أظنها من باصات فلسطين. الدابتان اللتان حملتا أمتعتنا من البقيعة وحتى صور. عاد والدي إلى العباسية وأعطاهما لأحد الأهالي. في هذا المخيم نظرت إلى والدي وإذا عيناه على صفائهما قد احمرتا احمرارا شديدا وكأنه يحبس دمعه عرفت أن والدي يحمل هما كبيرا لا اعرفه وكأنه تأكد أننا ماضون نحو المجهول كان رجال البوليس اللبناني يبلغون القرى أن عليها مغادرة المخيم ويعلمونها بالمنفى الجديد قطعنا المسافة حتى صيدا وهناك توفي فتى من قريتنا هو ابن خال زوجتي. كنت أراه قليلا في القرية لم يكن يتمتع بحيوية ذهب والد الفتى ومجموعة من الرجال يفتشون عن مقبرة لدفن الفتى لا اذكر من كل هذا إلا حادثة الوفاة وقد تأخرنا لساعات ثم تابعنا سيرنا اذكر أني رأيت بيروت بعد وصولنا إلى ما بعد الكحالة كنا نمر بالقرى والأماكن ولا نعرف عنها شيئا، هناك نظرت إلى بيروت فبدت مدينة كبيرة، قال السائق هذه بيروت فرشها يبقى فيها. حفظت والدتي هذه الحكمة وبقيت ترددها كلما ذكرت بيروت أمامها. شاهدت الثلج على السلسلة الغربية، وصلنا إلى بعلبك ثم إلى ثكنة غورو المجاورة لقلعة بعلبك وكأن وصولنا الساعة الثانية عشرة ليلا، وإذا الثكنة وهي عسكرية فرنسية حديثة البناء تعج بالناس الذين سبقونا. قدم إلينا طعام من الباذنجان والبندورة ـ منزلة ـ وحاولنا العثور على مكان في الأسبوع الأول والوضع سيئا فلم نجد مكانا فتدبرنا أمرنا ثم نقلنا إلى ـ قاووش ـ كما يسمونه وهو قاعة كبيرة مستطيلة بابها واسع ومرتفع وهناك شباكان على جانبي الباب وشباكان في الجدار المقابل. في كل قاووش أو بركس كما يقال أيضا ست عائلات، ثلاثة من كل ناحية وممر في الوسط والذي يفصل بين العائلة والأخرى بعض الأمتعة.

أظن أننا الآن في النصف الثاني من تشرين الثاني 1948 ولأن عائلتنا قليلة العدد كان المكان متسع ونشرف على مدخل المخيم وعلى الساحة من الشباك ومن البلكون فنحن في الطابق الثاني من البناية المواجهة لمدخل الثكنة. الحمامات عامة وإنما قسم منها للرجال وآخر للنساء. كان الصليب الأحمر يوزع الغذاء 3 أرغفة للفرد وصحن مما يطبخونه وبعض حبات من الزيتون وأخرى من التمر وتعد بالحبة لكل فرد. كان الطعام سيئا والخبز سيئا فقد كان هناك متعهد يلتزم تقديم الطعام والخبز وقد روى لي منذ سنوات احد الأشخاص الذين كانوا يعملون في تحضير الطعام قال أردنا أن نوظف صديق لنا ولا مكان له فماذا نفعل جئنا بحصى كسارة ووضعناه في الطعام فهب الناس مستنكرين واتهموا الطباخ احد موظفي المطبخ وطالبوا بتغييره وهذا ما كنا نريده، بهذه الطريقة أخرجنا الطباخ ووظفنا صاحبنا. أما الخبز فهو خبز شعير في الغالب وهكذا وقعنا بين أيدي أناس لا أخلاق لهم. في هذه الأثناء تأتي وفود أجنبية كثيرة لتطلع على الوضع وكأن هناك بعض المتطوعين الأجانب فرنسيين وبلجيكيين وغيرهم. اذكر بالخير سيشيل لا اذكر جنسيتها ولكن اذكر تفانيها في خدمة الناس والانتقال من بناية إلى أخرى في الليل وعلى ضوء الكاز. لم يكن في الثكنة كهرباء. كما اذكر مسيو جاك أظنه فرنسي الجنسية، اختار مجموعة من الشباب معتمدا على حسن مظهرهم ولياقتهم. يشاركونه في الإشراف على النظافة وغيرها مقابل ثلاثة أرغفة لكل منهم في اليوم.

كان الشتاء قاسيا جدا وللآن يسمي أهل بعلبك هذه السنة سنة الفلسطينية ولم يعهدوا أن مر بهم مثل هذا الشتاء القاسي. حصد الموت الكثير من الشيوخ وضعفاء البنية. كان بعض الناس يملكون نقودا وهي التي أخرجوها من فلسطين وهي بالإضافة إلى ما يقدم ساعدت الناس إلى حد كبير في اجتياز هذا الشتاء. كانت توزع البطانيات والملابس القديمة. كانت الدولة قد وضعت مركزا للبوليس عند مدخل الثكنة. عرف الناس أن البوليس قد أخذ بعض البطانيات فثاروا وهم يرون أطفالهم يرتجفون، فلم يكن هناك تدفئة من إي نوع. هجم الأهالي على الدرك محتجين فأطلق الدرك النار وقتل رجلا كان عائدا من بعلبك ومعه قليل من اللحم لعائلته. لم اسمع أحدا حقق أو اهتم لهذا الأمر أن أرملته ولم يكن غيرها من قريتهم في الثكنة غادرت إلى مكان آخر.

طالبت والدتي جارنا أبو حسين بالدين في بعلبك
فقال لها أنا أخذت المصاري في فلسطين وعندما أعود إلى فلسطين تكرم عينك


كنت في الرابعة عشرة من عمري وصحتي جيدة وكذلك أختي الصغيرة ووالدي دون الخمسين وكذلك والدتي. أقول نحن كعائلة قد يكون وضعنا أفضل بكثير من غيرنا بالإضافة إلى أننا وفقننا بإخراج ما نملك من مال بعد أن كنا اشترينا بندقية باثنين وأربعين جنيه وأقرضنا خالتي 110 جنيه وأقرضنا جارنا أبو حسين سليم الحاج 25 جنيه. طالبت والدتي جارنا أبو حسين بالدين في بعلبك فقال لها أنا أخذت المصاري في فلسطين وعندما أعود إلى فلسطين تكرم عينك. في ذلك الشتاء القاسي كنت أشتري الستة أرغفة بربع ليرة لبنانية ثم أبيعها الخمسة بربع ليرة فاربح رغيفا وأبيع الأرغفة الزائدة. وفي احد الأيام توفقت وربحت 50 قرشا لبنانيا وعدت إلى البيت وكانت عمتي والتي انتقلت إلى الأردن بعد شهور قليلة من وصولنا إلى بعلبك، تعيش معنا، ولاحظت سعادتي فقالت كم ربحت قلت خمسين قرشا قالت وكم تساوي بالعملة الفلسطينية قلت خمسة قروش فبكت وأدركت حسرتها بما وصلنا إليه وعلى سروري على تفاهة المغنم. جاء زوج ابنة عمتي وكأن جنديا في جيش الملك عبد الله وأخذ عمتي لتعيش مع ابنة أختها في مدينة الزرقاء ولم أرها منذ غادرتنا. تستطيع أن تدخل وأن تعمل في بلد غربي أما أن تدخل البلاد العربية كفلسطيني فذلك يحتاج إلى معجزة. قبل موتها بسنوات استطاعت امرأة فلسطينية متزوجة في الأردن أن تصل إلى لبنان، أرسلت تسال عنا وهي من قريتنا أرسلت معها بعض النقود لعمتي ثم مرة ثانية مع امرأة قريبة لنا ذهبت إلى الأردن. وبعد سنوات علمت بوفاتها. أحزنني ذلك كثيرا فقد ماتت غريبة وبعيدة عن أهلها في لبنان وليس معها إلا ابنة أختها وأولادها وقد ساعدههم الجيران في دفنها. وهذا ما حدث لخالتي التي ماتت في فلسطين وهي تتمنى أن تعيش مع عائلة ـ كانت وحيدة لا أولاد ولا أهل ـ ومع أنها كانت ميسورة إلا أنها فشلت في أن تجد عائلة تعيش معها. عرض عليها أن تعيش بغرفة مجاورة ولكنها كانت تريد أن تعيش مع عائلة.

أظنها كانت خائفة من الوحدة وأن يفاجئها الموت وحيدة. ولكن هذا ما حصل. أعود إلى مخيم غورو أو ثكنة غورو، فهي ليست خيام بل ثكنة عسكرية وعند وصولنا كان فيها مجموعة من اليهود سجنتهم الولة اللبنانية ثم امتلأت الثكنة بالفلسطينيين واليهود فيها وبعد مدة قصيرة نقلتهم الدولة وبقيت البناية التي كانوا فيها معروفة باسم عمارة اليهود. ابتدأت الأمور تنتظم شيئا فشيئا. كان الحليب يوزع على الأولاد وخاصة بعد أنشاء هيئة الأمم الاونروا كهيئة مستقلة تعني بشؤون الفلسطينيين. وكان هناك طبيب وعيادة توزع الأدوية وتعطي الناس طحينا يعالجونه هم بدلا من الخبز والذي كان يوزع في الفترة الأولى وقد امتدت أكثر من سنة. اذكر أخر مرة تساقط فيها الثلج بشدة، كان ذلك في 24 نيسان 1949 ولكن أخذ الطقس يميل إلى الدفء، أشرقت الشمس، خرجت من المنزل إلى ساحة المخيم التقيت بصبي في مثل عمري تعارفنا فإذا هو من دير القاسي وهي مجاورة لقريتنا في فلسطين، نحمل نفس الاسم وكنا في نفس الصف السادس الابتدائي في فلسطين وقد أنهينا هذا الصف، قال ماذا كانت درجتك في الصف، قلت الأول، قال وأنا الأول ثم فاجأني بقوله تعال نهرب قلت إلى أين قال أي مكان نجد فيه ناسا يعلموننا قلت وهل معك نقود قال معاي ليرة ونصف، قلت وأنا استطيع أن أدبر بين ليرتين وثلاث ليرات وقال أن والدتي في مستشفى تل شيحا عندما تأتي سيارة الإسعاف نذهب فيها ثم نصل إلى ظهر البيدر ومن هناك نذهب إلى الشام

لم يكن يعرف ولا أنا اعرف أين الطريق إلى الشام، من بعلبك هي من شتورة قبل ظهر البيدر بحوالي عشرين كيلومترا مضى يومان ولم أشاهد صديقي ثم علمت أنه ذهب في مغامرته منفردا فقد صعد إلى سيارة الإسعاف عند مجيئها مضى أكثر من عام وإذا بصديقي يعود وقد تحقق حلمه فقد وجد أناسا يعلمونه من الطائفة الإنجيلية وقد روى لي أنه يعيش حياة طيبة بملابس نظيفة ثم عاد زميلي إلى المدرسة وبعد ثلاث سنوات عدت أنا إلى المدرسة التابعة للأنروا عندما فتحت صفا يناسب مؤهلاتي وفي العام التالي إذا بزميلي يأتي معلما للغة الانكليزية وكنت احد تلاميذه قبل عودتي إلى المدرسة قبل عودتي للمدرسة ومنذ السنة الأولى لوصولي إلى بعلبك فتحت مدرسة مهنية حدادة ونجارة في المخيم التحقت بقسم الحدادة ولكن لم أجد نفسي في هذا العمل فمن الساعات الأولى لمباشرة التعلم حزمت أمري وتركته مع بداية الصيف ابتدأ الناس يتعرفون على البلاد التي جلبوا إليها كان هناك مشروع شق طريق من بعلبك إلى طرابلس طريق بشري اهدن، اختلف الناس ووصموا من ذهب للعمل بالخيانة فقد كان الناس يرتابون من إي عمل خوفا أن يكون ذلك إبعادا لهم عن فلسطين.

وحدث مثل ذالك عندما عمدت الأنروا إلى الفصل بين العائلات بالشوادر بارتفاع حوالي مترين وحدث ما حدث من شق الطريق كان إحساس الناس أن كل ذالك معناه أننا بعيدون عن فلسطين وأن كل ما يدبر وأن كان ظاهره خدمة لنا هو ضد قضيتنا. ولم يشترك كثيرا من الناس في العمل عندما عرض عليهم ولكن الأمور تبدلت وبعد أعوام استبدلت بحجارة الأسمنت.

الشتاء في بعلبك قاسي وطويل قد يصل إلى ستة أشهر وفي نصف السنة الباقية على المرء أن يعمل ليعيل نفسه في الصيف وفي الشتاء حيث لا عمل. أنا اذكر أنني رأيت سوق بعلبك أكثر من مرة يغلق تماما في الشتاء من شدة البرد وقلة البيع ومع ذلك استطاع الناس أن يتدبروا أمرهم فيعمل البعض في زحلة في موسم البطاطا والبصل، الكبار يقلعون والصغار والنساء يصرمونه إي يفصلون رأس البصل عن الأوراق. عملت أياما قليلة وهو عمل في الشمس المحرقة في الصيف وغذاء بسيط نشتريه من زحلة يقوم في معظمه على الخبز والتمر. لقد اثر في هذا العمل وقد كبرت وحتى أنا في البكالوريا عندما كنت أمر بسهل البقاع ذاهبا إلى المدرسة أو عائدا منها اشعر بالخوف شعورا قويا من أن تعود وتغدر بي الأيام واضطر إلى العمل كما سبق لي. اذكر أن الأنروا عادت بعد سنوات وفصلت بين العائلات باللبن بدلا من الشوادر والتي اهترأت أو تشبعت من بخار الزيت والطبخ وأصبحت أكثر قابلية للاشتعال وهذا ما حدث في بركسنا أو قاووشنا فقد اشتعلت النار عند الجيران والتهمت بسرعة فائقة الحاجز القماش.

أسرعت وألقيت ما عندنا من ماء واستطعت أن أطفئ النار. أحيانا لا تجد في القاووش إلا الأطفال أو بعض العجزة فالناس رجالا ونساء يذهبون للعمل لتدبير شؤونهم. لفظة قاووش تحمل في نفسي معنى السجن فهي اللفظة التي كانوا يستعملونها في السجون في فلسطين أو في سجن عكا على ما اعرف حيث سجن والدي. ففي ربيع 1949 بعد الشتاء القاسي كنا مجموعة واقفين خارج بوابة المخيم، جاء رجل جاوز السبعين، ساعدته قليلا في بستانه القريب من المخيم. تعرفت على الأشجار في بعلبك من جوز وخوخ ومشمش وتفاح وغيرها. في الصيف عملت في تصريم البصل في زحلة كما سبق وذكرت أيام قليلة زرعت الرعب في نفسي من العمل الشاق وأنا الآن اقدر تقديرا عاليا الحملات التي تشنها منظمات عالمية تهتم بحقوق الإنسان وخاصة الأطفال والذين يضطرون للعمل لأسباب مختلفة. وأتمنى أن يكون في بلادنا منظمات ترعى الأطفال فعلا لا قولا أو وسيلة لاستغلال الأطفال من عجزة وأيتام واستغلالهم لتحقيق منافع لهم. اعرف مركزا من عشرات السنين قد شرع في بنائه لميتم أقول من عشرات السنين ولا أزال أراه كما رأيته أول مرة وصاحبه يتحدث من دول الخليج ومن المجسنين تحت شعار تأسيس ميتم خاصة في إثناء الحرب الأهلية في لبنان. منذ وصولنا كان هناك مركز شرطة على مدخل المخيم إلا أنه وكعادتنا في البلاد العربية يستبد القوي بالضعيف والناس على فقرها ومصيبتها تتنازع أحيانا فيما بينها ولأتفه الأسباب وقد يستعين الضعيف أحيانا بأحد الشبان من بعلبك لينتقم من خصمه. قاربت سنة 1949على الانتهاء، أظن في أواخرها عملت في محمصة لأقل من عام، تركت العمل ضجرا وإثناء تنقلي في هذه الأعمال لم يكن أهلي يطلبون مني أن اعمل ولا يأخذون نقودا وإذا احتجت أطلب منهم فلا يبخلون علي.

في العام 1949 فتحت سينما امبير وهي تعمل إثناء الوجود الفرنسي ثم أقفلت لقلة عدد الحضور وهذا يعطي فكرة عن مستوى البلد المعيشي. وعندما جاء الفلسطينيون وعددهم يزيد عن خمسة آلاف مع أهل البلد مع أهل البلد أصبح فتح السينما ممكنا ًوهي تابعة لشركة لها صالات متعددة في لبنان. كان أول فيلم قدمته هو فيلم عفريته هانم لفريد الأطرش وسامية جمال وكل أسبوع تقدم السينما فيلما يتقدمه مسلسل مثل مسلسل زورو وحيل لربط المشاهدين بحضور كل فيلم لمتابعة المسلسل. إذا كان الفيلم لا يعجبهم وجدت في السينما متنفسا بعض الشيء فكنت وكثيرون أمثالي لا يفوتنا فيلم وكانت السينما المصرية في أوج ازدهارها ومعظم الأفلام أفلام استعراضية وفي هذه السينما حضرت في أوائل الخمسينات فيلم فنجان الهندي وقد دهشت بالمناظر الرائعة التي تعرض في الفيلم وخاصة حدائق الزهور.

عملت لأسبوع أو أسبوعين على الأكثر عند رجل يصنع المدفئ على المازوت، لم أتقاض منه إي أجر واذكر أنه طلب مني مع ولد أخر اصغر مني أن نذهب ونركب مدفأة في بيت. البيت قديم ومتسع ومرتفع جدا، أخذنا القساطل والمدفأة وأنا لا دراية لي مطلقا كيف سنركبها، احضروا لنا سلما طويلا واستطعت بمعرفة هذا الولد الصغير والذي كان يرتدي سروالا المعروف بالشروال، أقول استطعنا أن نمد القساطل ونضع المدفأة ولكنه كان عملا غير متقنا وأظن أنه ستسقط بعد خروجنا. اثر في هذا العمل فصاحبه فقير والمحل مخلع الأبواب، قلت في نفسي أنا لم اخلق لهذا العمل وكأن هذا دليل وعي مع قلة الحيلة لعدم وجود مدارس. عملت بعدها في دكان أيضا اقل من سنة من أواخر 1951 إلى ربيع 1952. وضعنا عند هذا الرجل وكأن تاجرا أمينا 1000 ليرة أمانة. في ربيع 1952 كان الوقت بعد الغروب حيث كان العمل يبدأ قبل شروق الشمس وينتهي بعد الغروب بساعتين على الأقل. أظن في تلك الأثناء حددت ساعات العمل في لبنان بثماني ساعات. أقول كان الوقت بعد الغروب وقد فقررت أن أترك العمل ولكن لا يوجد سبب لترك وأنا بطبعي الخجول أقف إلى جانب صاحب المحل وكانت علاقتي معه طيبة ويروي لي أحيانا كيف أنه لم يوفق بأولاده وكأن له عدة أولاد في صحة تامة ولكنهم لم يكونوا كأبيهم في حبهم التجارة. كنت أفكر ماذا أقول له وكأن صمت قليل ثم قال لي صاحب المحل ـ أبو قاسم ـ يا معلمي يا محمد بكرة لا تجي استغنينا عنك. وانطلقت في ضحكة قوية وقلت له والله أنا واقف أفكر كيف أقول لك أنني سأترك العمل. هذه من المصادفات النادرة. تركت العمل وبقيت الأمانة الألف ليرة وهي في تلك الأيام تمكنني من أن افتح دكانا بدلا من اعمل أجيرا. بقيت الأمانة حتى سنة 1963.

(*) كاتب فلسطيني مقيم في بيروت
mohammed_khachan@yahoo.com


® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600