صفحة البداية
عن الجمعية
حق العودة
عن سحماتا
أخبار سحماتا
مواقف ونشاطات
شهادات وذكريات
مقالات و دراسات
أخبار منوعة
فن, تراث وحكايات
قوس قزح
من رياض الثقافة
والأدب
أفلام وأغاني
صور سحماتا
دنيا الأطفال
تعزيات
روابط مميزة
دفتر الزوار
اتصل بنا
English

شهادات وذكريات


وما نسينا.. سحماتا
لن نتحرك ولن ننتقل الى مكان آخر
إن محطتنا الاخيرة في القبر او في سحماتا

* بقلم الكاتب: سلمان ناطور *

قبل ان نبحث عن دليل يأخذنا الى قرية سحماتا، قلنا: لا بأس لو اننا نبحث عن دليل في الكتب "الاسرائيلية". ووقع بين ايدينا موسوعة عبرية باسم موسوعة "ارض اسرائيل". فتحنا على صفحة 950 فعثرنا على "سحماتا" وهكذا يكتبون عنا: "قرية مهجورة في الجليل الاعلى، على الطريق بين نهاريا والبقيعة وسعسع، وترتفع عن سطح البحر 632م. سكانها العرب الذين قاتلوا اليهود، هربوا بعد ان احتل الجيش "القرية"".

رحنا نبحث عن دليلنا. عن شيخ مشقق الوجه، يحكي عن ايام زمان، عن ايام الثورة وايام الاحتلال، عن ايام التشريد، وايام العذاب، سألنا عنه في البقيعة، قالوا: سكن هنا بعد الاحتلال، ولكنه ترك. وسألنا في ترشيحا، وفي فسوطة. قالوا ترك. الى ان وصلنا الى حيفا، بوابة الدير. غيتو عربي صغير يختفي وسط العمارات الشاهقة التي اقامتها شركة "العميدار" لعائلات اليهود القادمين الجدد، من رومانيا، ومن بولونيا، ومن العراق ومن المغرب... ومن.... والقادمون الجدد من "سحماتا" ومن معلول، حشروهم في غيتو بوابة الدير، في غرف صغيرة، تصل اليها بواسطة درجات ترتفع عدة امتار، وحين تصعد اكثر من عشرين درجة يقولون لك: هنا يسكن الشيخ الذي تبحث عنه. وصل من سحماتا عن طريق فسوطة والبقيعة وترشيحا واستقر هنا، لا يتحرك ولا ينتقل الى مكان، يقسم الف يمين ان محطته الاخيرة ستكون اما في القبر او في سحماتا.
لا تكاد تسلم عليه، وتجلس لتسمع الحكاية من اولها، حتى تأتي حفيدته وتقول: "القيامة قايمة عند رفقة! البلدية، البوليس، الدنيا قايمة قاعدة!"
رفقة كسابرة، وفدت من معلول التي مسحت عن وجه الارض، واستقرت في بوابة الدير، ارملة ولها اولاد، كبروا في بيت مؤلف من غرفة واحدة، ومطبخ، هو اقرب للبراكية منه الى بيت عادي.
الشقوق العريضة في جدرانه منافذ مفتوحة للجرذان والحشرات في الصيف، ولمياه الامطار في الشتاء القارس. اصدرت البلدية امرا بترحيلها وهدم البيت/البراكية، دون ان يقدموا لها مأوى آخر، رفضت فجاءت "البلدية" ومعها حرس الحدود والشرطة. وفي تلك الليلة "كانت القيامة قايمة" ولولا ان اهالي الحي اقاموا الدنيا واقعدوها لكانت البلدية نفذت اوامرها، وتركت رفقة كسابرة واولادها بلا مأوى..
وعدنا الى الشيخ المشقق الوجه، في التسعين من عمره، يرى بصعوبة، ويسمع بصعوبة لكنه بسهولة فائقة يتذكر كل شيء.. واكثر ما يحب ان يحدث عنه: علاقات الناس بين بعضها في سحماتا. كان عدد سكانها حوالي 1200 نسمة، اكثرهم من المسلمين وحوالي سبعين من المسيحيين، احد مختاري القرية كان مسيحيا.. انا يا عمي باخجل احكي عن اسلام ومسيحية ودروز، بس اسمح لي احكي عن سحماتا علشان الناس تعرف كيف كان التسامح، في بلدنا، ما كنا نعرف الطائفية، سحماتا بلد وحدة وشعب واحد.

اسمع مني هالحكاي: يوم عرسي كان واحد من دار الغبريس يخيل على فرس، دهك ولد من دار قدورة، ابوه كان على راس صف السحجة. ترجل الخيال وقال له: ديته عندي. وقف جد الولد وقال: احنا بالمصاري ما منشتري اولاد. خذوا الولد على البيت وكملوا العرس. العرس لكل اهل سحماتا.

مثلما كان العرس لكل اهل سحماتا، كانت البلد وكانت الاراضي: خلة الكنيسة، ارحاتا، برزة، رخصون، خربة سيريا، خربة البالوع، خربة الشقارة، وكروم الزيتون في الواجهة الشرقية، الشمالية في راس العزاز. كروم الشمالية، المرج الغربي. كلها اراضي سحماتا، لم تظهر في الدليل العبري. على هذه الاراضي اقيمت مستوطنات: سوريئيل ومعلوت وحوسن.. ومدينة الورود، تظهر اليوم على الخارطة، وتظهر في الدليل... وتظهر على لسان الشيخ المشقق الوجه.

"هل يعقل ان يكون سكانها العرب قد هربوا منها - كما جاء في الموسوعة - هكذا بهذه السهولة. هكذا ببرودة اعصاب، اكثر من الف ومائتي نسمة، شردوا الى لبنان والى قرى الجليل الاخرى، هل يمكن ان يغادروا بلدهم لمجرد ان الجيش الاسرائيلي احتل القرية. حين تنقل الى اذن الشيخ هذا الكلام "البايخ"، يخرج بانامله المرتجفة علبة السجائر من قمبازه ويشعل واحدة، وهو يحرك رأسه، فتدرك انه يستعد ليحكي الحكاية من اولها، يعود الى ايام الاتراك، وينتقل الى ايام الانجليز، الى ايام الستة والثلاثين، حين دخلت مجموعة من الجنود الانجليز لاقامة "نقطة" في قلب القرية ليقمعوا الثوار. ولما انتهوا من مهمتهم واستقروا، وصلت فرقة من الثوار وحاصرت النقطة واحتلتها، وقتلت قائدها، واسرت الجنود، "زلبطوهم وتركوهم يروحوا لقيادتهم" - يقول الشيخ ويمص السيجارة ثم يضحك ملء فمه وهو يتذكر حالتهم وهم عائدون الى قيادتهم. بعد ثلاثة ايام "الانجليز طوقوا البلد، وبدأوا يخربوا، يدخلوا البيوت ويكسروا الاثاث، كانوا يهينوا الناس بالضرب ويرموا عليهم الواح الصبر، وكبوا الزيت على الارض وفي بركة المي، خربوا الدخان وفي ساحات البيوت كبوا السميدة والقمح.. يومها، شردنا من البلد، ورجعنا بعد اربع خمس ايام...

يتوقف الشيخ عن الحديث بعد ان يمعس سيجارته المرتجفة في المنفضة الزجاجية، وينتقل الى المرحلة الاقسى، سنة الاحتلال، كل التفاصيل جاهزة في الذاكرة، كأنه يسحبها من خزانة مرتبة، في البدء كانت الغارة، بعد ان وصلت الاخبار عن احتلال ترشيحا وسعسع وتفاصيل معركة جدين بين جيش الاحتلال وقوات الانقاذ.
كان ذلك في تشرين الاول، لا يذكر اليوم، يذكر انه كان يجمع الزيتون، الطائرة اخذت تقصف القرية، القنابل تساقطت على البيوت وفي الشوارع قتلت موزة موسى زوجة اسعد النمر كانت في دارها، امرأة في الاربعينات، سقطت عليها القذيفة فمزقتها. وفي الحارة كان يركض شيخ في الستينات، اسمه خليل سلوم، سقطت عليه القذيفة، فأردته يتضرج بدمه. وهذا ما اصاب خليل عبود، رجل من البقيعة صاحب ملك جاء الى سحماتا ليجمع ديونه، فقتل، لما ضربت الطيارة كنا خمس ست ازواج، نحتمي عند باب مغارة، صار يهيل علينا التراب، قال صالح الاسعد: لا تخافوا. وصار بأيديه يزيح التراب، بعد ما راحت الطيارة، دخلنا على البلد، نتفقد الوضع، انقتلت مهرة لدار الشيخ محمود الجشي، يوسف الجريس كان معنا، تصاوب، نقلته على البيت، في الطريق دعست على شيء طري، صرخت، قالوا لي: دعست على زلمة. طلع جثة خليل سلوم. اما المنظر اللي يزعزع البدن، لما دخلت في الحارة اتفقد البيوت، على الارض كانت جثة امرأة الشيخ فتح... الكلاب كانت تنهش بلحمها... رفعت عصاي وابعدتها...
في الجولة الاولى، طائرة حلقت فوق سحماتا، والقت بالقذائف، قتل اربعة وجرح ثلاثة: يوسف جريس سمعان، وابو حسن فضة، واما محمد الحاج ابراهيم فقد اصابته القذيفة لكنه لم يقتل، كان في الوعر، توجهت امه الى علي الحيحي من حرفيش وطلبت منه ان يبحث عن ابنها، بعد اسبوعين وجده في الوعر، نقله الى حرفيش، على آخر روح، بعد ما اسعفوه، نقلوه الى بيروت، من يعرف اين يعيش اليوم محمد الحاج ابراهيم؟ اهل بلده من سحماتا يسألون عنه وعن صحته.
فمن يعرف عنه شيئا الرجاء ان يخبرهم بواسطة الصليب الاحمر.
في الجولة الثانية، دخل الجيش، ضابط العملية كان اسمه "غزال"، جمعوا الناس في الحارة قرب البركة، وبدأوا بتفتيش البيوت، كانوا يبحثون عن اسلحة، بين الناس كان رجل اسمه ابو محمد من دار قدورة، وله ولد كانوا ينادونه "ابو سالم"، جرح في الغارة، استدعى الضابط ابا محمد من بين الناس، وقال له:
"عندك بارودة. معك خمس دقائق تروح تجيبها"
- يا خواجة، ما عندي، وفي خمس ايام ما بقدر اجيبها، لو كان عندي.
بعد خمس دقائق احضروا ابنه "ابو سالم"، كان عمره 24 عاما، كان دمه ينزف، اوقفوه، وامام ناظري والده، اطلقوا عليه الرصاص فسقط قتيلا، وراح والده يصرخ: مات ابو سالم، مات ابو سالم. "ومن يومها ما عرفت عنه شيء".
بعد التسليم طخوا 13 واحد. بينهم: حسن موسى وعطالله صالحة ومحمد عبد الرحمن وعبد الوهاب سلمون، ومحمد ابراهيم قدورة وفوزي قاسم موسى.
"حياة مصطفى العلي، كان في الاربعينات وعنده اربع اولاد، اليوم عايشين في لبنان كان عنده طرش ومتولع في طرشاته، يعبدهم عبادة، كان عنده بارودة، راح طالها، قالوا له: عندك بارودة ثانية.
قال لهم: ما عندي
طخوه في حاكورة السوس.
جلس احفاده من حوله يصغون الى كلامه، خيم صمت على الغرفة الضيقة التي جمعتنا، حين توقف عن الحديث، واخذ يتذكر اسماء الذين قتلوا وغابوا عن باله، اشعل سيجارة اخرى، ولم تسعفه الذاكرة، اطفأ السيجارة وواصل حديثه، كيف جمعوا الناس، وامروهم ان يغادروا القرية، "حملوا كل واحد شاروط قصب وعليه حطة بيضاء وامروا الناس. يلاّ، يلاّ على لبنان، في الليل، منهم من قطع الحدود ومنهم من استطاع ان يتسلل الى البقيعة وباقي القرى. بعد ان اخليت القرية، احضروا الجرافات وصاروا يهدموا بيوتها، "اول ما هدموا الحارة الشمالية، فيها الجامع وفيها الكنيسة، من الجامع بقي جدار واحد، ومن الكنيسة جدار واحد".
سحماتا لا تظهر اليوم على الخارطة، تظهر في الموسوعات وفي كتب التاريخ وفي ذاكرة اولئك الذين يذكرون كل بيت وكل حارة وكل "شقفة ارض" وكل حجر من حجارها.
سألت الشيخ: ليش سموها سحماتا؟
ابتسم فانفرجت اساريره، وكادت الشقوق ان تغيب عن وجهه، كان يعود الى صباه يوم كان يجلس مع "الختيارية" ويسألهم اسئلة كهذه:
"الختيارية كانوا يقولون، البلد كانت في الخلة، هناك كانت كنيسة بعد ارضيتها المنقشة موجودة لليوم. في المنطقة كان واحد وجيه وصاحب شأن اسمه متى، يوم مرض، وكان مرضه قاسي، وصفوه يطلع على التلة ويسكن هناك. طلع، بعد مدة شفي من مرضه. وصارت الناس تقول: صح متى. بعدين حرفوها وصارت سحماتا. يعلم الله، من هون جاء اسمها.

في اوائل الخمسينات بدأ الاهالي يطالبون بالعودة الى قريتهم، بعثوا رسائل الى كل الجهات، "وقعوا على مضبطة" ارسلت الى الكنيست والى الحكومة والى الرأي العام، لكن لا حياة لمن تنادي.
سليم السمعان، كان في فسوطة، راح زار البلد، شاف المقبرة الاسلامية محروثة وبيزرعوها عنب، كان يعرف انجليزي، كتب مكتوب لجريدة "البوست" نشرته الجريدة، بعد اربع او خمس ايام، وصل البوليس الى فسوطة، وراح يسأل عنه، ما وجدوه في البلد. التقو شيخنا المشقق الوجه على الطريق. كان راكب حمار. سأله الشرطي:
- معك رخصة سواقة للحمار.
- ضحك، وهل كان يمكن الا يضحك، ضربوه.
"ومن يومها انتقموا منا ورفضوا يعطونا تصريح نزور بلدنا".
من يفلح اراضي سحماتا اليوم. ومن يسكن عليها؟ اقاموا مستوطنات، تسكنها عائلات وصلت من كل انحاء الارض، لكن اهلها الاصليين يحظر عليهم ان يفلحوها. ويسمح لهم بزيارتها، ليس اكثر، ابناء شيخنا المشقق الوجه، يصرون في كل عام، وفي يوم "استقلال" اسرائيل ان يجتمعوا ويسافروا الى قريتهم، يقضون النهار حتى مغيب الشمس، يسمعون عن ايام الهجيج، وعن غارة الطيارة، يتركون احزانهم على ثرى سحماتا ويعودون الى بوابة الدير ليواصلوا الحياة.

"لي صاحب يهودي، اسمه شاؤول يسكن في مستوطنة حوسن، تعرفت عليه لما كنت ازور البلد، ومن يومها ضربنا صحبة قوية، يوم دعاني اقطف برقوق من "ارضه" وصلت باب الارض، وقفت وصارت الدمعة ترف من عيني، تطلع في وقال: ليش زعلان. قلت له: هاي ارضي يا شاؤول.
في يوم من الايام، دخلت على بيته، كانت زوجته في الدار، تطلعت في وغصت بالبكا. قلت لها: ليش زعلانة. وين شاؤول.
قالت: لجنة المستوطنة دعته لاجتماع. قرروا ممنوع دخول العرب للمستوطنة. شاؤول مش موافق. ولكن شو نعمل مع اللجنة يا ليتني مت ولا جيت على هالبلاد....

الشيخ الذي بحثنا عنه والتقيناه، وتحدث الينا هو السيد كامل سليم سمعان "ابو اسعد"... أنهى حديثه معنا مردداً... لن نتحرك من باب الدير الا الى القبر او الى سحماتا.


نشرت في "الجديد" عام 1984 وصدرت في كتاب "وما نسينا" او "سيرة الشيخ المشقق الوجه"
- عن -
مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي رام الله، فلسطين - عام 1998




® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600