صفحة البداية
عن الجمعية
حق العودة
عن سحماتا
أخبار سحماتا
مواقف ونشاطات
شهادات وذكريات
مقالات و دراسات
أخبار منوعة
فن, تراث وحكايات
قوس قزح
من رياض الثقافة
والأدب
أفلام وأغاني
صور سحماتا
دنيا الأطفال
تعزيات
روابط مميزة
دفتر الزوار
اتصل بنا
English

شهادات وذكريات



الوصول الى لبنان ولقاء الأهل والبحث عن عمل في طرابلس
احمد حسين اليماني

وداع الوطن
نظرة حانية ودمعة ساخنة

بعد رحلة العذاب الرهيبة منذ يوم اعتقالي في سحماتا الحبيبة، نهاية شهر تشرين الأول 1948، إثر احتلال العدو الصهيوني لمناطق لواء الجليل، وطرد الأهل من القرية، ونقلي الى معتقل نهلال في مرج ابن عامر والتي انتهت بعملية الطرد القسري من فلسطين.. والتي كان اشدها وقعًا على الذات، تلك النظرة الاخيرة التي القيتها على قريتنا الحبيبة سحماتا، اثناء مرور السيارة العسكرية التي نقلتنا مسرعة من المعتقل لتلقي بنا الى المجهول على الحدود اللبنانية الفلسطينية..

كنت مكبّل اليدين والرجلين، لم اتمكن من ايماءة وداع، فاكتفيت بنظرة حانية، ودمعة ساخنة، وصرخة لا مثيل لها.

همّ وأعباء.. ومناجاة رب السماء
بعد الوصول الى الحدود الفلسطينية اللبنانية، التي رسمها الاستعمار البريطاني الفرنسي عام 1923، تنفيذًا لاتفاقية سايكس - بيكو عام 1916، وبعد التعليمات المشددة، والتهديدات الأكثر شدة... أنزلونا من السيارة، وفكوا وثاقنا، وخاطبنا الضابط، الصهيوني بلغة عربية: "اليوم اطلقنا سراحكم، وكنا قد عممنا اسماءكم على كل مخافر الشرطة التي مررنا بها، سيروا الى لبنان، لا تلتفتوا يمينًا، ولا يسارًا ولا خلفكم، ومن يخالف التعليمات، سيطلق الجنود عليه النار، لا تجربوا العودة، فالموت بانتظاركم".
بدأ السير على غير هدى، نتألم لفراق الوطن المغتصب، ونتطلع الى السماء نبتهل الى الله العلي القدير، أن لا يتخلى عنا، وأن يمدنا بالعزيمة والقوة التي تمكننا من العمل لتحرير وطننا، واستعادة حقوقنا التي اغتصبها اعداؤنا، والعودة الى المرابع الخضراء، وملاعب الطفولة في رحاب الوطن..
وبعد مسيرة مضنية بين الشوك والبلان والصخور والوديان بانت لنا معالم قرية رميش في ارض لبنان.


قرية رميش
كانت محطتنا الاولى في لبنان
كان للعم محمود معروف المطرود معنا، معارف وأصدقاء، في قرية رميش، اصطحبني معه الى منزل أحدهم من آل الخوري، الذي استقبلنا بالتأهيل والترحاب.. وهنأنا على سلامة الوصول. وقضينا تلك الليلة في ضيافة هذه العائلة الكريمة.. وكنا نتساءل اين حط المشردون رحالهم؟ والى أين توجهوا؟.. وكان مضيفونا يخففون عنا معاناتنا، ويصفون لنا حالة الجموع الذين مروا بالقرية.. وما قام اهل القرية من الواجبات نحو من مروا بهم متجهين الى الشمال.. الى قرية بنت جبيل في الطريق الى مدينة صور.. حيث كان الصليب الأحمر الدولي، قد أقام مخيما مؤقتا لاستقبال المنكوبين المشردين.. وكان اهل مدينة صور والقرى المجاورة يحملون للمخيم ما أمكن من الطعام والشراب، والبطانيات، والادوات المنزلية ويضعونها بتصرف الصليب الاحمر ليتصرف بها وفق ما يرتئيه.


الانتقال الى النبطية
في صبيحة اليوم التالي، وبينما كنا نعد انفسنا لمغادرة منزل مضيفنا، والاتجاه الى مكان التجمع في صور، وصل الى المنزل خالي جميل، وابنه رزق، وكان قد اودع عندهم فرسًا اثناء طرده من سحماتا، جاء ليبيع الفرس.. كما حضر معه بعض ابناء القرية: محمد سليم قدورة، عمر الحاج هاشم، محمد اسعد عامر، ويعقوب اسعد.. كانت مفاجأة سارة لنا جميعا، اطمأن خالي الى سلامتي، (حيث كان خبر اعتقالي وتصفيتي متناقل بين اهل القرية) وطمأنني عن الاهل وسلامة الجميع.. وقال نحن (دار خالي) موجودون الآن في قرية النبطية. وأما اهلك فقد وصلوا الى ميناء طرابلس.. واضاف: الآن يمكنك ان تعود انت وابن خالك رزق الى النبطية، وأنا سأنهي ما اتيت من اجله والحق بكما، وهكذا كان، ودّعت خالي والعم محمود وشكرت مضيفنا.. وتوجهنا "رزق وأنا" الى النبطية.. وصلناها مساء..


مفاجأة أهلية
دخل رزق قبلي الى المنزل، وقال لأهله، معي ضيف ينتظر في الخارج، فقالت له والدته لماذا تتركه في الخارج؟ أدخله.. ولم تسأله عن اسم الضيف.. ولم انتظر حتى يعود رزق ليدخلني، بل دخلت البيت وكانت المفاجأة للجميع، الذين هبوا من اماكنهم.. مرحبين، وبالامكان تصور فرحة هذا اللقاء، رحت احدثهم عما حدث لي منذ طرد الصهاينة اهل سحماتا واعتقالي، والتحقيق معي.. ونقلي الى نهلال.. و.. طردي.. و.. و.. حتى التقيت مع خالي.. في رميش..
وراحوا بدورهم يحدثونني عما جرى لهم منذ طردهم الصهاينة، حتى استقروا في النبطية.. وأن اهلي مع عدد من العائلات نقلوا في القطار من صور.. الى ان وصلوا الى ميناء طرابلس.. وهناك أنزلوا ليقيموا في احد عنابر الميناء.
بعد يومين عاد خالي من قرية رميش.. وفي صباح اليوم التالي نقدني بعض الليرات اللبنانية، واصطحبني الى الكراج، وأوصى السائق الذاهب الى بيروت ان ينزلني في كراج السيارات التي تذهب الى طرابلس..


لقاء الأهل في ميناء طرابلس
وصلت الى طرابلس، واتجهت الى الميناء.. وأنزلني السائق امام العنابر التي يقيم فيها الفلسطينيون المشردون.. وكان جمع من الصبية يلعبون امام العنابر وكان بينهم شقيقي هاني.. الذي ما أن رآني، حتى راح يركض نحو العنبر، وهو يصيح بأعلى صوته... "يمّا.. أخوي أحمد.. يمّا أخوي احمد رجع.." واندفع الأشقاء، والشقيقات الذين كانوا يلعبون خارج العنبر نحوي وهم يبكون.. ويصرخون اخونا احمد رجع.. اخونا احمد رجع!!!!.


فرحة الوالدة: بكاء وزغاريد
وما أن سمعت الوالدة الصراخ.. حتى خرجت من داخل العنبر، واندفعت نحوي، تبكي وتزغرد.. وتحمد الله، وفرقت الاخوة والاخوات والاطفال، وضمتني الى صدرها، وطوقتني بذراعيها.. وأدخلتني الى العنبر.. واجتمعت النسوة اللواتي كنّ في العنبر (كان العنبر يضم اثني عشرة اسرة!!!. تفصل بين الأسرة والاخرى بطانية منشورة على حبل).. ورحن يهنئن والدتي بعودتي سالما معافى..


أين أبي؟
كنت كالطفل الرضيع في حضن والدتي، وكان اخوتي واخواتي يحيطون بنا.. وكأننا في عش طائر..
سألت والدتي أين أبي؟
ردت الوالدة باكية (وهي لم تتوقف عن البكاء): والدك عاد قبل ثلاثة ايام الى فلسطين ليبحث عنك.. وأضافت:
"كنا نياما، ويظهر ان اخاك برهان كان يحلم، ورآك في المنام ميتا.. فإذا به يصرخ. وهو نائم: "مسكين أخوي احمد مات".. "اليهود قتلوا اخوي احمد.." وراح يبكي وهو نائم..
أفقت وابوك على صراخ برهان وبكائه، ورحنا نستغفر الله وندعوه ان يفرج عنك، ويعيدك الينا سالما.."


عودة الوالد الى فلسطين
وعند الصباح، وبعد خروج اخوتك من العنبر، وبقيت ووالدك وحدنا قال لي: "يا سعيدة.. بعد ما سمعناه من برهان، وهو يحلم، قررت ان اعود الى فلسطين لأبحث عن احمد.. فديري بالك على الاولاد.."، ولم يترك لي مجالا لكي اسأله شيئا.. وقبل ان يخرج قال: "ان تأخرت وسألك الاولاد عني، فقولي لهم انني وجدت عملا في الجبل، وسأعود بعد اسبوعين، ومعي مصاري لاشتري لهم ملابس جديدة".. ثم ودعني وتسهل.. وراحت تدعو بأن يعود بالسلامة..


هل صحيح ان البكاء في المنام فرج؟
تذكرت وانا استمع الى والدتي وهي تروي لي قصة بكاء اخي برهان وهو يحلم مقولة كانت تتردد على لسان العجائز .."البكاء في المنام فرج" وكنّ يفسرن ذلك بأنك اذا حلمت بأنك بكيت في المنام لسبب ما او اذا حلمت بأنك رأيت أخرا يبكي فان ذلك سيجلب لك، أو لمن رأيته يبكي الخير والسعادة!!!
تذكرت هذه المقولة بعد أن سمعت والدتي تقول أنها ووالدي سمعا اخي برهان يبكي وهو نائم، ويقول:" مسكين اخوي احمد مات".. وأن ذلك حدث قبل ثلاثة ايام أو أربعة..أي في نفس اليوم الذي تم فيه اطلاق سراحي من الأسر،وطردي من فلسطين،ووصولي سالما الى رميش في طريقي للاجتماع بالأهل..


كيف وصل الأهل الى طرابلس
ومع الأيام كانت الوالدة، تحدثني كلما سنح لها الوقت، وكلما تذكرت شيئا كانت قد نسيته عن رحلة العذاب من يوم طردوا من فلسطين..وبقائي أسيرا بيد العدو..وحتى وصولهم الى ميناء طرابلس، واستقرارهم في العنبر رقم 12 من مستودعات السيد أحمد مرعي.. وملخص هذة الرحلة كما قالت الوالدة:"كل ما أخرجناه معنا لحافين وبعض البطانيات..والحمارة "شيالة الحمل".
أبوك يجر الحمارة، ويحمل أختك أسمهان..وأنا أنهر الحمارة، وأريّحه بعض الأحيان..
وصلنا رميش مع الواصلين.. وانتقلنا مع الناس الى صور.. ونزلنا في المخيم، حيث كان الصليب الأحمر، يوزع على الناس الخبز، والبطانيات وما يتبرع به أهل البلد من الملابس..ولما أصبح لدينا عددا من البطانيات، باع أبوك اللحافين!!!.


مغادرة صور بالقطار
صباح أحد الأيام: قال المسؤولون عن المخيم.. اجمعوا أغراضكم، واستعدوا للسفر.. سيأتي القطار، وينقلكم الى سوريا.. وبالفعل عند الظهر وصل القطار، وصعدنا اليه.. وغادرنا صور.. وكانوا يوزعون علينا الخبز وعلب السردين والماء في القطار..
بعد كم ساعة (لا أعرف تقول الوالدة) وصلنا الى هذه المحطة القريبة من هنا (محطة سكة حديد الميناء).. وتوقف القطار.. ولم يعد يتحرك.. بتنا ليلتنا في القطار.. وفي الصباح لم يسمح لنا بمغادرة القطار، الاّ لقضاء حاجة.. وكان العسكر(الدرك) يحيطون بنا..


لماذا توقف القطار؟
راح الرجال يسألون لماذا توقف القطار، ولماذا لا يسمح للناس النزول منه الاّ لقضاء حاجة وعودة سريعة؟؟.. ولم نكن نعرف لماذا.. وفي اليوم التالي عرف الناس السبب: لقد اصبح العدد الذي وصل الى سوريا كبيرا.. وان الحكومة السورية قررت الاكتفاء بقبول العدد الذي وصلها.. ولذلك منعت القطار من دخول الأراضي السورية.. وأن هناك مساع لمعالجة هذا الأمر.. وقد استمر البقاء في القطار عدة ايام.. وأخيرا سمح لراكبي القطار النزول منه، ودخول العنابر التي تم إفراغها من محتوياتها.. وكان كل عنبر يضم عددا من العائلات حسب اتساعه او ضيقه..


أهالي طرابلس يقدمون المساعدات للقادمين
وعندما سألت الوالدة، وكيف كنتم تدبرون امركم، بعد نزولكم من القطار، وتوقف المسؤولين عن تقديم الطعام لكم قالت: "يكثر خير اهل طرابلس وأهل الميناء بعد ان تم انزالنا من القطار بدأ اهل المدينة يمرون على العنابر، ويحصون العائلات.. ويقدمون لنا ما يجودون به، والله يا ابني صدق المثل اللي بيقول: "الله ما بيبلي حتى يعين".. بلينا باليهود، وطردونا من وطننا، وبعث الله اهل لبنان يساعدونا ويعينونا على مصيبتنا.. الله يحميهم ويخليهم في ديارهم".


رسالة الصليب الأحمر
احضرت لي والدتي الرسالة التي تلقاها والدي من الصليب الاحمر الدولي، والتي كانت ردا على رسالة بعثها للصليب الاحمر كتبها له احد الذين عرض والدي موضوعي امامهم.. والرسالة تنص على اعتراف العدو بوجودي اسيرا في فلسطين تحت رقم محدد 4145 بتاريخ 8 كانون الاول 1948.
وقالت: أخذ ابوك معه صورة عن هذه الرسالة ليعرضها على الذين سيطلب مساعدتهم في فلسطين للبحث عنك..


عودة الوالد من فلسطين
عاد الوالد من فلسطين والتقى في رميش بأحد ابناء القرية "محمد سليم قدورة" الذي اخبره بأنني وصلت قبل بضعة ايام على رميش.
والتقيت مع خالي جميل وابنه، وأننا غادرنا رميش. الى النبطية في الطريق الى طرابلس.. فتوجه الوالد الى كراج السيارات.. الى صور، فبيروت، فطرابلس... وكان اللقاء حارا، ذكرني بالاندفاع الذي سبق ان اندفعه يوم كنت طالبا ادرس في ترشيحا، وكادت مياه الوادي تغرقني!!..


الشيخ جبر الداهش من جديد
راح الوالد يحدثنا عن رحلته الى فلسطين.. وكيف كان يسير في الليل، ويختبئ في النهار.. ولا يترك وراءه أثرا يدل على مرور انسان.. حتى وصل الى كفر سميع وقابل صديقا له من آل فلاح (كان والدي يعمل عند والده يوما ما) والذي اعتذر له عن امكانية تقديم اية مساعدة لأنه لا يعرف احدا له صلة بالعدو.. وكيف انتقل الى قرية البقيعة، وقابل السيد يوسف كمال الذي كان عضوا في اللجنة المركزية، والذي اعتذر له كونه غير مقبول عند اليهود. الذين يعرفون ماضيه، ونشاطه الوطني، ونصحه بأن يذهب الى قرية يركا ويقابل الشيخ جبر الداهش. الذي يرتبط بعلاقات جيدة مع بعض مسؤولي العدو.. ولم يكن والدي يعرف ما تم معي ومع الشيخ جبر.. يوم جاء يطلب تصريحا لنقل بعض البقرات من ترشيحا الى يركا.. والموقف الرافض الذي وقفته مستعينا بالعقيد المهدي.

الله يرحم ابنك؟
استقبل الشيخ جبر الوالد.. وعندما طلب منه والدي المساعدة بمعرفة مصيري على الاقل.. وتذكر الشيخ جبر القصة التي أشرت اليها.. رد على الوالد قائلا: الله يرحم ابنك، لقد حاول ان يهرب من المعتقل. فأطلق الحراس النار عليه، وأردوه قتيلا، ثم جروه الى مكان غير معروف ودفنوه هناك.. أنصحك ألا تتعب نفسك وأن تعود من حيث اتيت، خوفا من ان يعرف اليهود انك والد احمد فيعتقلونك ولا تدري ماذا يمكنهم ان يعملوا بك انت ايضا..
كان والدي سيتابع المساعي.. ولكنه بعد سماع حديث الشيخ جبر الداهش ازداد همه، وقرر العودة.. ويقول انه بقي يومين كاملين، وهو يسير في الجبال بدون طعام حتى وصل الى رميش، والتقى بالسيد محمد سليم قدورة الذي بلغه بخبر عودتي وهنأه بسلامتي.. يقول الوالد: شعرت وكأنك يا احمد، ولدت من جديد.. وحمدت الله على سلامتك.. وطلب من والدتي ان تقدم له ما هو متيسر من الطعام لسد رمقه..


البحث عن عمل في مدينة طرابلس
بعد ان استقر بي المقام في طرابلس، رحت أبحث عن عمل لمساعدة الوالد بتأمين النفقات العائلية.. كنت اطوف على المحلات التجارية، على المعامل، على المقاهي، على المكاتب، اسأل ان كان هناك حاجة لعمل كتابي او لعمل يدوي.. الى ان مررت ذات يوم الى محل تجاري، يحمل لافتة كتب عليها: شركة الصناعات الكيماوية للتصدير، لصاحبيها: منح وسميح عدرة.
طرقت باب المحل، وألقيت السلام على السيد الجالس خلف الطاولة، وسألته ان كان بحاجة الى كاتب او عامل.. وقلت: انا فلسطيني متعلم، وأبحث عن عمل.. وبعد اخذ ورد، وأسئلة وأجوبة، قال لي السيد عدرة: لدينا عمل كاتب محاسب.. ويبدو انك قادر على القيام بهذا العمل.. لكنني لا استطيع اليوم ان أبتّ بالأمر، لأنني سأطرح امرك على أخي وأخذ موافقته على تعيينك، وتحديد الأجرة.. وأفضل ان تحضر صباح غد مع والدك لنتعرف عليه. وأين تقيمون.. الخ..
عدت الى البيت، وأطلعت والديّ على ما تم، فراح لسان الوالدة يلهج بالدعاء، وتبتهل الى الله ان يوفقني.. وارتاح الوالد لما سمعه وحمد الله..


توجهنا صباح اليوم التالي الى محلات السادة منح، وسميح عدرة، وكانا بانتظارنا.. ويظهر ان السيد الذي التقينا به (سميح) قد أطلع شقيقه (منح) على ما دار بيننا، واتفقا على اعطائي فرصة العمل عندهم: كاتب حسابات باجرة عشرين ليرة اسبوعيا، تحت التجربة.. ثم استفسرا عن مكان اقامة والدي، وأوضاعه.. ثم بدأ السيد سميح بتحديد مهماتي، ومواعيد بدء الدوام اليومي والانتهاء..
كنت في نهاية كل اسبوع أقبض عشرين ليرة وأسلمها للوالد، بالتمام والكمال، لا أصرف منها شيئا فأنا لا ادخن، ولا اذهب للسينما، وأذهب الى مكان العمل وأعود منه مشيا على الأقدام.. مع ذلك اقبل من الوالد ما يعطيني هو إياه..
اخطأت ذات مرة، فاشتريت بعد ان قبضت أجرة الأسبوع قميصا ماركة "أرو" بخمس ليرات.
عندما سلمت الوالد الباقي (15 ليرة) قلت انني اشتريت قميصا بخمس ليرات.
أخذ الوالد المبلغ، وقال: مبروك يا ابني، الله يسامحك، لو كنت اعلم انك ستشتري قميصا لذهبت معك واشتريناه بأربع ليرات او اقل (لأنك انت لا تعرف تفاصل)..
قلت مازحًا: معك حق.. القميص الجاي إن شاء الله سنذهب معًا.. "قاتل الله الفقر، وألهمنا جميل الصبر".


** من كتابه: تجربتي مع الأيام - الجزء الثاني
صدر عن دار كنعان للدراسات والنشر، دمشق 2004


® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600