صفحة البداية
عن الجمعية
حق العودة
عن سحماتا
أخبار سحماتا
مواقف ونشاطات
شهادات وذكريات
مقالات و دراسات
أخبار منوعة
فن, تراث وحكايات
قوس قزح
من رياض الثقافة
والأدب
أفلام وأغاني
صور سحماتا
دنيا الأطفال
تعزيات
روابط مميزة
دفتر الزوار
اتصل بنا
English

شهادات وذكريات



عندما أظلمت سماء فلسطين...


مقابلة اجرتها: رجاء زعبي عمري، حنان واكيم، سحر عبده. في صيف 2005
مع السيدة نجية محمد قدورة (77 سنة) - لاجئة من سحماتا... في سان فرانسيسكو
ونشرت في مجلة الجيل الجديد آذار 2006

** محطات على الطريق.. من سحماتا... الى سحماتا **
* رميش * صور * بعلبك * صور * بيروت/ تل الزعتر * الرشيدية * ليبيا * الولايات المتحدة منذ 1980 *

عندما أظلمت سماء فلسطين في عام 1948، ونزلت بالشعب الفلسطيني نكبة الاحتلال الصهيوني واللجوء والتشريد، كانت الشابّة نجية قدورة (ام محمود) في العشرين من عمرها.. متزوجة ولها طفلة عمرها 3 سنوات وطفل عمره 11 شهراً.
هاجمت القوات الصهيونية سحماتا في 30 تشرين الأول، وكان الاهالي مشغولون بقطف الزيتون.. تقول ام محمود: قبل ان يهاجمنا الصهاينة، كنا نرى من بلدنا الجبلي أفواج الفلسطينيين المهجرين وهم في طريقهم الى لبنان وسوريا. كانوا من بلدان الساحل ومن شعب وميعار والغابسية وغيرها. كان قسم من الناس يلجأون الى سحماتا، ولا يكملون الى لبنان، على أمل ان يعودوا الى بلادهم..

** وتكمل ام محمود حكاية التشريد:
    -   اوّل مرة تيجي ع البلاد؟
    -   زوجي قبل 6 سنين اخذ الجنسية الامريكية سمحوا له ييجي. انا ما كان معي
         جنسية امريكية.. ما كانوا يسمحوا لي. السنة الماضية اخذت الجنسية. من
         اقاربي ظلّ هنا ابناء عم ابي يسكنون في الرامة. الوحيدين اللي بقوا من بيت
         قدورة.

زرت جيرانا من دار سمعان ودار طنوس ودار قيصر.. زرتهم كلهم.. اللي في البقيعة رحت زرتهم، واللي في معليا زرتهم.. واللي في فسوطة.. زرتهم كلهم والله... وإشي يغدّيني وإشي يعشّيني...
    -   طلعت على سحماتا
    -   يوم النكبة طلعنا.. وإجوا كل السحامنة وعرّفوني عن حالهن. بعدين زرتهن
         كلهن. كل ناس ساعة ساعتين..

هناك عائلة من ميعار بقوا عندنا في البلد 4 اشهر، بانتظار ان يتغير الوضع ويعودوا الى بلدهم. لم يرضوا بالذهاب الى لبنان.. الى ان فهموا ان الامر انتهى، والبلاد اخذها اليهود.. قبل رحيلهم قالوا لنا: تعالوا الى لبنان فالامر قد انتهى.. وكنّا نجيبهم: "لأ!! اليهود لا يقدرون لنا.. نحن على الجبل وسوف نطرّهم بالحجارة قبل ان يصلوا الينا.. وكنا منهمكين بقطف الزيتون، وكل شيء عادي!".
يوم ضرب اليهود ترشيحا، قالوا قُتل خمسون نفراً عند قبو دار شريح. وفي اليوم التالي - الجمعة في العاشرة صباحا - ضربوا علينا.
هربنا الى "الرّباع" (جبلة صغيرة، فيها مغارة صغيرة). دخلنا المغارة. كنا 9 انفار.. انا وزوجي وولديّ وعائلة دار عمي. الطائرة ضربت في الحاكورة، قبالنا. اندفع الغبار الى داخل المغارة.. كدنا نختنق.. خرجنا نركض! ضرب اليهود 7 - 8 قزانات وراحوا (والقزان نوع من القنابل، كان الصهاينة يلقونه من الطائرات). ولكنهم رجعوا عند العصر. بعد ذلك قررنا الاختباء في الكرْم. قال ابي: "نتخبئ هنا تحت زيتون الدّيدَبة.. فإذا ضربوا عند وجه الصبح نكون قريبين الى طريق لبنان". كانت الناس تلجأ الى لبنان من طريق حرفيش.
أطلعنا لحف وفرشات قديمة لأننا اعتقدنا اننا سنعود! وخرجنا نختبئ في الكرم. الساعة 10 ليلا، كانت سيارة جيش على الشارع، ثم دخلت الكرم واتجهت نحونا.." وكانوا من الجيش السوري. قالوا لنا: شو بعدكو بتعملوا هون؟! أهربوا.. أهربوا.. اليهود احتلوا البلاد!! فخرجنا في تلك الليلة، انا وزوجي وابني وابنتي. أما اخوتي وامّي وابي فبقوا في البلد.
كان عنّا حمارة... حطّ زوجي بعض الاغراض.. ومشينا... في الليل.. تا طلعت علينا الشمس.

وطلبنا من ام محمود ان تصف لنا معاناة الرحيل:
** الصهاينة يقصفون اللاجئين اثناء رحيلهم..


تصف ام محمود معاناة اللاجئين اثناء الرحيل:
كانت الاطفال تصرخ.. وتبكي. كنا إحنا وكتار غيرنا.. ناس مثل خطّ النمل.. إشي ورانا وشي قدّامنا.. ونقع بالوديان بهاللّيل... نقع ونقوم.. وهالأولاد تصرخ.. من العطش والجوع! والطيارات لاحقتنا.. كانت تضرب ع الناس وهم هاربين.. ومات كثيرون منـّا في الطريق من التفجيرات. كنا نسمع يقولوا مات فلان، ومات فلان وفلان.. أذكر قتلوا امرأة اسمها دلّة علي سليمان، وامرأة اخرى اسمها موزة من عائلة موسى.. الإثنتان من سحماتا. وقتلوا اسعد نمر.. وخليل سلوم، كان ختيار.. وغيرهم ماتوا كثير..!

** الوصول الى رميش، جنوب لبنان
طلعت الشمس علينا ع الحدود. قعدنا، ارتحنا. وكنا على وشك الهلاك من العطش.. سألنا عن ميّ.. قالوا في عين "قطمون" قريبة على "رميش".. شربنا وغسلنا.. وكمـّلنا نمشي. مشينا.. في أرض لبنان.. الى ان وصلنا اوّل بيت في "رميش". وكان الطريق "شْريرْ" (مزدحم بالناس الذين وصلوا معنا).
وصلنا الساعة 12 الظهر. حطينا اغراضنا بعِرْق الحيط.. وقعدنا للمغرب.. على قعدة واحدة... ما احْنا هلْكانين!!
سألنا ام محمود: كيف استقبلكم أهل "رميش" في هذه الظروف الصعبة؟
- كيف استقبلنا أهل "رميش"؟ لم يستقبلنا احد! كانوا يبيعون الماء لنا بيعاً!!. الجرّة بعشرة قروش!
وتتابع ام محمود: قال زوجي "بدّي أرجع أجيب أمّي.. وانتم إلكو الله...". قلت له "لكان جيب أمّي وابوي واهلي..". فرجع الى البلد، بهاللّيل.. قطع الحدود... لاقاهم قاعدين في ارض "الدّيدبة" (من اراضي سحماتا). قالت امّي"كيف نترك بيوتنا!؟".. قالت امّي هذا الكلام والمدافع تخبط ع البلد!!.
قالت امّي"طّيب. أرجع ع البيت، أجيب أكْل واغراض". رجعوا ع البلد. صارت زوجة عمي وامّي في بيوت المخدّات يديروا أكل.. قطّين... وغيره... عبّوا سحاحير.. حطّوا ع الحمير.. وإجوا. الطريق، كانت مثل بيت النمل... تنغل... ناس من الناصرة، من شفاعمرو... سلْفي كان عمره 12 سنة. ضاع.. اختفى.. دوّر زوجي عليه.. لاقوه في "دِبْل".
بعد 3 - 4 ايام في "رميش" (في العراء)... صار لازم ندبّر حالنا. كان ابي يعرف واحد اسمه نجيب العميل من ايام ونحن في البلد. قال "بَلْكي نسكن عندهم ع بينما نشوف...". راح.. لاقى بيتُه مَلان. امّي خايفة على الاطفال يمرضوا من البرد.. الدّنيا تشارين وثلج!.. قال ابوي "في واحد بعرفه في "بنت جبيل".. تاجر مواشي كان ييجي لبيت أهلي، يبقى عندنا حتى يبيع كل المواشي ويروّح. هؤلاء استقبلونا في بيتهم 3 اسابيع.

*** "الأونروا" تنقل اللاجئين الى خيام في صور!
عندما تسلّمت "الاونروا" (وكالة غوث اللاجئين، التابعة للأمم المتحدة) مهام الاهتمام بقضية الفلسطينيين الذين هجّرهم الصهاينة، تحولوا الى لاجئين بالتعريف! اي: صاروا رسمياً يعدّوا "لاجئون".
تقول ام محمود: إجوا ناس يسجّلوا اللاجئين (من وكالة الغوث). اخذوا اسماءنا. قالوا غداً نأخذكم الى صور.. جهّزنا لكم خيام. تقعدوا في الخيام. وقد كانت الأرض ارض فلاحة (حقول زراعية)، وموسم شتاء... شَوادر على مدّ عينك والنظر. وصلنا عند الغروب. وفجأة الدنيا صارت تشتّي. أمطرت! كانت مع زوجي عباءة صوف عجميّة، تخبّينا تحت عباءته لأنها ما بتنفّذ ميّ. شويّ صحيت الدنيا..
جاءت تلك العائلة التي لجأت من ميعار في بلدنا ثم سبقتنا على لبنان... قال الرجل (وكان صاحب نكتة)
- شو؟! هيّاكو عاودتوا جيتوا! ثم قال لعائلته: يلّلا... فوتوا ع مضافة ابو محمود (عن زوجي).
في الليل... مطر وريح... الشّوادر - الخيام طارَت... والأولاد تصرخ.. أعطوا لكل خيمة قنديل. في ناس دوّروا ع الشّوادر في الليالي... يوخدوا القنديل ويدوّروا... ويدقّوا الخيمة من جديد. الصبح.. طلع النهار... مش عارفين حالْنا وين! الأرض ارض فلاحة، ومن المطر... الوحل للرّكبْ! بدْنا نشربْ! نغسّل! قالوا في نهر "راس العين" (في صور).

** بعلبك... أقرب للرجوع!
3 أشهر بقينا في الشّوادر. ولم نتحمّل صعوبة الوضع فقلنا: لا نريد البقاء هنا!. قالوا أين تحبّون؟ سوريا.. أم ثكنة بعلبك؟ قلنا: بعلبك أقرب للرجوع!!!! فنقلونا الى معسكر قرب بعلبك، كان للجيش الفرنسي أيام الانتداب (يسمّونه "ثكنة غورو". تقول أم محمود أنه سُمّي بعد ذلك، معسكر فخر الدين). وكان في منطقة يسمّونها "ظهر البيدر". وكان حول المعسكر سور وبوّابة ورجل درك لبناني يجلس في كشك مخصّص له...
أحضروا الباصات ونقلونا في شهر كانون ثاني. الدنيا ثلج.. وصلنا عند منتصف الليل. أدخلونا قاعة، كانت سينما للجيش الفرنسي. دخلنا فيها، أقلّ شيء 50 عائلة. لا نعرف من أين نمشي. كانوا يمشون أمامنا ويقولوا لنا فوتوا من هون.. فوتوا من هون.... لاقينا الناس كوام كوام.... - مع وصولنا أعطوا لكل عائلة قنديل ولكل نفر بطّانية - كانت كلّ عائلة قاعدة مجتمعة، وقدّامها قنديلها.. ما نمنا كلّ الليل... كلّ الليل ننوّح ونبكي... مع طلوع الصبح نظرنا فما رأينا غير الثلج... بدنا ميّ نشرب!.. نغسّل!.. سألنا: يا عمي وين في ميّ وين في حمّامات. هاللّي راحوا قبلنا يدلّونا. رحنا. كانت الميّ متجمّدة في الحنفية. إحنا كان معنا بابور بريموس جابته معها حماتي عندما رجع زوجي وجابها ثاني يوم ما طلعنا. شعّلنا البابور تحت الحنفية. الى ان سخنت الحنفية مشيت الميّ.. عبّينا وجينا.
كنّا هناك تقريباً اسبوع. لا وجود لأيّة خصوصية أبداً. لا يوجد مكان تستطيع المرأة تبديل ملابسها او تمشيط شعرها فيه. قلت لزوجي وأبوي بدنا ندوّر على مطرح ثاني.. كنّا أنا وخواته ثلاثة صبايا وامّي وإمّه.. نعاني من انعدام الخصوصية. راحوا صاروا يبرموا يدوّروا.

** أمراض.. وفيات شيوخ وأطفال...
وجد زوجي قاووشاً فيه 4 عائلات من عائلات بلدنا (يتّسع القاووش لـ 6 - 7 عائلات) فانتقلنا للسكن معهم.. كلّ عائلة لها مساحة قدر السجّادة... قعدنا اول اسبوع، ثاني اسبوع. شو بدنا نعمل؟ وين بدنا نتحمّم؟ وين بدنا نغيّر ملابسنا؟ شو الحلّ؟ دقّينا مسامير وعلّقنا بطانيّات بملاقط غسيل او بخياطة. (هكذا فصلت العائلات نفسها وحافظت على بعض الخصوصية).
تقول أم محمود: بقينا على قيد الحياة.. من قلّة الموت!
كانت الأونروا تقدّم الطعام بدون اي عناية واهتمام. الشعير الذي يصنع منه الخبز كان بقشره! الناس لَسَّنَتْ (تشقّقت ألسنتها من سَفيّر الشعير) وكذلك أكلنا انواع الحبوب المطبوخة مع حجارها..
صارت الناس تتشكّى.. أضربنا اسبوع.. رفضنا أكل وكالة الغوث. صاروا يحضرون لنا اللوازم.. رز، عدس، حمص، زيت، طحين.. وصرنا كلّ قاووش يحضّر الأكل بنفسه.
أعطوا للأولاد فرشات للنوم.. شو فرشات؟! بطانية محشية تبن ومخيّطة. يناموا عليها الأطفال. الناس تنيّم الأولاد على التبن
* * *

مرّت سنتان. ولدت صبيّا.. توفي بعد شهر من رائحة الفحم!! قلب أزرق.. اختنق. أسميناه فخر الدين على اسم المعسكر الثكنة، قال زوجي: "حتى يتذكّر انه وُلد في المخيّم"... وكان الرجوع الى بلدنا كأنه سيحصل غداً بالنسبة إلينا. ولكننا بقينا 15 - 16 سنة في ثكنة بعلبك. مات في تلك السنة أكثر من ستين (60) ختيار.. من البرد، ماتوا!!! والأولاد الذين وُلدوا ما ظلّ منهم حيّا من المئة عشرة!! كلّه يموت من أمراض البرد او اختناق!... من محاولات التدفئة بالفحم والحطب ايام الثلج تلك. الناس كانت تمرض ايضا بسبب قلة النظافة، فقد كان العجّز والأطفال يقضون حاجاتهم حولنا في القعّادات... فهم لا يستطيعون الوصول الى حيث الحمّامات.. والأبواب مغلقة من البرد.
*** أنا... بعد أن مات فخر الدين، قلت لزوجي لن أبقى هنا، سأعيش في الشارع ولا أبقى هنا. قال زوجي في هذا البرد الى اين نذهب! قلت له: أسكن في اسطبل الخيل.. السقف زنك، طيّنّا جدران البَرَكسْ ورشقناه. الشباك دقّينا عليه حطب لأنه لم نملك نقوداً نشتري بها دُرَفا لغلق الشباك. والباب كان لوح زنْك مسنود على فتحة الباب، وفي الليل نلقيّه بعصى حتى نغلق علينا! السقف مدّينا له شواريط خشب وفوقها كَراتين حتى تمتصّ ماء المطر!! صارت امّي تلّم تراب وتبْن وشيئاً فشيئا بَنَتْ لي موقدة.. في زاوية الغرفة... وصرنا نستخدمها للخبيز والتدفئة. تضحك ام محمود وهي تقول: "والناس حسَدوني"!! صار عندي موقدة!!! "نيّالك يامَ محمود عندك موقدة.. نيّالكْ يامّ محمود ساكنة لحالك!!!".... وكانت الجارات تخبز عندي... وأنا قلت نساعدهم وكذلك ندفئ البيت للأولاد.

** زقار ونقار بعلبكي - فلسطيني...
لكسب الرزق عملت ام محمود والعائلة في حقول اصحاب الاراضي من بعلبك. تقول ام محمود:
انا اشتغلت بالحَليشة 3 ايام.. انا وزوجي وبنات حماي (الحليشة: قلع العدس والحمص وغيره). في يوم العصر خلّصنا حلش بأرض الرجل.. ما زال هنالك نصف ساعة لانتهاء العمل.. قلنا نساعد اولاد بلدنا.... كانوا يعملون في ارض محاذية. اردنا أن نساعد العمّال. ميّلنا وبدأنا نشتغل. صار وقت الحلّة وِلاّ أجير صاحب الارض يصرّخ علينا: "لأ...! لازم تخلصوا الإمّين!" (الإمّ هو ما يشبه تلم او صف الزرع) قال له ابي: "يا رجل نحن لسنا عمّالك.. ميّلنا نساعد اولاد بلدنا!"... وهذا عنّد! ولكن كان معنا شاب فلسطيني راكب حصان وحامل منجل بيده. قرّب عليه وهدّده. قال له: بدنا نروّح وغصب عن راسك! قال له البعلبكي "يلعن ابوكن وأبو بلادكن!.. قال له ابي: شو!! لمّا كانت بلادنا بخيرها كنتوا تيجوا وتروحوا براحتكم علينا وتشتغلوا عندنا في اراضينا!!... يلاّ يا وْلاد... يلاّ يا بنات!!"، فتركنا الحقل وعدنا. اشتكى ابي لصاحب الارض... فأحضر أجيره ليعتذر ويقبّل رأس ابي عدنان (والدي).
وتعلّق ام محمود على هذه الحادثة قائلة: نعم! الفلسطيني حتى في المخيّم... في اللجوء... كانت كرامته في السّحاب!.. ما اعتدينا على أحد طيلة 15 سنة، ولا احد اشتكى وقال الفلسطينيون عملوا كذا او كذا... ولكن نحن نفسنا عزيزة علينا، وكرامتنا فوق كل شي! ابو محمود (زوجي) قال: فشّ شغل من يوم وغاد.

** أوّل دكان في المخيم.. تحت الدرج
قرّر ابو محمود ان يفتح دكّانا في المخيم ليعتاش منه. تقول ام محمود: كنّا نحن وكلّ المخيم نشتري ما يلزمنا من أغراض، من بعلبك. كان ابو محمود قد وفّر قرشين.. قال سأفتح دكانا تحت الدرج. قلت له: النّاس سوف تضحك عليك.. دكان تحت الدرج؟! قال: ما له؟ موقع جيّد.. قريب من الحنفية!! والحنفية هذه كانت مركزاً يستقطب كثيرا من الناس... يأتون من انحاء المخيم لجلب الماء.. وهكذا كان دكان ابو محمود، تحت الدرج، اوّل دكان في المخيم. تتابع ام محمود: ذهبنا انا وابو محمود الى بعلبك واشترينا اول شروة بضاعة للدكّان.. مَلاة لَجَن العجين.. وفعلا كان موقع الدكان ممتازاً.. في اليوم الاول بعنا بليرة.. في اليوم الثاني، بليرة ونصف. في الثالث 3 ليرات وربع! قال لي ابو محمود" وحياتك.. إلا تصير دكانة! والله وصارت ونجحت..

** ضدّ التوطين.. مطالبة بالعودة.. واعتقالات
حيث كانت العائلات في القاعة وفي القواويش تفصل نفسها بواسطة البطانيات، أحضرت وكالة الغوث طوب وطين وقالوا لنا "إبنوا جدران للفصل أحسن من البطانيات". عندها ثارت ثائرة اللاجئين. قالوا: هذا توطين!! ورفضوا الامر من أصله. وكانت هناك نشاطات ضد التوطين ومطالبة بالعودة.
تقول ام محمود: زوجي ايضا حبسوه.. اتّهموه بتوزيع وتعليق مناشير.. اعتقلوه.. ضربوه.. ومن التعذيب 3 أيام كان لا يقف على رجليه.. ويداه مجرّحتان. سُجن ايضاً ساري ابراهيم قدورة الحاج (ابو نصر).

** ثرى سحماتا يحتضن الشهيد ساري قدورة
الشاب ساري اميل سمعان ابن الثمانية عشرة ربيعاً من سحماتا، وهو اليوم لاجئ مع عائلته (الجدّة ام عفيف والوالد اميل) في حيفا. يقول اميل سمعان، من ابناء سحماتا بانفعال واعتزاز شديدين إنه أطلق على ابنه اسم الشهيد ابن بلده، ساري قدورة. وقد شاركت عائلة سمعان السيدة ام محمود في سرد سيرة الشهيد ساري قدورة - ابو نصر:
خرج ابنه (وعمره 12 سنة) الى سوريا ليتدرّب على السلاح.. خافت الأم ان تفقد ابنها. وألحّت تقول "بدّي ابني".. يقول لها ساري - ابو نصر: "إذا انت بدّك إبنك.. وهديك بدها إبنها.. مين يحرّر فلسطين؟!". المهم في نهاية الأمر ذهب بنفسه الى سوريا وطلب ان يتدرب بدلاً من ابنه. قال لهم: انا استطيع ان اكون اكثر فائدة منه بكثير.. يمكنني ان اكون دليلاً لكل فرقة فدائيين تنزل الى فلسطين. لم يعرف عنه أحد شيئاً.. الى ان استشهد. كان يغيب.. وعندما يسألونه اين كنت؟ يقول كنت زيارة، عند اختي.. (كانت له اخت لاجئة في سوريا).
ذات مرّة كشفتهم دورية اسرائيلية وهم في فلسطين.. كان مع مجموعة من 4 فدائيين. بعد ان أطلق الصهاينة عليهم النار.. قال ساري للفرقة: إذهبوا انتم، اتركوني.. انتم لديكم مهمّة أكبر. وقد نٌقل الى مستشفى في البلاد هنا.. أعطى ساري لممرضة يهودية ورقة، وقال لها عندي أقارب في البقيعة.. وأوصاها ان تسلّم الورقة لأقاربه. وهناك كانت وصيّته ان يدفنوه في "تربة سحماتا". واحد من الذين ذهبوا وأخذوا جثمانه من المستشفى كان اسمه صالح دوخي (أصله من سحماتا، وقد توفّي قبل عدّة سنوات) كان يسكن في البقيعة.. ذهب الرجال الى المستشفى ونقلوا جثمانه ليحتضنه تراب سحماتا.

** تحت القصف الاسرائيلي في مخيم الرشيدية
تقول ام محمود: بعد مدّة 15 - 16 سنة في مخيم بعلبك، العائلات كبرت... اللّي كان عنده ولد صار عنده خمسة.. واللّي عنده أطفال كبروا.. والناس ما عادت تلاقي محلّ تتوسّع. صارت الناس تتشكى لوكالة الغوث. أنقلونا دبّرونا.. ما معنا نستأجر ونطلع..
صارت الناس تضرب وتعمل إضرابات وتقدّم شكاوى.. قاموا قالوا لنا بدنا نبني لكم مخيم بجانب مدينة صور. هذا سمّوه "مخيم الرشيديّة". على شطّ البحر.. يمّ على الرمل. قرب مدينة صور. بنوا لنا بيوت على مدّ عينك والنظر.. أعطوا بمعدّل لكل 3 أنفار غرفة.
25 الف انسان كان في المخيم. نقلونا. بأوّل الصيف. فورصت الأولاد ونقلونا في الصيف. وجينا. الأرض رمل.. لا فيّ ولا ميّ... نار تقلي قلي.. على شطّ هالبحر... شو! شو! صابنا حكاك مثل الحصبة.. صرنا نتزلبط في البيوت.. والأولاد يجيبولنا ميّة بحر نكبّ على حالنا. والأولاد ينزلوا يغطسوا بالبحر. أول سنة. الذباب يهجم علينا ويصير يلسّع فينا.. صرنا نروح نجيب دوا.. دواء زيّ السكر.. نرشّه على صينية يهدّي الذباب عليه. ويموت. كل يوم كلّ بيت يكبّ نصّيّة ملانة ذباب ميّت. أكلنا الذباب اوّل سنة. يلسّع يقرص.. ما نقدر نقعد..
قطع الذباب. سنة واحدة وراح. صارت هالناس تنظّف. تزرع خضار. تزرع شجر. في المساحة التي امام البيت... 4 - 5 سنوات "تروحَنَت" هالناس.. صار عندها ميّ.. صار عندها فيّ.. صار عندها كهرباء.. يعني هالناس خلقت من جديد.. حسّت الناس إنه اليوم.. يعني.. كإنهم مش لاجئين. قعدنا؟ سنوات وجاءت اسرائيل وبدأت تخبط علينا.
لما طلعوا الفدائية من الأردن جابوهن على لبنان. وبس إجوا الفدائية على لبنان.. اسرائيل، من البحر تضربنا وبالطيّارات تضربنا. حطّوا الباخرة على شطّ البحر.. وبالناظور.. ويخبطوا.. ويخبطوا.. والله يا خالتي راح بنادمين.. اخته لزوجي يا حرام، خبطوا على دارها. انقتل إبنها وزوجها.. شباب إثنين.. إبنها وجوزها في خبطة واحدة. اختي انا أجتها شظية، انقصّت رجلها من فوق الركبة. وراح مثلهن مثايل. كل ما تضرب اسرائيل يروحوا 4 - 5... كل ما تضرب اسرائيل يروحوا 7 - 8 - 9!...
بعدين الناس.. هاللّي معه مصاري صار يطلع من المخيّم. هالفقير بقي. ناس نقلت استأجرت في صيدا على بيروت وادي الزين.. على المدن.. وفي ناس اشتروا. وهالفقراء ظلّوا. صاروا يبنوا ملاجئ. ابو عمّار قال إبنوا ملاجئ. يعطي مصاري وبنوا ملجأ في كل حيّ. وقت الضرب ينزلوا هالاولاد وهالنسوان على قلب الملاجئ. يعني... هاللّي ما إله عمر يموت... واللّي له عمر يعيش. قضّت هالناس.

** من تل الزعتر الى ليبيا....
بقينا في الرشيدية 6 سنين، وبعدين نقلنا من مخيم الرشيدية. زوجي كان عنده دكان وما مشي حالنا هناك. فنقلنا لمنطقة "تل الزعتر". فتح دكان في نفس المخيم. ونحن استأجرنا خارج المخيم، على المدخل. ما مرّت سنتان.. بدأت الحرب بين الفدائية والكتائب. علقنا علقة اخرى أصعب من اللّي في صور. إن نزلت الناس الى صور تضرب اسرائيل، وإن نزلت ع بيروت تضرب الكتائب. قعدنا 2 - 3 سنوات.. كان اثنان من اولادي يعملون في ليبيا. وخمس اولاد في المدرسة. المدارس سكّرت. دكانتنا اغلقناها.. لم نعد نستطيع إحضار بضاعة. صاروا الاولاد من ليبيا يبعثون رسائل: يا يابا إطلع.. يا يابا جيب اخوتي وتعالوا.. والله يا دوب مدبّرين حالنا وفارشين بيتنا.. وصرنا حاسّين إننا بنادمين.. لكن الحرب.. تركنا بيتنا. وأعطينا دكانتنا لواحد بالدين. قلنا له إذا صار معك تدفع لنا وإن لا.. إنت وذمّتك.. بيتنا في الرشيدية.. فاتوا الاسرائيليون وجرفوا الحيّ كلّه بما فيه بيتنا. وبيتنا اللّي في بيروت كان بالإيجار. والدكان كانت مع ذلك الرجل ومات وراحت الدكان. لم يبق شيء. خرجنا من لبنان الى ليبيا، مثلما خرجنا من فلسطين. بفارق اننا من لبنان خرجنا مع ملابس في حقائب. من فلسطين خرجنا حتى بدون ملابسنا.

** كم فقدت ام محمود في مذابح تل الزعتر!!
والناس بقيت يا حرام.. شو صار فيها.. لما صارت مذبحة تل الزعتر كان لنا 3 اشهر طالعين.. لكن هناك راحت بنتي واولادها ثلاثة. بنتي الكبيرة. تزوجت بنت 18 سنة. الكبير من اولادها كان 5 سنوات، و3 وسنتان، وبنت عمي، صبحية عبد المجيد، كانت جارة بنتي ودخلت معها الملجأ. سبع نساء كانوا من بلدنا، من سحماتا، كانوا في الملجأ مع بنتي. هن وأولادهن. اختفوا ما حدا عرف شو صار فيهن. لا وين ماتوا ولا كيف ماتوا. ما حدا شافهن ماتوا ولا شافهن طيّبين.. اختفوا!
اخي عنده 9 انفار. اكبرهم 15 سنة والأصغر أقل من سنة. نزّلوه من السيارة على الحاجز وأخذوه.. ملحة وذابت. اختفى!. اكثر من الف واحد أخذوهم طيّبين من قدّام إمّاتهم ونساءهم.. واختفوا. لا احد عرف أين قُتلوا ولا كيف ماتوا.
بنتي وأخي بحثنا عنهم طيلة 4 سنين. ومثلهم مثايل.. الناس تدوّر وتبصّر.. ويبعثوا صورهم ويدفعوا مصاري.. وما بيّن لهم أثر لغاية اليوم. أكثر من 25 سنة. لو هم طيّبين بيبيّنوا إن شاء الله تحت الارض. راحوا وراح مثلهم مثايل. في بيوت سكّرت كليّا يعني عائلات كاملة قُضي عليها. يدخلوا الملاجئ.. يخرجوهم ويقتلوهم. أنا ابناء عمي الثلاثة.. نسائهم وأولادهم راحوا.. بقي الرجال. الملجأ هذا كان فيه نحو 500 طفل ونساء كلهم نساء وأطفال. طلّعوهم لبرّا ورشّوهم. محمد عبّاس ابن عمي: راح له 3 أولاد وزوجته. علي عبد الرحمن 5 اولاد وزوجته. واحد اسمه صدقي، 4 اولاد او 5 وزوجته. ابنة عمي الثانية اولادها ثلاثة وزوجها. هؤلاء الذين هم أقاربي والذين أذكرهم.
عندما عدت الى لبنان.. صاروا الناس يحكوا لي.. وأشوف هالصور معلّقة ع الحيطان.. في بيوت تسكّرت بالمرّة. الاب والام والاولاد راحوا... هاي الناس 16 سنة قضتها بحرب لبنان. الجوع... ثلاثة اشهر المخيم محاصر.. لا أكل ولا ماء ولا كهرباء ولا دواء ولا شيء.
الاطفال تموت.. الناس تموت.. من الجوع. من العطش. من المرض.. لا دواء.. رجعت الى لبنان بعد ما هديت الحرب.. في سنة 1978. رجعت وكل ما أفوت ع بيت يحكوا لي قصة.. عن المذابح اللي صارت بالفلسطينيين.
ولغاية اليوم الوضع صعب. اللّي طلع من لبنان.. عايشين. والّلي إله حدا مسافر برّا عايش.. يبعث لأهله قرشين يصرف على نفسه.. هذول عايشين بصرفوا.. يأكلون ويشربون. واللّي ما إله حدا عايشين من قلّة الموت.. هؤلاء الذين في مخيمات لبنان هناك. يعني التي يشتغل زوجها او ابنها بالـ "عامل" (عمّال).. قدّيش بيعطوه؟ طول الشهر ب 100 دولار. هؤلاء الله يساعدهم. هؤلاء يعيشون الى اليوم بالفقر والقلّة. لا بيوت مثل الخلق. حتى كانوا مانعين عليهم اللّي شبّاكه مكسور يجيب يصلّح شبّاك. اللّي بيته يدلف ممنوع يجيب يصلّحه. اللّي بيته مهرْهرْ من برّه ممنوع يطيّنُه.. يعني بعدين ما بعرف.. قالوا إنه بعد ما راح محمود عبّاس حكى مع الحكومة.. قالوا رح يسمحولُن.. بعرفش. سمحولهن من شي سنة ولا لأ.

**** الى أمريكا...
إحنا طلعنا من ليبيا من سنة الـ 1980. في ليبيا رفضوا يعطونا إقامة، قلنا بلد عربية نبقى فيها الى حين تروق الحال ونعود الى... لبنان.. لم يعطونا إقامة. وفي لبنان لم يعد لنا شيء. أولادي لن يقبلوا تشغيلهم في لبنان. أولادي كلّهم بدهم وظائف. وظائف ما فيش. فقط عامل يمكن للفلسطيني.
اليوم نحن في امريكا. منذ 25 سنة. لا نستطيع ان نأتي الى فلسطين ولا الى لبنان. استقرّينا واستجرنا الله ع ذلك. هيّانا قاعدين في امريكا.. وننطر ربّنا شو بسوّي. باقي الفلسطينيين الله يساعدهم.. اللّي بقيوا في لبنان. وضعهم سيّئ. وهاي حكايتي حكيتا وبعبّك حطّيتا.
وهذا اللّي ذقناه نحن ذاقوه كلّ اللاجئين اللّي طلعوا في الـ 48. عندما يأتي زوّار.. يسألونني: يا حاجّة كيف عايشة.. اقول لهم: وين أروح؟! ما عندناش البديل! فش عنّا بلد. وإحنا هون رزقتنا وهيّانا عايشين.




® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600