صفحة البداية
عن الجمعية
حق العودة
عن سحماتا
أخبار سحماتا
مواقف ونشاطات
شهادات وذكريات
مقالات و دراسات
أخبار منوعة
فن, تراث وحكايات
قوس قزح
من رياض الثقافة
والأدب
أفلام وأغاني
صور سحماتا
دنيا الأطفال
تعزيات
روابط مميزة
دفتر الزوار
اتصل بنا
English

شهادات وذكريات



 سحماتا... كانت عامرة
 وجاءت الطائرات وهدمتها لكنها لم تهدم الحلم والأمل

* تقرير: زياد شليوط *
(نشر في "فصل المقال" 1/11/1996)

سحماتا، قرية فلسطينية في اعالي الجليل، تبعد بضعة كيلومترات من البقيعة شمالا، كانت قرية عامرة بأهلها، واسعة بأراضيها، وقبل 48 عاما، في اواخر شهر تشرين الأول 1948 كانت سحماتا على ميعاد مع التهجير والتشريد اسوة بشقيقاتها الفلسطينيات.. حين قامت الطائرات الاسرائيلية "بواجبها" ومسحت القرية بيوتها، مسجدها، كنيستها، مدرستها، شوارعها.
لحظات سوداء ازالت سحماتا جغرافيا، ولم تقوّ السنون بما حملته من مؤامرات ومخططات ان تمحو سحماتا من الوجود في ضمائر وقلوب ابنائها وبناتها، وما زال الحنين الى سحماتا الى زيتونها وصبارها، الى بركتها الى بيادرها وساحاتها، يلهب قلوب ابنائها ويشدهم الى العودة الى احضانها كما يؤمنون.
سحماتا اليوم، آثار قرية فلسطينية، مرتع للأبقار التي تنظر الينا مستغربة امر "الغرباء" الوافدين اليها، اجل بات اهل القرية الاصليين "غرباء" والدخلاء اليها هم اصحابها وفق منطق القوة وعدل الاستيلاء، كما يروي لنا قصتها السيد نعوم فهد سمعان (ابو سهيل) 76 سنة من البقيعة حاليا وابن عمه السيد طنوس مبدا سمعان (ابو مبدا) 76 سنة ايضا، من فسوطة اليوم.
سحماتا كانت قرية واسعة تمتد اراضيها على 20 الف دونم مزروعة بأشجار الزيتون والتين، وقسم يزرعه الفلاحون وقسم للرعاية وكان يسكن في القرية 1200 نسمة تقريبا غالبيتهم من المسلمين وحوالي 65 نسمة من المسيحيين في اجواء اجتماعية وحياة مشتركة يندر وجودها ويقتلنا الحنين اليها.
وعائلات القرية عديدة منها الكبيرة ومنها الصغيرة، قدورة، موسى، الجشي، سمعان، عامر، مُرة، خشان وغيرهم... كانت القرية تتكون من حارتين شرقية وغربية وفي وسطها بركة ماء وامامها ساحة واسعة يجتمع فيها اهالي القرية في المناسبات والاعياد.
كان في القرية مسجد وكنيسة متجاورين، ومدرسة حتى الصف الرابع وتشمل مدرسة زراعية في الحارة الفوقا تنتشر على مساحة 12 دونما، وفيها (بابورين) عبارة عن معصرة زيتون ومطحنة، وفيها مقبرتين، اسلامية مساحتها 30 دونما ومسيحية، مساحتها 4 دونمات بيوتها واسعة مبنية من الحجارة واسطحها من الطين بلغ عددها اكثر من200 بيت.

الطائرات نسفت قريتنا
وصلنا الخوف والرعب قبل ان يصلنا القتل والتعذيب، سمعنا ما جرى للقرى الفلسطينية واهاليها، فبدأنا نستعد للكارثة كي لا تأخذنا على حين غرة، توهمنا انه بذلك نخفف من وقع الكارثة او نقلل من حجمها، لكن المصيبة هي هي مهما كان حجمها.
لم نجرؤ على النوم في بيوتنا، 4 اشهر ونحن ننام في العراء تحت اشجار الزيتون وفي الوعور، اخذ الناس ما يمكن اخراجه من البيوت وجمعوا ثيابهم، وخاف الاهالي على ابنائهم، وبدأت افواج الرحيل الى لبنان او الى القرى المجاورة، بعض النسوة قامت بجمع ثيابهن واحراقها يأساً.
كان هم الرجال والآباء درء الخطر عن نسائهم واولادهم، وبين الفينة والاخرى يعودون الى القرية لتفقد البيوت، وفي يوم من ايام تشرين الأول الاخيرة، عدنا الى القرية، واذ بالطائرات تحوم فوقها، نظرت الى فوق وإذ بطائرة - يقول ابو سهيل - تقصف، وكنت احمل فراشا من البيت فألقيت بنفسي ارضا وكسرت يدي، وما زال أثر الكسر حتى اليوم. اما انا فلجأت الى مغارة مختبئا - يقص ابو مبدا - وسمعت دويا قويا وبدأت الحجارة تسقط علي من سقف المغارة، اما والدي فوقف عند جذع زيتونة وعندما سمع القصف هرب الى مكان آخر، ولما التفت خلفه اذ بالزيتونة تهوي جراء اصابتها، فولّى هاربا نحو فسوطة.
قتل في الغارة ابن القرية خليل سلوم، وابن البقيعة خليل عبود واصيب العديد من الرجال.
دمرت الغارة بيوت القرية وأبنيتها، وبعد الغارة الجوية دخلت قوات كبيرة من الجيش الاسرائيلي الى القرية واغلقتها في وجه السكان.
لكن الرجال رفضوا البقاء خارجها وعادوا اليها، فأخذ الجيش يحملهم في الشاحنات و"يكبهم" وراء الحدود، فيحاولون ثانية وثالثة، واستطاع قسم منهم العودة الى القرية، عندها لجأ الجيش الى اساليب ارهابية وانتقامية اخرى لارغام الناس على الرحيل.
هكذا قتلوا الشاب محمد عبد الرحمن. كان محمد يساعد والده في جمع اغراض المنزل فجرح اصبعه وقام بلفه، وبعد اسبوع حضرت قوة عسكرية ورأوا محمد فسألوه عن اصبعه فلم يصدقوا روايته واتهموه انه كان يحارب ضدهم ولهذا اصيب، وعبثا حاول الوالد نفي التهمة عن ابنه، وخيره الجنود بين حياة ابنه او احضار بندقيته، وثانية شرح ابو محمد لهم انه لا يملك بندقية، فأمهلوه ثلاث دقائق، وبعدها أشهر جندي مسدسه واطلق النار على محمد عبد الرحمن وارداه قتيلا. نعم بهذه البساطة وبدم بارد وبوحشية لا مثيل لها.
ومن اعمال التنكيل برجالات القرية انهم قاموا بتجميع 40 رجلا في ساحة القرية وانهال الجنود عليهم ضربا بالسياط والعصي، وعندما احتج الرجال على ذلك، طالبهم الجيش بتسليم بنادقهم، انكروا وجود بنادق فعاد الجيش للضرب، بعدها اتفق الطرفان على تشكيل لجنة لفحص امر البنادق بين السكان، وفعلا جمعت كمية من البنادق.

مصطفى علي قدورة كانت بحوزته بندقية، فذهب برفقة جنود ليسلمها وكانت مخبأة في احدى السنانسل، وبعدما اخرجها قام جندي بالتفتيش ووجد بندقية ثانية، فاتهموا مصطفى بخداعهم، ولم تجد محاولاته بالشرح انها ليست له، واتهموه بالكذب واصدروا حكمهم عليه بالقتل، وفعلا قتله احد الجنود رميا بالرصاص.
محمد حاج ابراهيم كان يرعى في الوعر، صادفه جندي ووجده هدفا سهلا فافرغ في جسده صلية من العيارات النارية، وتركه بعدما ظن انه قتل، لكن محمد كان صاحب جسم طويل ومعافى، ولم يمت رغم الاصابات البليغة التي اصيب بها، وأخذ يزحف على مدار ثمانية ايام الى ان وصل عين ماء وصار يشرب منه، وقام احدهم بنقله على الحمار الى لبنان حيث عولج هناك وشفي وعاش، وما زال على قيد الحياة ويسكن حاليا في صيدا. قصة حقيقية، يؤكد ابو سهيل، مع انها تشبه القصص الخيالية.

نحلم ونأمل بالعودة الى سحماتا
أمل العودة الى سحماتا لم يفارقنا يوما، ولم نكتف بالحلم والامنيات، بل طالبنا باعادتنا الى قريتنا، الى بيوتنا وتوجهنا في عام 1956 الى الحاكم العسكري في قرية معليا وقدمنا له عريضة مطالبين بالعودة الى قسم من اراضي القرية والبناء فيها من جديد، لكنه رفض طلبنا وقام بتوجيهنا للحكومة وارشادنا بأن نتقدم بطلب لايجاد مساكن لنا في اماكن اخرى، فسألناه لماذا؟ فلم يخجل من القول بأنه اذا سكنتم في مكان قريب عندها لن تنسوا بلدكم واراضيكم، لكن اذا سكنتم بعيدا عندها ستنسون، وهنا عرفنا اننا في طريق مسدود.

بعدها اقمنا لجنة لابناء سحماتا المهجرين، وحصلنا على موافقة السلطات بتنظيف الكنيسة وترميم المقابر.
اراضينا ما زالت موجودة، وحقنا لن ننساه، وأملنا كبير بالعودة ان لم يكن في ايامنا ففي ايام ابنائنا واحفادنا، وكلنا امل بعد تحقيق السلام الشامل والعادل ان تزول كل المعوقات ويعود اهالي القرى المهجرة الى قراهم ليعمروها ويبعثوها من جديد.

سحماتا - ملعب الصبا الضائع
خرجنا نحن وابناء جيلنا من سحماتا، ونحن في الثامنة والعشرين من عمرنا، يستذكر ابو سهيل وابو مبدا، وقد امضينا فيها اجمل ايام عمرنا من فترة الطفولة والصبا والشباب، وعندما خرجنا من سحماتا شبابا، مات فينا الشباب ومات الشباب في سحماتا.
ايه على تلك الايام... ايام كنا نعيش معا ابناء بلدة واحدة وكأننا ابناء عائلة واحدة، نتخاصم ونتصالح، المحبة تجمع بيننا والوحدة والتعاضد شعارنا عملا وقولا.
اما عن التسامح فحدث ولا حرج، اهل بلدتنا كانوا مثالا في التسامح والتآلف، لم نكن نعرف ما هي الطائفية التي تلوث مجتمعنا اليوم، اسمع تلك الحادثة التي اذكرها وكأنها حدثت بالامس، يروي ابو سهيل، كان لي شقيق اسمه عيد في سن الثالثة عشرة كان يرعى في ساعات الصباح، وصدف ان اختلف مع مجموعة من أترابه، فضايقوه واحرجوه وكان وحيدا بينهم، وفي لحظة غضب أمسك بعصا وضرب احدهم ضربة قاتلة، وظن ان رفيقه مات نتيجة الاصابة، فعاد مسرعا الى البيت وحدث والدي بالأمر، وخرج والدي ليستطلع الاخبار، وعلم ان الفتى المصاب لا زال على قيد الحياة، فعاد واصطحب شقيقي معه ليعود الفتى المصاب، وعندما وصلا باب منزل ابن بلدتنا خرج والد المصاب ليخاطب والدي قائلا: لماذا احضرته معك؟ (في اشارة الى شقيقي) هل لتخيفه ام ليعود اخاه؟ فجاء رد والدي: بل ليعود اخاه!!
هذا نموذج واحد على التسامح وروح المحبة التي سادت بين ابناء بلدتنا، يعقب ابو سهيل.




® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600