صفحة البداية
عن الجمعية
حق العودة
عن سحماتا
أخبار سحماتا
مواقف ونشاطات
شهادات وذكريات
مقالات و دراسات
أخبار منوعة
فن, تراث وحكايات
قوس قزح
من رياض الثقافة
والأدب
أفلام وأغاني
صور سحماتا
دنيا الأطفال
تعزيات
روابط مميزة
دفتر الزوار
اتصل بنا
English

شهادات وذكريات


"سحماتا وهلمجرا "

عن كتاب: حكاية لم تنته بعد
للكاتب: سلمان ناطور
صدر عام 1986

كثيرة هي الكلمات التي لا تقرأ الا بأحرف كبيرة او ان كتبت بأحرف صغيرة فلا يقبل مضمونها الا بالحجم الكبير مثل كلمة الدم، والمجزرة، والمذبحة والقتل والعدوان، وكلها تدخل قواميس الوحشية، والوحشية لا تقبل الا بحجم كبير.

من الضروري ان تكون لكل كلمة دلالتها، والامر البديهي ان تشحن كل كلمة بمضمون يترك وقعاً في النفس ويستنفر اذا اقتضت الضرورة الاستنفار ويهدئ الخواطر اذا اقتضت الحاجة لذلك، وقلما يتغير مدلول الكلمة، لكن ما يحدث ان يتغير مشحونها بدافع العادة او الابتذال او الانسحاق او التشويه والتزييف.

ما يدفعني الى الكتابة عن هذه الكلمات، وبالاساس الكلمات القاسية هو ما اكتشفة من حقائق رهيبة عن فترة رهيبة من تاريخ شعبنا الفلسطيني - نكبة العام 1948، حين شرد هذا الشعب ولم يكن بالامكان ان يشرد لولا وقوع المجازر في كل قرية ومدينة فلسطينية.
انتمي الى الجيل الذي ولد بعد النكبة بعام واحد، وقد كبرت على حكايات والدي وجدي عن سقوط حيفا وام الزينات وعين حوض وخربة ابو حرب وخربة ابو عطية وخبيزة وهي القرى المجاورة لبلدنا دالية الكرمل، وهي القرى التي جعل اهلها من قريتنا محطة اولى في الرحيل الطويل الذي قطعوه الى الموت والشتات. وحين بدأت ادرك التاريخ القريب. اصبح شكل النكبة يبدو اكثر وضوحا واشد ايلاما، كنت اسمع ان مجزرة ارتكبت، وكان الحديث عن دير ياسين فقط، وكثيرا ما كنت اسأل واتساءل: وقعت مجزرة في دير ياسين فلماذا شرد اهل الصفصاف والكويكات وسحماتا وهوشه والكساير؟

ورأيتني قبل ان ابدأ بمراجعة التاريخ القريب والذاكرة الحية، بدأت ابحث في قواميس اللغة عن معنى المجزرة والقتل وسفك الدم.
من قال ان شرط المجزرة ان يكون ضحاياها العشرات او المئات من النساء او الاطفال؟ ومن قال ان سفك الدم هو ان "يصل الى الركب" وان تجري الجداول والانهار القانية.
يعرف القاصي والداني ان في دير ياسين وقعت مجزرة رهيبة ولكن قليلين هم الذين يعرفون ان في سحماتا وقعت ايضا مجزرة رهيبة. لم يقتل العشرات ولا المئات، ولكن قتل هناك شيخ في الستينات اسمه خليل عبود وزوجة الشيخ فتح وزوجة اسعد النمر، امرأة في الاربعينات سقطت عليها القذيفة فمزقتها. وابو السالم من دار قدورة كان عمره 24 سنة اطلقوا عليه الرصاص امام ناظري والده، ومصطفى العلي كان في الاربعينات وعنده اربعة اولاد، اطلقوا عليه الرصاص في الحاكورة وقتلوه وهكذا حسن موسى وعطالله محمد صالحة ومحمد عبد الرحمن وعبد الوهاب سلمون وفوزي قاسم موسى… هؤلاء قتلوهم في سحماتا عام النكبة، وحين تذكر النكبة، قليلا ما تذكر مجزرة سحماتا. او مجزرة عيلوط التي كان ضحيتها واحد واربعون امرأة ورجلا ولا تذكر مجزرة خبيزة ولا مجزرة مرج ابن عامر التي كانت اشد المجازر فظاعة ووحشية وضحاياها جميعهم من الشيوخ والنساء، ثلاثة عشر انسانا القوا بهم احياءا في مستنقع مرج ابن عامر، في كانون الثاني، غرقوا في الماء والوحول.

حين بدأت ادرك اسرار النكبة بدأت ابحث عن الذاكرة الفلسطينية، عن اولئك الذين نجوا من الموت لكنهم ما زالوا يحملون التجربة والمعاناة، والعودة الى اولئك لسنا بحاجة اليها لمجرد استعادة ذكريات او لفتح الجراح، وللبكاء على ما مضى، بل لنتعلم من التجربة، تجربة اولئك الذين ما زالوا يحملون العذاب والمعاناة ويأبون الا ان يواصلوا الحياة. ونعود الى ذلك المسلسل الرهيب لكي يبقى للكلمة مدلولها ومشحونها، فان يقتل العشرات والمئات، هذه مجزرة وان يقتل طفل واحد، هذه مجزرة، وان يجري نهر من الدم فهذه جريمة وان تسيل نقطة واحدة من دم بريء، هي كذلك جريمة، لأن دم الانسان لا يقاس بالليترات ولا بالبراميل.
اننا نعود الى هذا المسلسل لابراز القاعدة وليس الاستثناء، فدير ياسين في نظر الصهيونية هي استثناء، او كما يسمونها ظاهرة شاذة حتى بن غوريون دانها واستنكرها، ووصف سفاحها بالنازية. واعتبرها خروجا عن القاعدة. ولكن الحقيقة انها حلقة من مسلسل فظيع ورهيب كان بن غوريون على رأس مخططيه ومدبريه، وما استنكاره لهذه الجرائم سوى محاولة لصرف النظر عن جرائمه هو التي لا تقل بشاعة. وحين نبرز القاعدة نوضح الدوافع لارتكاب الجريمة واهدافها، فتشحن "النكبة" بكل مضامينها المأساوية في الممارسة والتخطيط على حد سواء، وتكون درسا من التاريخ وليس مجرد "أجا التاريخ ضربنا بكف".

خطر لي ان اكتب عن هذا الموضوع بعد ان عدت لاسجل وقائع مسلسل الجرائم الرهيب التي بدأت في عام النكبة. ولفت انتباهي انني كلما قابلت شيخا مشقق الوجه، يحمل هذا التاريخ في ذاكرته واطلب منه ان يحكي لنا ما حدث، اول ما يصدر عنه بعد لحظة صمت وتأمل، وان يقول بحزن لكن بغضب: "اللي صار معنا ما صار مع حدا في الدنيا. واللي عملوه في بلدنا ما عملوه في اي بلد". واذا كان من اهالي دير ياسين او من اهالي الصفصاف او عيلبون او ام الزينات او عيلوط او سحماتا، فهكذا يبدأ حديثه ثم يتكلم بهدوء عن التفاصيل، انه يشحن الكلمة ويعبئها بمضامينها اذا تحدث عن مجزرة قتل فيها طفل واحد او مئات الاطفال والنساء والشيوخ. كل منهم يتصور ان ما حدث له لم يحدث لأحد غيره، ولا تملك في هذه اللحظة الا ان تنقل كلماته بحجمها الطبيعي لأنك تعرف انك تنقل حكاية اقسى ما فيها انها لم تنته بعد.





® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600