صفحة البداية
عن الجمعية
حق العودة
عن سحماتا
أخبار سحماتا
مواقف ونشاطات
شهادات وذكريات
مقالات و دراسات
أخبار منوعة
فن, تراث وحكايات
قوس قزح
من رياض الثقافة
والأدب
أفلام وأغاني
صور سحماتا
دنيا الأطفال
تعزيات
روابط مميزة
دفتر الزوار
اتصل بنا
English


الباحث اليهودي في نكبة العام 1948 تيدي كاتس يتحدث لـ "فصل المقال":
"أخجل من فظاعة ما جرى في العام 1948"



كان بيننا لقاءٌ قريب، هو يتحدث وأنا أنصت إليه، ربما لأنّه من القلائل الذين يعترفون بجرائم الاحتلال، ومن اليهود الذين قرأوا أحداث العام 1948، وما حلّ بالفلسطينيين بصورة مختلفة.

تيدي كاتس باحث يهودي، (65 عامًا)، لم يختر تفاصيل حياته كما أراد، فحتى جيل أربعين عامًا كان مثله مثل سائر الإسرائيليين يحتفل بالاستقلال ويتذوق «السمن والعسل» الإسرائيلي، لكنه بعد الاربعين تحصّن ضد هذا النوع من الطعام، واختار حياة التقشف ليجد فيها راحته.

بادرته بالسؤال: كيفَ ترى النكبة؟

فأجاب: «بدايةً انا انكر مصطلح «النكبة»، فالنكبة تحدث عندما تأتي من السماء، أي عندما تحدث بفعل الله، لا بفعل البشر، وما حدث في العام 1948 لم يكن بفعل السماء، بل هو نتيجة ما اقترفته الأيدي من جرائم... وعندما لا يتعلق الأمر بمقولة «هذا من الله»، يمكننا الإشارة بإصبع الاتهام نحو بن غوريون وجميع ساسة اسرائيل منذ العام 48 وحتى اليوم. وعندما اتحدث عن مجرمي حرب فإنني لا افرّق بين الجنرال ذي المرتبة العالية في الجيش وبين أبسط جندي متدرب في صفوف الاحتياط».

ويتابع كاتس: «ما حدث هو تطهير عرقي، إنه نهجٌ متعمّد، حدثت فيه جرائم قتل عن «سبق اصرارٍ وترصد»- كما يقولون في المحاكم.

أما أنا فأشعر بالخجل، بل بالخزي في كل يومٍ جديد أجد نفسي انتمي فيه الى هذا الشعب الذي زرع نفسه على أنقاض شعبٍ آخر.

ففي أولِ مرةٍ يحصل فيها اليهود على امكانياتٍ وقدرات ويصبح بإمكانهم أن يتصرفوا كمسؤولين وكقادة، يتصرفون بمنتهى الفظاعة وبأبشع صور الجرائم التي يمكن أن تحدث، متناسين ومتجاهلين أنهم أخيرًا وبعد ثلاث سنوات على انتهاء الحرب العالمية الثانية تحولوا من عبيد الى سادة، ومن مستضعفين في الأرض الى قادرين على التنفس بحرية، بعد ما فعلته بهم النازية... وواضح من هول ما ارتكبوه من جرائم أنهم تصرفوا بصورة فظيعة لا تختلف كثيرًا عما فعله النازيون بهم».

يواصل كاتس حديثه فيقول: «أنا الذي اعتبر نفسي احمق عاديًا، حماقتي ليست قليلة وغير مبالغٍ فيها، احتجتُ الى اربعين عامًا كي أعرف الحقيقة كاملة، وكي اكتشف أنّ دروس والدي ومعلمي المدرسة لم تكن سوى «محض أكاذيب» وللأسف «أكاذيب كبيرة»... وما يوجع القلب حقًا ليست مسألة الفظائع والإبادة والتطهير العرقي وإنما إخفاء الحقيقة أيضًا، وكأننا «نقتل القتيل ونسير في جنازته متباكين».

يقول كاتس عن بداية الانقلاب في حياته: «في الثلاثين من آب عام 1982، عدت من بعثةٍ إلى اوروبا على حساب الوكالة اليهودية، ووصلت البلاد مع انتهاء اجتياح لبنان، يومها التقيتُ صديقًا لي وهو قائد في الجيش، ومن المنفذين للهجوم على لبنان، سألته: ما قصة الحرب على لبنان؟! أجابني: «حاولوا قتل سفيرنا في لندن (ارغوف)، فأصيب بجراحٍ خطيرة»، سألته: وهل محاولة اغتيال سفير، تؤدي الى احتلال دولةٍ جارة؟!ّ فأجابني باستهزاء: «هل انتَ أحمق؟! ألا تعلم ان شارون كان يخطط لهذه الحرب منذ مدة طويلة، والآن أتته الفرصة على طبقٍ من ذهب، وتمّ استغلالها!»

ويستمر في سرد حكايته: «في العام 1986 بدأتُ تعليمي الجامعي، كنتُ في الخامسة والأربعين من عمري. أردتُ التعمق في تاريخ البلاد وفي نيتي اكتشاف سر الأزمة والتوتر بين الاسرائيليين والفلسطينيين.

خلال تحضيري للقب الثاني، تناولت تاريخ الشرق الأوسط، وعندما وصلتُ الى مرحلة تقديم الوظيفة النهائية، فقدتُ ابنتي في الحرب، فتركتُ الدراسة وانزويتُ نحو ثماني سنوات. عدتُ بعدها لمواصلة دراستي، واخترتُ قضية عينية، فقررتُ التقاء اسرائيليين وفلسطينيين عاشوا أحداث العام 1948، وكي يكون بحثي متكاملاً كان لا بد من الحصول على شهادات شفوية... وهنا بدأت تنجلي لي الحقيقة كاملةً، وعرفت متأخرًا أن كل ما يقوله اليهود عما جرى في العام 1948 يعتبره الإسرائيليون كلاما مقدسا لا لُبس فيه، بينما رواية الفلسطينيين عما جرى في العام 1948 ما هي الا «كلام الف ليلة وليلة»، في نظر الإسرائيليين، الذين يصفون انفسهم «بالحكماء والديمقراطيين».

حصلتُ على علامة 97% عن بحثي، وكان عليّ أن استوفي بعض الدراسات في الأقسام الأخرى حتى احصل على شهادتي النهائية، وأعلمتني إدارة الجامعة بعد ذلك أنني استحق اللقب الثاني بدرجة ممتاز، وحين التقاني يوآف جيلبر مدير جامعة حيفا، قال لي بدون خجل: «بالنسبة للشهادات الشفوية عن مذابح ارتكبت بحق الفلسطينيين لا أقبلها، أما الشهادات التي تتحدث عن مذابح ارتكبت بحق اليهود فعلى الرحب والسعة». عندها أدركت أنه مجرد سياسي صغير وليسَ مدير جامعة راقية... وبينما أفهم أنا دراسة التاريخ على انها تفاصيل قاسية ومؤلمة لكنها يجب أن تُفصّل وتكشف الحقائق عبر روايات حيّة ممن عايشوا هذا التاريخ... وهذا ما حصل، بينما هناك مَن يفهم التاريخ وللأسف على أنه مجرد تسلسل أحداث، ينتهي بنهاية سعيدة للإسرائيليين».

ويتابع كاتس: «وعن بحثي هذا قوبلت بهجومٍ كاسح طالني وطال استاذي ايلان بابه، وتدخلت ليمور ليفنات وزيرة المعارف يومها مطالبة بإلغاء بحثي وإلا فإنها ستوقف ميزانية جامعة حيفا. أما عن التفاصيل الدقيقة فلا استطيع ان اتحدث لأنه سيأخذ مني صفحاتٍ مطولة، لكنني أقول لكِ باختصار إنّ التعامل مع البحث قام على أساسٍ سياسي لا على أساسٍ علمي كما يجري في جامعات العالم الحر، وهذا ما يؤكد أنّ جامعة حيفا لم تتناول في أبحاثها منذ إقامتها أي ذكر ولو بصورة مبسطة عن حقيقة ما جرى في العام 48، وهذا يعود، بالتأكيد الى الخوف من وجود «مجنون» يشبهني يأتي برواية مختلفة عن رواية اليهود. فإسرائيل تخاف من كشف هول الفضائح والمذابح التي ارتكبت بحق الفلسطينيين في العام 48، وقبل ذلك وبعد ذلك، بدءًا من مجزرة الطنطورة وصولاً الى أكثر من 60 مذبحة بشرية طالت السكان الأصليين الفلسطينيين في هذه البلاد».

وبنبرةٍ مستاءة وبحنقٍ شديد يقول كاتس: «إنها مأساة العصر الحديث، أن تقف إسرائيل أمام قتل يهودي في مدينة تل أبيب أو في أي مكان آخر، وتكتب في وسائل اعلامها وبالبنط العريض «مذبحة في تل أبيب»، وتتجاهل أبحاثها بل تنكر حقيقة مذابحها التي طالت القرى الفلسطينية كمذبحة عيلبون التي اودت بحياة عشرين فلسطينيًا ليس لهم أيُ ذنبٍ في ما اقترفه الاحتلال.

في بحثي تناولت خمس قرى هي ام الزينات، الطنطورة، جبع، عين غزال واجزم وعندما وجدت ان هناك مواد مبالغا فيها، اختصرتها بتناول ام الزينات والطنطورة، فكنت قد كتبت أكثر من 200 صفحة، ولكنني بسبب الحقائق التي جمعتها من المواد وصلت الى 600 صفحة.

اليهود الذين فعلوا ذلك خجلوا ولم يتحدثوا عن مجازرهم، أما الفلسطينيون فكان لديهم ما يكفيهم من المشاكل، وهم مشغولون بمحاولة البحث عن لقمة العيش، وايجاد حلول بديلة لبيوتهم التي هجرت واراضيهم التي سلبت، خاصة ان الشعب الفلسطيني ظل يعيش تحت الحكم العسكري حتى العام 1966 وكانوا يحتاجون الى تصاريح من الجيش ليتنفسوا بحرية.

«الفلسطينيون صمتوا قليلاً، لكن الإسرائيليين اغلقوا افواههم تمامًا، لم يذكروا ما اقترفته ايديهم من فظائع، وعن مجزرة الطنطورة لم يتحدث أي منهم، حتى جاءَ بحثي ليكشف حقائق كثيرة».

سألته: وهل تختلف سياسة اسرائيل في العام 48 عما يجري اليوم؟

فأجاب: بالتأكيد، اليوم أكثر فظاعة وسوءًا.

سألته كيف ترى حال الفلسطينيين منذ العام 48 وحتى اليوم فقال: «لقد قبل الفلسطينيون في نوفمبر 1947 قرار الامم المتحدة إقامة دولة اسرائيل الى جانب فلسطين، لكن ما جرى في الواقع هو قيام اسرائيل وانكار الدولة الفلسطينية.

ثم كانت الحرب يوم كان عدد الفلسطينيين مليونا و300 الف بينما كان عدد اليهود حوالي 600 الف، واذا كنا نتحدث عن مسألة تقسيم البلاد فقد رأت الأمم المتحدة بعظمتها أنّ الفلسطينيين سيحصلون على 44% من مساحة البلاد بينما اليهود الذين لا يزيد عددهم عن 600 الف يحصلون على 56% من الأراضي، إنها معادلة بلهاء، ومن قرر تنفيذها لا يفقه شيئًا في الرياضيات، ولا يعرف أنّ أبسط فلسطيني يدرك بأنّ هناك خطأً في الحسابات، ولذا لا تزال الحرب تستعر والنزاع يشتد حتى يومنا».

سألته: كيف تشعر بعد 61 عاماً من الاحتلال.

فقال: «اشعر بالخجل. وآسف بشدة لأنني انتمي الى شعب ينفذ قادته على مدار 61 سنة جرائم حرب. بدأت منذ العام 48 وتستمر حتى هذا اليوم، وانت تعرفين ماذا حدث في ام الفحم. اسألك متى القيت قنابل حارقة داخل الخضيرة او العفولة او القدس. لكن في ام الفحم القيت قنابل حارقة وغاز مسيل للدموع بصورة مبالغ فيها، تكاد تكون قاتلة. هذا الأمر غير طبيعي. لا اريد الحديث عن اكتوبر 2000 عندما تكون وظيفة الشرطة حماية السكان، هي التي قتلت بدم بارد 13 مواطنا، كانوا يستطيعون اعتقال شخص ومحاكمته لكنهم قاموا بقنص البشر، لمجرد أن قاموا بالتظاهر على ما فعله شارون في القدس.

باختصار أنا اشعر بالعار مما يجري. لكنني اتطلع بنظرة تفاؤل أنّ شيئًا ما سيتغير في القريب العاجل أو الآجل».

وعن حق العودة يقول كاتس: «حق العودة امرٌ بديهي، ويجب ان يعود الفلسطينيون الى ديارهم ووفق اختيارهم. اولئك الذين ما زالوا يحتفظون بمفاتيح بيوتهم، وهؤلاء الذين يعيشون في البلاد، وهم 300 الف عربي فلسطيني الذين لم يتركوا بلادهم، لكن قراهم وبيوتهم تمّ تدميرها، بينما تتعامل معهم الدولة وكأنهم غير موجودين، وواضح تمامًا ان التجاهل هذا سيجر وراءه الكثير من الفظائع، وعلى الدولة أن تغير سياستها وتمنحهم حقهم في الحياة وأن توفّر لهم الأمان، والا فإنّ الدولة لن تعرف طعم الاستقرار».

عن صحيفة فصل المقال
7/5/2009




® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600