صفحة البداية
عن الجمعية
حق العودة
عن سحماتا
أخبار سحماتا
مواقف ونشاطات
شهادات وذكريات
مقالات و دراسات
أخبار منوعة
فن, تراث وحكايات
قوس قزح
من رياض الثقافة
والأدب
أفلام وأغاني
صور سحماتا
دنيا الأطفال
تعزيات
روابط مميزة
دفتر الزوار
اتصل بنا
English


الحرب على غزة انعكست على مدبّري العدوان
نجاح المقاومة فرض معادلات وقواعد وخريطة سياسية جديدة

ياسر قدورة


لم يكن العدوان الإسرائيلي على غزة مفاجئاً، وإن كانت لحظة البداية هي المباغتة.. فهناك جملة من المعطيات التي كانت تؤشر على تدبير عمل ما من قبل الإسرائيليين، لمحاولة القضاء على حماس في غزة أو على أقل تقدير عزلها وتقويض حكمها هناك.. فمن تصريحات بعض القادة الأمنيين في السلطة الفلسطينية بأن عودتهم إلى غزة –مع عدم استبعادهم للخيار العسكري– قد باتت وشيكة، والتهديدات الجدية التي أطلقها قادة الكيان الصهيوني بشن حملة عسكرية مع انتهاء فترة التهدئة، إضافة إلى اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية وحاجة القادة الإسرائيليين إلى إنجاز أمني أو عسكري لحملاتهم الانتخابية، وكذلك تشديد جيش الاحتلال الحصارَ على غزة وإغلاق شبه تام لمعبر رفح من قبل النظام المصري بعد استياء من حركة حماس لعدم قبولها الورقة المصرية للحوار الفلسطيني الداخلي، أو فلنقل لعدم استجابتها لطلب التمديد لمحمود عباس في موقع رئاسة السلطة الفلسطينية.. كل تلك المقدمات، وصولاً إلى إعلان وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني من القاهرة بحضور وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط، بأن الواقع السياسي في غزة سيتغير، دون أن يرد أبو الغيط على هذه التصريحات أو يستنكرها، كانت مؤشرات حقيقية على عدوان وشيك على غزة، وإن كان من الصعب معرفة توقيت العدوان المرتقب وشكله وحجمه.

خيارات المقاومة


في ظل هذه المعطيات، ومع انتهاء فترة التهدئة، كانت حماس والفصائل الفلسطينية أمام خيارين: إما أن ترضخ للواقع الذي فرضه الإسرائيليون وتسعى وراء تهدئة جديدة خلاصتُها لقمة العيش مقابل المقاومة، وإما أن تمضي نحو خيار المواجهة الصعبة انطلاقاً من حق الشعب الفلسطيني في لقمة العيش ومقاومة الاحتلال معاً.. وبإجماع من الفصائل الفلسطينية التي وافقت على التهدئة خلال الأشهر الستة التي سبقت العدوان، تم الإعلان عن انتهاء التهدئة رسمياً في 19/12/2008، خاصة أن أي طرف عربي أو دولي لم يسعَ جدياً إلى إبرام تهدئة جديدة بشروط موضوعية مقبولة للفلسطينيين.

وجد الإسرائيليون التوقيت مناسباً لشن عدوانهم مع انتهاء التهدئة، وقرب موعد انتخاباتهم وقبل مغادرة الرئيس الأمريكي جورج بوش للبيت الأبيض، فكانت بداية العدوان بضربة قاسية مباغتة للمراكز الأمنية التابعة لحماس في غزة يوم السبت في 27/12/2008 سقط خلالها قرابة 200 شهيد وعدد كبير من الجرحى.. وكانت كل التوقعات أن تكون العملية قاصمة وخاطفة تنتهي خلال بضعة أيام وتحقق جملة من الأهداف:

- القضاء على البنية التحتية والعسكرية لحماس كجزء أساسي من حالة المقاومة.

- منع إطلاق الصواريخ على المستوطنات والمدن الإسرائيلية.

- تغيير الواقع السياسي في غزة، ما يعني تمهيد الطريق لعودة سلطة محمود عباس وأجهزته الأمنية إلى القطاع.

- تحقيق جملة الأهداف السابقة يعني حكماً إزالة العوائق أمام فرض تسوية جديدة، تتجاهل حق عودة اللاجئين وتطلق العنان لعملية الاستيطان وتطوي ملف القدس.. وهو ما لا يمكن تحقيقه في ظل وجود المقاومة في قطاع غزة.

المواقف من العدوان


في أعقاب الضربة الأولى توقّع الكثيرون انهياراً سريعاً لحكومة حماس ولجهازها العسكري، وبنوا مواقفهم السياسية على هذا الأساس.. وزير الخارجية المصري حمل المسؤولية لحماس بقوله إنه وجه تحذيرات كثيرة للفلسطينيين من إنهاء التهدئة وإنهم لم يستجيبوا فعليهم تحمل المسؤولية «ولا يلوموا إلا أنفسهم». السلطة الفلسطينية، وفي المقدمة محمود عباس، سارت بالاتجاه نفسه، وألقت باللائمة على حماس، وسواء سلمنا بصحة المعلومات التي تحدثت عن وجود بضع مئات من عناصر الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية في منطقة العريش استعداداً لدخول غزة بعد العدوان، أو كانت مجرد تسريبات إعلامية، فإن تصريحات مستشاري الرئيس وحكومة سلام فياض في الأيام الأولى للعدوان، عكست رغبة جامحة لديهم بالقضاء على حماس والعودة لفرض سيطرتهم على غزة ولو على ظهر الدبابة الإسرائيلية.

الموقف العربي بدا منقسماً منذ البداية بين معسكري الممانعة والاعتدال، ففيما وقفت دول الممانعة إلى جانب المقاومة دون أن تكون قادرة على وقف العدوان، قبلت دول الاعتدال بالمماطلة وسلمت الأوراق إلى النظام المصري الذي أطلق مبادرة لوقف العدوان لم ترَ فيها حماس وفصائل المقاومة سوى صك استسلام. فخطوطها العريضة تقول بوقف فوري لإطلاق النار لمدة محدودة لإتاحة الفرصة لإيصال مواد الإغاثة إلى سكان غزة من خلال ممرات محددة، ويتم الترتيب لاحقاً لضمان عدم تكرار الوضع الراهن مع (ضبط الحدود) لمنع تهريب الأسلحة مقابل فتح المعابر البرية، ثم تستضيف مصر حواراً للمصالحة.. وفي كواليس المفاوضات بين حماس والنظام المصري، كان رئيس المخابرات عمر سليمان يمارس ضغطاً على حماس للموافقة على الالتزام بتهدئة تتراوح مدتها بين 10 و15 سنة.

لم توافق الفصائل على المبادرة المصرية كما أرادها المصريون رغم التأييد الذي لاقته من فرنسا ومجموعة من الدول العربية ومجلس الأمن عموماً، وذلك لأسباب عدة:

- الصمود البطولي للمقاومة الفلسطينية في الميدان وقدرتها على وقف التقدم الإسرائيلي نحو المناطق ذات الكثافة السكانية، وقد تحدث وفد حماس الذي فاوض في القاهرة بصراحة أن ما هو معروض عليهم يمكن أن يقدم لمن خسر المعركة وهو لا يتناسب مع حجم الصمود في الميدان.

- التفاعل الجماهيري العربي والإسلامي والدولي، شكل عامل ضغط على الحكومة المصرية وأعطى المقاومة الفلسطينية دعماً كبيراً في مواصلة الصمود ورفض تقديم تنازلات.

- التحرك التركي القوي الداعم للفلسطينيين، وإدانة العدوان الإسرائيلي وتعهده بحمل مطالب حماس إلى مجلس الأمن، وتقديم أفكار للحل وإن لم تتطور هذه الأفكار إلى مبادرة مستقلة، ولكنها شكلت ورقة بيد حماس والفصائل للمناورة ومطالبة المصريين بتعديل نقاط المبادرة.

دوامة القمم


مع مرور الوقت بدا أن الرهان على سقوط المقاومة رهان خاسر، ولم يعد بإمكان الدول العربية التنصل من عقد قمة، فدار الجدل بين قمة طارئة لدعم غزة أو انتظار القمة الاقتصادية في الكويت، وانتهى الأمر بعقد قمة طارئة في الدوحة «قمة غزة» لم تكن قمة لجامعة الدول العربية بسبب عدم اكتمال النصاب فيها..

الحدث الأبرز في قمة الدوحة كان امتناع محمود عباس عن المشاركة بسبب ضغوط – لم يحددها – وحتى لا «يذبح نفسه من الوريد إلى الوريد».. المقاومة كانت جاهزة للمشاركة وذهب وفد يضم قادة الفصائل الفلسطينية وتحدث باسمهم خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، وقد لاقت المشاركة ارتياحاً شعبياً على المستوى الفلسطيني والعربي لأن مشاركة عباس لم تكن لتمثل واقع الصمود والمقاومة في غزة.

في هذه الآونة، بدأ المشهد ينقلب لصالح المقاومة رغم وحشية العدوان الإسرائيلي، فتمسكت المقاومة بشروطها: وقف العدوان، انسحاب إسرائيلي، فتح المعابر وفك الحصار.. ولم تتمكن مصر من تغيير موقف فصائل المقاومة، فأدارت وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني ظهرها للمصريين ومبادرتهم وتوجهت إلى واشنطن ووقعت مذكرة تفاهم مع وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس (قبل مغادرتها الخارجية بأيام) تقضي باتخاذ الإجراءات اللازمة لضبط الحدود الفلسطينية المصرية ومنع إدخال السلاح لقطاع غزة، ثم سرب الإسرائيليون للإعلام عزمهم على وقف إطلاق النار من جانب واحد..

وجد الطرف المصري نفسه في حرج شديد، إذ أوحت الاتفاقية الأمنية بين ليفني ورايس أن مصر مجرد تابع تنفذ ما يمليه عليها الإسرائيليون والأمريكيون، فضلاً عن أن إهمال الإسرائيليين للمبادرة المصرية والتوجه نحو وقف العدوان بدون اتفاق، عنى بشكل أو بآخر أن لا قيمة لكل المساعي التي بذلتها مصر خلال فترة العدوان، فضلاً عن أن الاتفاق المذكور يتحرك، دون استشارة مصر، في مساحة 4 كلم إلى جنوب معبر رفح (في الأراضي المصرية).. وهذا يبرر اللهجة الحادة التي تحدث بها كل من وزير الخارجية المصري حين أعلن أن العدوان لن يكسر المقاومة في فلسطين، وكذلك خطاب الرئيس حسني مبارك الذي رفض أي وجود للقوات الدولية على الأراضي المصرية، وأن مصر غير معنية بالاتفاقية الإسرائيلية – الأمريكية، وطالب الإسرائيليين بوقف فوري لإطلاق النار (بعدما تسرب أن الحكومة الإسرائيلية ستتخذ قراراً بذلك)..

انتهى العدوان المباشر على غزة بإعلان إيهود أولمرت وقف إطلاق النار السبت في 17/1/2009، ثم بإعلان فصائل المقاومة وقف إطلاق النار من جانبها لمدة أسبوع كي تتيح الفرصة أمام الإسرائيليين للانسحاب من القطاع، دون أن تتنازل عن مطالبها بفتح المعابر وفك لحصار.. وصار ممكناً بعد ذلك تقييم النتائج بصورة أولية..

العدوان: نتائج وارتدادات


بدون مبالغات، لم يحقق العدوان أياً من أهدافه، بل إن ارتداداته ستصيب الكيان الصهيوني على المدى القريب والبعيد بعد أن يصحو الجمهور الإسرائيلي من نشوة بيان الانتصار الوهمي الذي أذاعه عليهم إيهود أولمرت. فكيف يكون انتصار أمام الواقع الآتي؟

- فشل العدوان في وقف إطلاق الصواريخ من غزة، بل إن الصواريخ التي كانت تصل إلى مناطق تبعد 20 كيلومتراً عن القطاع صارت تصل إلى مسافة تتجاوز 45 كيلومتراً، وبالتالي صار عدد أكبر من المستوطنين يشعرون بخطر هذه الصواريخ.

- لم يقدر الإسرائيليون على عزل المقاومة وتثوير الناس ضد حماس، بل رفعت أعلامها على امتداد الوطن العربي، ورفعت صور قادة المقاومة في شتى أصقاع الأرض، وحضرت المقاومة لأول مرة في اجتماع على مستوى «قمة غزة» في الدوحة كممثل عن الشعب الفلسطيني، ونالت المقاومة اعتراف المجتمعين وتأييدهم.

- الوضع السياسي في غزة لا يزال على حاله ولم تسقط حكومة حماس، وغالب الظن أن المشهد السياسي في الساحة الإسرائيلية هو الذي سيتغير، فبعد ظهور نتائج العدوان بدأت استطلاعات الرأي تُظهر تقدم زعيم حزب الليكود بنيامين نتن ياهو على حساب الذين قادوا الحرب، إيهود باراك وتسيبي ليفني.

- كشف العدوان السلطة الفلسطينية أمام الشعب الفلسطيني عامة، وخاصة بعدما قمعت أجهزة السلطة المتظاهرين في الضفة ومنعتهم من التصادم مع الاحتلال كأنها تحاول أن تحمي ظهره، وبسبب إعراض معظم مسؤولي السلطة عن دعم المقاومة، وتأييدهم المطلق للمبادرة المصرية رغم الاستياء الشعبي منها.

- مع العدوان الهمجي انطبع في أذهان الرأي العام الغربي أن هذه الكيان قائم على القتل والإرهاب ضد المدنيين، وهي صورة تحتاج إلى سنوات طويلة لتغييرها، خاصة إذا ما نجحت المساعي لتقديم قادة الكيان للمحاسبة أمام المحاكم الدولية كمجرمي حرب.

بعد فشل العدوان في تحقيق أهدافه قوي عود المقاومة وازدادت ثقة الشعب الفلسطيني بها، ومع رغبة الجميع بإجراء الحوار وتحقيق المصالحة الفلسطينية، فإن الواقع الجديد بعد صمود غزة وانتصارها يفرض ظروفاً وشروطاً جديدة على هذه المصالحة، وعلى الطرف الذي بقي متفرجاً ووضع نفسه خارج المعركة أن يقرأ النتائج بدقة.



6/3/2009
بيروت - سحماتا




® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600