صفحة البداية
عن الجمعية
حق العودة
عن سحماتا
أخبار سحماتا
مواقف ونشاطات
شهادات وذكريات
مقالات و دراسات
أخبار منوعة
فن, تراث وحكايات
قوس قزح
من رياض الثقافة
والأدب
أفلام وأغاني
صور سحماتا
دنيا الأطفال
تعزيات
روابط مميزة
دفتر الزوار
اتصل بنا
English


من غزة تعلمنا... - عبدالسلام الريماوي



غزة علمتنا ان نحسب الوقت بغير الساعة والدقيقة، اذا حلقت طائراتهم في السماء.. ان الانتظار مقصلة اذا كان ما يخبئه الغيب ليس الا غارات وضحايا جدد.. ان الموت قد يغدو زائرا يطرق ابواب الجميع دون استئذان او استثناء.. ان ننتظر الموت بلا خيارات غير الانتظار.. علمتنا ان ننتظر وننتظر ولا ياتي الاشقاء..

من غزة تعلمنا ان البحر قد لا يعود مكانا للاستجمام وكتابة الشعر وصيد السمك.. ان البحر قد يغدو منصة لاصطياد الاطفال اذا ما حطت بوارج اسرائيل بالجوار.. ان لا مكان آمنا في تلك البقعة التي اريد لها ذات زمن ان تكون مكبا لفلسطينيين زائدين عن الحاجة.. تعلمنا ان للديمقراطية بالمقاس الغربي ثمنا باهظا من الحصار والقتل والدمار سواء رفضناها ام قبلناها..

في غزة راينا كيف يحمل رجل طفله القتيل بين يديه وينتظر على الدور من يوثق اسمه بين الضحايا.. تعلمنا كيف لبشر ان يتحدثوا بكل هذا الحياد عن ابناء وزوجات تركوا تحت الانقاض.. كيف يقاسم المرء اخاه قبره عندما لم يعد ثمة متسع من الوقت لحفر قبر اخر.. كيف يقتل الاطفال بالجملة ولا تتحرك المنظمات الحامية للطفولة كي توقف المذبحة..

في غزة راينا ولم يخبرنا احد، حسرة آباء أودعوا صغارهم بطن الارض قبل الاوان.. تعلمنا من مشاهد الاجساد البريئة المحايدة ان نحب اطفالنا كيفما يكونون، اذكياء ام اشقياء ..

في غزة راينا كيف تستقوي "أميرة" على جراحها وجوعها وعطشها وخوفها وتخرج عنقاء من تحت الرماد.. كيف يستطيع فتى بعمر الورد منع اخوته من الموت بعدما خسر ومعهم الابوين والاعمام.. راينا انه حتى عندما تفقد "جميلة" الاخوة والساقين يظل في القلب متسع للامنيات..

في غزة سمعنا استغاثات نساء ورجال واطفال تملأ اثير الفضائيات.. " ولا معتصماه..".. عرفنا كم كانت امهاتنا ساذجات عندما قلن لنا يوما "ان الدم ما بصير مية".. عرفنا ان دمنا المسفوح واشلاء اطفالنا ونسائنا قد تستثير البعيد البعيد قبل القريب..

في غزة تأكدنا ان الجيش الذي طالما تغنى بنبل اخلاقه ليس اكثر من عصابة من القتلة الجبناء.. عرفنا كم هي متقدمة تكنولوجيا القتل في اميركا ونحن نرى ما يفعله الفسفور الابيض، وقنابل الـ"دايم" بالاجساد.. كيف لا ينجو من طائرات الـ أف 16 ، حتى الاموات.. كيف تقصف والمدارس والمشافي وبيوت الله والمؤسسات الاممية ولا يغضب قادة العالم الحر، لان من يقتلون هم مريم وزينب واحمد..

في غزة تاكدنا ان شرائع العالم الحر وقوانينه صيغت بعناية لتبرير سرقات وجرائم كبرى في التاريخ.. ان كل امين عام للامم المتحدة اسود كان ام اصفر، هو عنتر على عربنا، وأرنب امام اسرائيل.. فيها راينا كيف تتحرك اساطيل وجيوش القوى العظمى، فقط كي تمنع الهواء عن غزة، لان من اخترع الانفاق ربما يخصب الهواء وينتج اسلحة نووية تهدد السلم العالمي..

في غزة عرفنا ان "الهلع"، هو امتياز حصري لليهود، على سلم الاصابات، لاظهار كم نحن متوحشون، لكن عندما تقصف اعناقنا وتقطع اجسادنا نجد من يبرر لاسرائيل قتلنا.

في غزة شاهدنا اسرائيل تعيد بالصوت والصور والبث التلفزيوني المباشر، ما فعلته قبل ستين عاما، وباسلحة اكثر فتكا، ثم نتساءل: كيف ضاعت فلسطين؟.. عرفنا لماذا لم ننتصر في حرب الايام الستة وفي كل صولاتنا وجولاتنا اللاحقة.. منها تاكدنا ان العرب لم يحاربوا اسرائيل ولو لمرة واحدة والا لاستعدنا فلسطين منذ زمن بعيد..

غزة علمتنا ان فلسطين مهما غيبت تظل الاسم الذي تصدح به حناجر الاحرار من اليابان حتى اميركا اللاتينية.. من صمود اهلها تعلمنا ان من يملك دمه لا يمكن لاحد -مهما كانت قوته- ان يهزمه.. ان ما بعد غزة لن يكون كما كان قبلها.

في غزة راينا وخبرنا وعرفنا الكثير الكثير ..

راينا رجالا ونساء ودعوا فلذات اكبادهم وهم يرددون "لن نستسلم لن نركع.."، لكننا لن ننسى تلك العجوز التي خرجت من تحت القصف لتصرخ: " نموت هنا ولا نرحل..."..


30/1/2009




® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600