صفحة البداية
عن الجمعية
حق العودة
عن سحماتا
أخبار سحماتا
مواقف ونشاطات
شهادات وذكريات
مقالات و دراسات
أخبار منوعة
فن, تراث وحكايات
قوس قزح
من رياض الثقافة
والأدب
أفلام وأغاني
صور سحماتا
دنيا الأطفال
تعزيات
روابط مميزة
دفتر الزوار
اتصل بنا
English


سباق المؤتمرات ومهرجانات الشعارات - جوني منصور

تشهد الساحة السياسية العربية بازارًا هائلا من عروض المؤتمرات، وزيادة مطردة في رفع الشعارات الانسانية والتهديدية في آن واحد، وتدفقا نشطا من مقترحات لتوقيف العدوان أو الحرب الاسرائيلية البشعة على قطاع غزة وأهله. وهذه الحركة الدؤوبة التي تقوم بها عدة حكومات عربية منذ فترة من الزمن لم تنجح حتى هذه الساعة في إحراز أي تقدم في سبيل تحقيق هدفها، أو في سبيل تشكيل قوة ضغط دولية تقوم بدورها بالضغط على اسرائيل وإلزامها بوقف عدوانها وحربها على القطاع.

ففي حين أن الجامعة العربية قد تولت منذ بداية هذا العدوان قضية معالجته لم توفق في الدعوة باسمها إلى عقد مؤتمر للرؤساء والملوك العرب ليتدارسوا الأمر ويتخذوا قرارا جديًا بشأن ما يحدث في غزة.

وهذه الحالة تشير فيما تشير إليه: 1. عدم توفر بنية أساسية لتوافق عربي بِنيّة عقد مؤتمر على مستوى القمة. 2. عدم رغبة عدد من الدول العربية المركزية وذات الصلة المباشرة بالقضية الفلسطينية في الإسراع في إيقاف شلال الدم الجاري في فلسطين. 3. نية مقصودة من قبل هذه الدول باستمرار الصراع مع اسرائيل، أي أنها ترضى بالعيش وسط صراع سياسي وتاريخي وعقائدي لفترة زمنية طويلة دون توفير حل جذري لهذا الصراع، لحسابات ربح وخسارة، ويبدو أنها تربح كثيرا من استمرار الصراع. 4. ظهور وبروز واضح لتيارات رؤيوية عربية وسّعت من شقة التباعد بين الدول العربية، وتم تكريس هذا التباعد من قبل سياسات امريكية ـ اسرائيلية ـ اوروبية.

إذن، إزاء هذه الخلفيات والتوجهات، وغيرها كثير، بدأ تحرك عربي خجول في الجامعة العربية، ثم أعقبته حالة من التجاذب حول من يسافر إلى نيويورك ويطرح مطلب الدول العربية من خلال الجامعة حتى يفرض مجلس الأمن قرارا بوقف إطلاق النار. وإزاء مشهد الجدل والنقاش هذا، وجلبة طواحين الفضائيات والتيارات السياسية ولد قرار مجلس الأمن رقم 1860 كسيحا، وعقيما ومبتورا وضعيفا خالٍ من الأسنان. وهذا ما جعل اسرائيل أول الرابحين، إذ ضربت بالقرار بعرض الحائط، وسخرت منه ومن كافة الدول العربية وأعلنت بصريح العبارة أنها ستوقف الحرب عندما ترى ـ هي (اسرائيل) ـ أن الوقت قد أصبح مناسبا، أي أن قرار الحرب والسلم مفتاحهما بيد اسرائيل فقط.. هل تجرؤ دولة عربية على فعل وقول ذلك؟

وما أن تحرك رئيس وزراء تركيا رجب طيب اردوغان مُطالبا بوضوح بوقف العدوان الاسرائيلي مبديًا استعداد حكومته للتوسط والعمل الفوري على إيقاف العدوان، حتى بادرت مصر بشخص رئيسها ووزير خارجيته إلى استباق أي خطوة تجعل من تركيا ذات اولوية في معالجة الصراع وتخطف مكان الصدارة من مصر. فجاءت مساعي مصر وفق مقاسات مبرمجة مسبقا، لفرض مبادرة دون أي حاجة إلى اللجوء إلى عقد مؤتمر لمعالجة العدوان. وكأن ما يجري في غزة لم يرقَ بعد إلى درجة الحاجة الملحة للدعوة إلى عقد مؤتمر. وهنا يختفي شيء مُقزز للعقول خلف هذه الأكمة!

وتأخذ الأيام بالتوالي والملوك والرؤساء العرب يتناقشون في عقد مؤتمر لهم أو الاكتفاء بالتحرك الديبلوماسي الخجول والضعيف. ولما اشتد سعير الحرب وقويت أصوات الشارع العربي، بدأ العالم العربي من خلال صوت وتحرك شعوبه يقول كلمته ليس فقط بما يختص بغزة إما بما له علاقة بشكل النظام العربي القائم وشكل الحياة السياسية المعمول بها، وما يصبو إليه هذا الشارع من حرية ورؤية مستقبلية لوجوده وتطلعاته. هنا وفي هذه النقطة المفصلية دبّ الرعب في أوصال قيادات عدد كبير من الأنظمة العربية، فبدأوا يأخذون بالحسبان ما أفرزه ويفرزه الشارع من غضب وخيبة أمل وتطلعات. ومما زاد من حدة وشدة سعير النار قيام رئيس فنزويلا هوغو شافيز بقطع علاقات بلاده مع اسرائيل وطرده السفير الاسرائيلي من كاراكاس العاصمة لأن كرامته وكرامة بلاده لا تقبل ما يجري في غزة. نعم، "كرامته وكرامة بلاده" حرّكته دون الحاجة إلى عقد مؤتمر أو الانتظار حتى تهدأ فوهات المدافع عن إطلاق بارود الموت صوب أهل غزة الأبرياء. وللحيلولة دون تأثير واسع وعميق للشارع العربي، وللحد من سقف تحركاته، ولإيقاف شلال الدم الهادر في غزة بادرت دول عربية إلى تحريك مسألة عقد مؤتمر قمة طارئ.

إنما ظهرت وبسرعة البرق معارضة مصر والسعودية لعقد مثل هذه القمة بذريعة قمة الكويت الاقتصادية التي تعقد بعد ثلاثة أيام من اقتراح قطر بالقمة الطارئة.

هذا الوضع كرّس مجددا وبعمق كبير الشقاق والتباعد بين الدول العربية، وبيّن أن هذا الشقاق هو حول القضية الفلسطينية التي هي جوهر الصراع في الشرق الأوسط، وبيّن النقاش المتجدد خلال أيام قليلة مدى تأثير السياسة الغربية والامريكية على مجريات الأمور، واهتمام الدول المعارضة للقمة بمصالحها الذاتية دون التشديد على مصلحة الأمن القومي العربي المفقود أصلا. إذ لو كان هناك أمن قومي عربي لارتدعت اسرائيل بسرعة ورضخت لقرار مجلس الأمن.

بات من المؤكد أن العالم العربي منقسم إلى مجموعات من الدول العربية: دول معارضة لعقد القمة الطارئة، وترى في انعقادها مسالة غير ضرورية ما دام مجلس الأمن قد اصدر قراره وما ينقص هو التنفيذ. ودول موافقة على عقد مؤتمر القمة الطارئ في الدوحة ـ قطر لاهتمامها الشديد بتوفير مخرج مشرف للحالة في غزة يحفظ ماء الوجه، ودول لم تقل كلمتها بعد بل حافظت على صمت رهيب كأن ما يجري في غزة بعيدٌ كل البعد عنها.

هذا يعني أن عقد مؤتمرات قمة في المستقبل حول قضايا صعبة سياسية وعسكرية واقتصادية وإنسانية بات أمرا مستحيلا، لما يرى المرء أن أمين عام الجامعة ينتظر اكتمال النصاب القانوني (15 دولة من بين 22). بمعنى آخر، أن على الأمين العام للجامعة المبادرة سريعا إلى إقناع مزيد من الدول العربية الأعضاء في الجامعة إلى الموافقة على عقد مؤتمر قمة طارئ، ويبقى السؤال المركزي أنه إلى حين اكتمال النصاب القانوني كم طفل وامرأة وشاب يفقدون حياتهم!!

والادعاء المصري ـ السعودي أن مؤتمر الكويت الاقتصادي كاف لطرح قضية غزة ومعالجتها، ولكن غاب عن بالهم عمدا أو قصدا أن هذا المؤتمر ـ في الكويت ـ يحمل عنوانا اقتصاديا، فستكون قضية غزة على هامش جدول أعمال المؤتمر.

خلاصة الأمر، أن بازار المؤتمرات وسعي الدول العربية إلى التمسك بالقانونية والشرعية فيما يتعلق بعقد مؤتمر طارئ لا يقول شيئا لأب فلسطيني فقد ابنه أو عائلته، ولا يعني شيئا لأمّ فقدت كل أفراد عائلتها، فليستمر العرب في نقاشهم الفج والعقيم بحثا عن اكتمال نصاب أو بحثا عن صدارة في القضية.

* كاتب المقال مؤرخ فلسطيني مقيم في حيفا. johnnymansour@gmail.com



16/1/2009




® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600