صفحة البداية
عن الجمعية
حق العودة
عن سحماتا
أخبار سحماتا
مواقف ونشاطات
شهادات وذكريات
مقالات و دراسات
أخبار منوعة
فن, تراث وحكايات
قوس قزح
من رياض الثقافة
والأدب
أفلام وأغاني
صور سحماتا
دنيا الأطفال
تعزيات
روابط مميزة
دفتر الزوار
اتصل بنا
English

يرحل وحذاؤه على ظهره.. - رشاد أبوشاور

رسم كريكاتوري ساخر للفنّان الكبير جلال الرفاعي، في صحيفة ( الدستور ) الأردنيّة، نشر في عدد يوم 8 تشرين أوّل الجاري، اختصر ببراعة الخطوط، وبأربع كلمات، حالة جورج بوش الإبن، وما جرّه من فشل على نفسه الأمّارة بالسوء، وعلى أميركا، وعلى العالم.

جورج بوش في الرسم يسير حافي القدمين، بوجه مكتئب، وبعينين مغمضتين، وعلى كتفه عصا منحنية المقدمة، تنتهي بسهم يمضي إلى الهاوية، مع كلمتين: اقتصاد بوش. في نهاية العصا من الخلف يتدلّى حذاء عسكري، وتحت الحذاء كلمتان: حروب بوش.

الحذاء العسكري ممزّق، مهترئ النعل، وساقا بوش منحنيتان تحت ثقل أوزاره، والقدمان حافيتان!

يحيلنا هذا الرسم الكاريكاتوري ( الكارتون) إلى مشهد هرب السفير الأمريكي من ( هانوي)، لحظة الهزيمة الأمريكيّة المذلّة أمام قوّات ( الفيتكونغ) بقيادة الجنرال جياب، ورئيسه الصلب هوشي منّه، والتي اختصرها مشهد فردة حذاء السفيرالأمريكي الذي هرول بقدم حافية ليتشعبط بالهليوكبتر التي كانت على سطح السفارة الأمريكيّة، قبل أن تقلع وتتركه.

هذا هو حال رئيس الحروب، والوعود بنشر ديمقراطيّة الموت والعربدة، وحال المحافظين الجدد جميعا، الذين جرّوا الخراب على العراق، وأفغانستان، وحتّى على أمريكا نفسها التي يترنّح اقتصادها، ولا تنقذه الأكاذيب، ومحاولات ضّخ المليارات، فالأزمة كما يؤكّد خبراء اقتصاد أمريكيّون، أشد وأكثر استفحالاً وتعقيدا من أن تنقذها مئات المليارات.

كلّما ظهر جورج بوش الإبن على شاشات التلفزة، وهو يزجي الوعود بضّخ المليارات، وبقرب الخروج من الأزمة، بوجهه المكفهّر، وابتسامته الصفراء التي تشي بما في نفسه المأزومة المنهارة، أجدني شامتا- ولست وحدي - بهذا الشخص الذي ذبح مئات ألوف العراقيين، ودمّر بلد الحضارة، وجرّ عليه الانقسام، والاقتتال، والجوع، والأمراض، والمذابح الوحشيّة المدبرّة، وانهيار التعليم، والمؤسسة الصحيّة، وضرب الأخوّة التي تجمع شعب العراق، وبذر الفرقة، وأحيا النعرات والعصبيّات بين العرب المسلمين، والأكراد والعرب، والتركمان والأكراد، والأكراد والعرب المسيحيين...

بوش هذا ضحك على السلطة بوعد قيام دولة قبل انتهاء مدّته الرئاسيّة الثانية، فإذا بوعوده تلحق بوعود الديمقراطيّة في العراق وأفغانستان، ومع ذلك لا يرعوي الموعودون الراكضون وراء السراب، رغم أن بوش وإدارته أكثر صهيونيّةً من بيغن، ونتنياهو، وبيرس، وباراك، وليفني، وبقية السلالة التي تستمتع بذبح الفلسطينيين.

في هذه الأزمة المتفاقمة التي بدأت أمريكيّة، واجتاحت العالم، هو فقط من بين عصابة المحافظين الجدد من نراه يظهر على الفضائيات، مقدما الوعد بعد الوعد، في محاولة إشاعة الثقة والطمأنينة في أسواق البورصات، والبنوك، والمؤسسات العملاقة، التي اكتشف فجأةً أنها منفوخة بالتزوير، والغّش، والتدليس، والتلاعب، والفساد، والجشع.

هذه الصفات غير الحميدة الكفيلة واحدة منها، إن تفشّت وسادت، بتدمير بلد، اجتمعت مع غيرها في الحقبة البوشيّة، فألحقت هذا الخراب بالاقتصاد الأمريكي، وباقتصاديّات الدول الصناعيّة الصديقة لأمريكا، وها هي تطال الدول الناميّة، وحتّى الفقيرة المعدمة، اللهمّ باستثناء ( السلطة الفلسطينيّة ) التي صرّح أحد رجالات اقتصادها بعدم القلق من هذا التسونامي الاقتصادي، لسبب بسيط، وهو أن السلطة ( ما عندهاش) اقتصاد من أصله، وما عندهاش رؤوس أموال استثماريّة خارجيّة.. فالحمد لله على نعمة الفقر!

الخبراء الذين حاورتهم الفضائيات بشأن الأزمة، يجمعون على أن أميركا تنفق أكثر مّما تملك، وأن اقتصادها ( منفوخ)، وأن جشع القائمين على المؤسسات لا حدود له، فأحدهم على سبيل المثال تقاضى في عشر سنوات 350 مليون دولار رواتب، يعني بمعدل 35 مليون دولار في السنة الوحدة، وهذا ما يدفع للتساؤل: كم واحد من هذا الصنف على رأس المؤسسات الاقتصاديّة الأمريكيّة الكبرى، وكم واحد يليه في المرتبة والراتب، وكم يتقاضى هؤلاء بالمليارات، لا بالملايين؟!

قبل سنوات قرأت مقابلة مستفيضة مع المؤرّخ الأمريكي المحترم بول كندي، صاحب الكتاب النبوءة ( صعود وانهيار الإمبراطوريّات الكبرى)، فكان رأيه أن انعدام الأخلاق يمكن أن يتسبب في انهيار الإمبراطوريّة الأمريكيّة!

ما نراه، ونسمعه، هو البرهان الأكيد على انهيار الأخلاق، وبخّاصة لدى النخب الحاكمة والمتحكّمة سياسيّا واقتصاديّا، وهذا ما ميّز رجالات الحقبة البوشيّة، والذين افتضحت أخلاقياتهم في ممارسة الكذب على العالم، وعلى الرأي العّام الأمريكي، وتضليل الإعلام، وابتزاز المؤسسات الدوليّة، لتبرير الحرب على العراق؟!

السقوط الأخلاقي تجلّى في الشعار الرأسمالي النفعي غير الأخلاقي: دعه يعمل، دعه يمّر، الذي في الجوهر يترك للرأسماليين الجشعين حريّة النهب بلا أي رادع أخلاقي، ودون خشية من عقاب، مع غياب رقابة الدولة الرأسماليّة التي ترى في الرقابة وصايةً وتدخلاً وعدوانا على ليبراليّة السوق الحرّة.

الغاية تبرّر الوسيلة، والغاية الربح بأي طريقة، فكّل ما هو مربح مبرّر في الاقتصاد والسياسة، والعلاقات داخليّا وخارجيّا.

اللاّفت أن بوش وحده يخرج يوميّا ليطّل على الصحفيين، وهو يفتعل التماسك أمام الكاميرات، مدليا بكلمات قليلة، ثمّ يمضي ليتوارى مديرا ظهره للأزمة التي تعصف بأمريكا والعالم.

بوش ليس وحده، فهو جزء من مجموعة المحافظين الجدد بفكرهم الاقتصادي، والسياسي، ومنظومة أخلاقهم النفعيّة التي تبرّر العدوان والظلم والجشع والشطارة والتزوير.

أين نائبه المحافظ المتلمّظ دائما للحروب بهدف النهب، وبخّاصة نهب النفط العراقي؟ أينه ديك تشيني الذي يتحرّك في الظلام، ويحّض على الحروب؟ أين رامسفلد ( بطل) تدمير العراق؟ وماذا عن (ريتشارد بيرل) منظرهم الملقّب بأمير الظلام؟ وماذا عن رموز الحقبة البوشيّة من متصهينين حربجيّة ؟ أين الجنرال ( المراوغ) كولن باول، الذي قدمّ أمام مجلس الأمن شهادته مع الوثائق الملفّقة عن امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، وبرّر الحرب التدميريّة ؟ أين شرفه العسكري، وأين أخلاقه، وإنسانيته؟ وما المنصب الذي كوفئ به بعد نهاية خدمته، وما مقدار المبالغ التي درّها منصبه، وبيع مذكراته غير الصادقة؟!

أعادت شلّة الشّر هذه العراق عشرات الأعوام إلى الخلف، وحطّمت شعبه، ونشرت الأميّة في بلد العلم والمعرفة والثقافة والحضارة!

في هذه الأيّام أجلس كثيرا أمام شاشة التلفزيون، وأتابع أحاديث خبراء الاقتصاد من عرب وأجانب، وأعود لأتصفّح بعض الكتابات والكتب، وأنا ليس عندي أسهم في البنوك المحليّة أو العالميّة، ولكنني مهتّم بالجانب السياسي والأخلاقي في هذه الأزمة الطاحنة، وبما سترسمه من نهاية غير سعيدة لإمبراطوريّة ظنّ قادتها أنهم تربعوا على قمّة العالم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

الدول الصناعيّة السبع لم تعد وحدها قادرة على منع تداعيات الأزمة، ولذا فهناك دعوة روسيّة لتوسيع الاجتماعات بحيث تشارك فيها الصين.. وما أدراك ما الصين، والهند، والبرازيل، والمكسيك، وجنوب أفريقيا.. فالعالم لا تقرر مصيره أمريكا البوشيّة، أو الإدارة التي سترث كوارثها.

بوش أفشل رئيس أمريكي، نجح في إنزال أمريكا من عليائها، وكرّه العالم بها، ومنح نفسه موقعا متميزا بين رؤساء أمريكا لا ينافسه أحد عليه كجلاّب للكوارث!.

يبدو أن الحرب الباردة انتهت بنهاية طرفيها، وبدأت حرب السباق على الأسواق العالميّة بين دول كثيرة، ليس بينها دولة عربيّة، فالدول العربيّة ليست سوى أسواق، فقيرتها، وغنيتها التي لا تملك سوى أرقام نائمة في بنوك الغرب- ماذا جرى لها في هذه الأزمة؟!- والتي لا زراعة لديها تكفيها غائلة الجوع، ولا صناعة تنافس بها على الأسواق.

بوش يغادر حافيا، وسباق القرن الحادي والعشرين على قمّة تتسع للقادرين.. يبدأ.

23/10/2008








® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600