صفحة البداية
عن الجمعية
حق العودة
عن سحماتا
أخبار سحماتا
مواقف ونشاطات
شهادات وذكريات
مقالات و دراسات
أخبار منوعة
فن, تراث وحكايات
قوس قزح
من رياض الثقافة
والأدب
أفلام وأغاني
صور سحماتا
دنيا الأطفال
تعزيات
روابط مميزة
دفتر الزوار
اتصل بنا
English

سوريا ومعركة عين جالوت - شادي عبده

حرية الوطن وحرية المواطن*

تصح على الحالة السورية قولة الشاعر، "ويسهر القوم جراها ويختصم"، مع فارق ان سوريا لا تنام ملء جفونها. حول الاحداث في سوريا سبق وان كتبت بتاريخ 7.05.11، في موقع الجبهة.

تعنى الماركسية بحركات الاحتجاج، وتهتم بتمحيص شعاراتها من الموشور الطبقي، وباستشفاف قواها المتنفذة والقائدة واساليب النضال على حد سواء. كما ان موازين القوى تقع في الماركسية موقع النبراس، الذي يضيء ويهدي الى الشعارات الثورية حقا. والاحتجاجات لا تؤخذ على عواهنها، كمذنب شارد عن مساره، بل في سياق المعركة ضد شره الامبريالية وطبيعتها الاستحواذية.

اليوم يمكن القول بأن النظام السوري في صيغته القديمة يؤول الى الزوال، خاصة بعد صدور المراسيم التالية، الغاء حالة الطوارئ ومحاكم امن الدولة. واصدار القوانين التالية، التظاهر السلمي، الانتخابات، الاعلام، الاحزاب. اضافة لتوصيات اللجان الاقتصادية، والاخرى المناهضة للفساد. ولعل اهم ما في عملية الدمقرطة السورية، لجنة الدستور، المرحلة الفاصلة والهامة وطنيا وطبقيا، تحديد ماهيته، واقراره شعبيا.

لا ننكر بأن العلاقة بين حرية الوطن وسيادته واستقلال قراره السياسي والاقتصادي، كانت تشوبها جملة من الاشكاليات مع حرية المواطن. ان ما يعنينا في هذا السياق،هو ان نستشف تلك المخاوف الوطنية التي اسست للاستبداد شرعيته، ونعني الخوف من ان تتحول الديمقراطية لاداة تفجر التناقضات الثانوية، والتي قد تتحول في ظل اختلال موازين القوى والتدخلات الاجنبية الى تناقضات تناحرية، وبالتالي تتيح للامبرياليات ان تمارس مشتهاها من السياسات، سياسة فرق تسد. وبالاضافة فان الديمقراطية تقوم على فكرة تنافس الاحزاب، والاحزاب في ظل هيمنة الامبرياليات العاتية، قد تتحول الى سلع تشتريها او تصنعها الدول التي تملك ما تهب من وعود بالمال والقوة والسلطة، او تملك القدرة على التهديد بالثبور والويلات، وفي الغالب فتلك الدول هي الامبرياليات. ومن المزاعم ان الاستبداد هو الاداة الناجعة لاقامة الوحدة الوطنية، والوحدة في حالة الشعوب المناضلة لاجل استقلال قرارها الوطني، هي التعويض المادي عن اختلال موازين القوى. لا تتسع هذه العجالة لبحث مستفيض حول الاستبداد، وبالتالي تقييمه او نقده. ان ما يهمنا هو القانون السوري للاحزاب والذي حل مصحوبًا بالرفض التالي،" عدم قيام الحزب على اساس ديني او قبلي او مناطقي او فئوي او مهني او على اساس التمييز بسبب العرق او اللون".

استنادا للتجربة العراقية تحديدا، يمكن القول بان الديمقراطية في ظل عدم تحريم العصبية والفئوية الاشد فتكا وخطرا، قد تحول الوطن لبناء هلامي متناثر، ولاحتراب داخلي او لاستبداد طغم الملل والمذاهب الطاغية بتعدادها. والقانون السوري هو محاولة جادة لدرء انزلاق الديمقراطية في شرك التفتيتية، ومن جانب آخر يبقي على جوهرها التداولية المناهضة لاحتكار السلطة، وبالاضافة يقي المواطن عسف السلطة، وذلك كله في اطار الوطن الجامع والشامل لجميع مكوناته.

وبالتوازي فان قانون الانتخابات يضمن للعمال والفلاحين والكسبة الصغار نصف مقاعد مجلس الشعب، هذا هو تصور القيادة السورية للديمقراطية الوطنية، لا شرذمة ولا غمط للقوى الكادحة. وهذا التصور حينما لا يجابه من قبل المعارضة بنقاش فكري سياسي عيني، نكون حيال محاولة لتعويم الديمقراطية وتمويه كنهها وماهيتها، ففي الصدام والنقاش تتكشف العورات وتفضح الخبايا.

إن حرية الوطن هي الاساس لقيام حرية المواطن، فالوطن التابع والخاضع لا ينشئ مواطنا حرا كريما. وحرية المواطن هي قيمة بحد ذاتها، وقدرة قادرة ان ترفد الوطن باسباب القوة والمناعة، وبالاخص في ظل نظام يتسم بالوطنية والعدالة الاجتماعية.

استندادا لما سبق نقول بأن النضال ضد الاستبداد ولاجل حرية المواطن، هو بالضرورة نضال ضد الامبريالية ونزعتها للسيطرة، والنضال لاجل الديمقراطية الحقيقية لا المبتورة في صيغتها الرأسمالية هو نضال ضد الاستغلال والاحتكار داخليا.

في ظل الدعم الامبريالي الرجعي وطلب الدعم، على نسق جمعة الحظر الجوي، او الحماية الدولية، من حقنا ان نسأل عن ماهية القوى المتنفذة خلف الاحتجاجات في سوريا، والحاصل ان تلك القوى تغرر بالجماهير الغاضبة بحق، فالنضال لاجل الديمقراطية ولد نضالا ضد الاستبداد والامبريالية معا، واما فيما عدا ذلك – اي حينما تكون الامبرياليات سندًا للقيادة المتنفذة خلف الاحتجاجات- ، فانها معركة الامبرياليات والرجعيات وحفنات سورية ضد القيادة السورية حصرا، وذلك باسم الديمقراطية وليس لاجلها، بل لاجل احلالها عنوة كفئة حاكمة مكان القيادة السورية.

من يسعَ بصدق لرفع الغبن عن الشعب السوري، لا يستطيع ان يتقبل ذاك الحنو الامبريالي، وبالتالي لا بد ان يناهض تلك الدول الامبريالية التي اخضعت بسلاحها وبدعمها السياسي والاقتصادي، ذاك الجزء من الشعب السوري للاحتلال الاسرائيلي، ناهيك عن الجزء الآخر الخاضع للسيطرة التركية. والا فما قيمة الشعار واحد واحد الشعب السوري واحد.؟

إن الادبيات الماركسية تحفل بالعبارة التالية: عدالة القضية قد تذهب للشطط او الضياع حينما تمتطيها قوى مغامرة او رجعية، فالنضال ضد الاستبداد ليس من الدعاء بشيء، ذلك لان الديمقراطية والعدالة لا تخلقها السماوات، بل تصنعها القوى القائدة للاحتجاجات في حال انتصارها، فاذا فسدت فعلام الرهان؟

*القيادة والشعارات وموازين القوى*

من مميزات الثورات الشعبية ان تؤثر على الصعد التالية: الجيش، الفئة الحاكمة، والاقتصاد.بعد انقضاء ثمانية أشهر على اندلاع الاحتجاجات في سوريا، فان الوقائع تدهمنا على الشكل التالي:

* قوى الامن وبالاخص الجيش السوري البالغ تعداده 350 الفا، ما تزال متماسكة.

* القيادة السياسية والادارية والحزبية ما تزال على وحدتها.

* بفضل الحملة الشعبية التي اطلقتها القيادة السورية، فان العملة لم تتضعضع، حتى في ظل العقوبات المستجدة.

من الامور اللافتة للنظر في الحراك السوري نسجل ما يلي:

* من ضمن مئات القرى والبلدات والمدن السورية، فان الاحتجاجات لم تقترب الى مناطق بكاملها، وبالاخص حلب كبرى المدن اسوة بمحافظتها، اضافة للعاصمة.

* في الثورات الشعبية تزداد مع الايام المعارضة قوة وترفد بقوى، واما في الحالة السورية فان اللا انقسام في القيادة قابله شرخ في المعارضة، حتى اصبحنا على واقع هجين وجود معارضة للمعارضة، اي تلك التي لا يندى لها جبين، لتستجدي التدخل والمساعدات الخارجية.

* يمكن القول بان الفيتو الروسي - الصيني، شكل قطيعة مع تلك الحقبة التي حولت مجلس الامن لمرتع ولختم مطاطي لقرارات واملاءات الامبريالية الامريكية تحديدا. ومع ذلك فالفيتو في حالة الدول العظمى لا يلقى جزافا ولا اعتباطا، بل هو نتاج لالمام بموازين القوى الشعبية والتي ما تزال تميل لصالح القيادة السورية.

وفقا لموازين القوى نقول بان الشعار الذي ترفعه القيادة المتنفذة خلف الاحتجاجات، ترحيل القيادة السورية، هو شعار تعجيزي لحراك لم يستطع ان يخترق الشعب السوري. ودون الخوض في غمار صحة الشعار سياسيا، نقول بأن التراجع عن الشعار كخطوة للوراء فضيلة سياسية ودلالة مسؤولية، واما اصطناع ميزان قوة عنوة بما يلائم الشعار عبر الارتهان للقوى الامبريالية والرجعية، وبالتالي الانزلاق من مطلب فرض العقوبات، الى فرض الحظر الجوي، الى الحماية الدولية، الى اقصاء سوريا من الجامعة العربية، فهو من سمات القيادة التي تعنيها السلطة فوق اي اعتبار وطني او ديمقراطي.

نكتب هذه الامور لان هناك من يتعاطى بالسياسة بلغة لا تمت اليها بصلة، وبدلا من مواجهة الموضوع، تركيبة القوى المتنفذة للمعارضة نهحها شعاراتها، وبالتالي الحكم على ادارتها للصراع، واسباب فشلها في اختراق الشعب السوري، وانجاز ميزان قوى وطني محض كما فعلت الثورة الايرانية، يجري الاستعاضة عن البحث السياسي السوي بفذلكات تشبه بهلونيات المهرج. فتارة يجري انكار وجود الامبريالية جملة وتفصيلاً، وتارة يجري تخوين القيادة السورية لشرعنة ما لا يشرعن الاستعانة بالد اعداء الشعب السوري الامبريالية والرجعية، وتارة تذهب الفذلكات الى تبويب التدخل الخارجي الى ابواب، انساني عسكري اقتصادي وسياسي، وما الى ذلك من الهرطقات لكي تقيم بالمخيلة الفروقات في التبعات، وبالتالي لشرعنة تدخل معين دون سواه. والادهى ان هناك من اخذ يؤدلج لمراحل النضال، اولا مناهضة الاستبداد وان كانت بمعونة امبريالية ورجعية، وفيما بعد مناهضة الامبريالية، وكأن الذي لا يقوى بقواه على هزم الاستبداد، قادر ان يهزم ما هو اشد وطأة وقوة اي الامبريالية والرجعية. إن الهروب من معالجة اداء القيادة المتنفذة خلف الاحتجاجات لا تنشأ في المستوى السياسي اية عقلانية، بل اضغاث احلام وتمنيات على نسق ان تكون الامبرياليات والرجعيات من السذاجة والغباء لتساند، ولتأكل الحصرم فيما بعد.

حول طبيعة الخلاف بين القيادة والشعب السوري*

لكي نقف على الاسباب التي حالت دون انتاج ميزان قوى وطني مناهض للقيادة السورية، لا بد من اكتناه الخلاف بين الشعب والقيادة عند اندلاع الاحتجاجات، والرأي ان الخلاف كان في اسوأ الاحوال، في اطار التناقض اللا تناحري، والسبب يعود الى ما يلي:

* القيادة السورية تملك شرعية وطنية، خاصة في رفض الاملاءات ودعم المقاومات.

* القيادة السورية تملك شرعية في استتباب الوضع الداخلي، خاصة وانها انهت فترة تعاقب الانقلابات.

* القيادة السورية تملك شرعية في الحفاظ على استقلال سوريا الاقتصادي، فهي دولة الاكتفاء وبدون مديونيات.

* القيادة السورية تملك شرعية في الخدمات الاجتماعية الممنوحة من الدولة.

بالرغم مما كتبناه حول شرعيات القيادة، فانها بالضرورة كانت ستفقدها وبالتالي سيستفحل التناقض الى تناقض تناحري، لو لم تقم بخطوات تؤكد على نيتها فض التضاد المفتعل بين الوطنية والديمقراطية، وهذا ما اشرنا اليه في بداية المقالة، وبالاضافة فقد اقدمت القيادة السورية على بعض الخطوات الاقتصادية التي تهدف الى رفع الغبن عن الفئات الشعبية.

وبالمقابل، نسأل هل ساهمت القيادة المتنفذة خلف الاحتجاجات في تسعير التناقض حد بلوغ مرحلة التناحرية؟

إن شعار ترحيل القيادة السورية، كان بمثابة حرق للمراحل وتصعيد مصطنع لحدة التناقض.

خلال الاشهر الثمانية كانت أمام الشعب السوري جملة من الامور، جديرة بالتريث وامعان الفكر:

* التغيير في مصر وتونس ما يزال يكتنفه الغموض، وبالمقابل فالتغيير في العراق وليبيا تم بفعل القوى الغربية، وبكلفة بشرية ومادية باهظة، وأما رهان العراق فحدث بالسلب دون حرج.

* نتاجا لذلك فان مطلب تغيير النظام والقيادة في الوقت ذاته كان يحمل في طياته مجزافة، خاصة وان القيادة السورية واصلاحاتها من المعلوم، وأما بديل النظام والقيادة فبقي في ظل المكتوم، والمجهول دائما مريب.

ومما يثير الريبة ان القيادة المتنفذة خلف الاحتجاجات لم تبن استراتيجيتها في تأجيج التناقض على اساس الصدام المباشر مع الاصلاحات، بل نسجت حبكتها من كمية الدم المسفوك.

* بكثير من الغبطة تحدث رئيس شعبة الاستخبارات الاسرائيلية، عن حرب الاستنزاف التي تخوضها الجماعات الارهابية المسلحة ضد الجيش السوري في صحيفة معريف.

لعله من المفيد في هذا السياق ان نورد التعليمات التالية:

"لا تهاجموا الجيش في صدره، وانما هاجموا قلبه. يجب ان تناشدوا قلوب الجنود، حتى وهم يطلقون النار عليكم ويقتلونكم. فلندعهم يقتلون خمسة الآلاف-عشرة الآلاف، عشرين الفا- انهم اخوتنا وسنقابلهم بالترحاب. وسنبرهن على ان الدم اكثر قوة من السيف". بهذا الحسم اصدر الخميني تعليماته للشعب الايراني، وبالتالي فان الثورة الايرانية كانت جلية مظاهرات سلمية محض، في مواجهة قمع فظ. واما في سوريا فان 1100 من شهداء الجيش وقوى الامن تم توثيقهم بالاسماء والجنازات في الفضائية السورية، اضافة للمجازر التي طالت مدنيين حتى اتت على ابن مفتي الجمهورية.

ليس بمقدور قيادة حراك سلمي الاختباء وراء الادعاء بان منشقين يقتلون الجنود، بل ان مصلحة ذاك الحراك تقتضي ان يكون الحسم لا لبس به على نسق ما قاله الخميني، والذي حظر على الجنود الهاربين استخدام السلاح.

إن الحراك السلمي الممزوج مع خلايا ارهابية مسلحة ليس باستطاعته صهر فئات الشعب السوري فيه، وانما بمقدوره ان يخلق للثورة دماءها دون ان تكون بالحراك الجماهيري ثورة. والدماء في حالات قد تؤدي لاستقطاب العصبيات ولعل هذا رهان البعض، وعلى كل فاليقين يقول بان الدول الامبريالية تشبه القرش بشهية القضم، واما الدم فهو بمثابة الدعوة له بحضور الوليمة.

* لقد وضعت قيادة الاحتجاجات الشعب السوري في موضع لا يستحقه، فالشعب الذي نالته اذية الحصار والعقوبات الاقتصادية والسياسية الامبريالية، وجد تلك الدول تتزلفه بعقوبات على قيادة نظامه. بالحس قبل الحنكة، يمكن القول بان العقوبات في كلتا الحالتين مصوبة في اتجاه الموقف السياسي لسوريا دون سواه. ان العقوبات التي تنهال على القيادة السورية بيد، وتدعم دولة الاحتلال الاسرائيلي للجولان باليد الاخرى هي معادية، ولو كانت قيادة الاحتجاجات تملك من روح الوطنية حشاشتها ،لانتفضت ضد تلك العقوبات المذلة للدماء الزكية،والمعادية لمستقبل سوريا الحر. ومع وجود هذا الضرب من البديل للقيادة السورية الذي استباح الوطني في حمأة صراخه بالديمقراطية، نفهم سر تلكؤ وتردد الشعب السوري من الاندماج بالاحتجاجات. نكتب هذه الامور مع التاكيد على اننا نربأ بأنفسنا ان نرمي الجماهير المحتجة بأية لوثة او شبهة.

* إن مقتل الاحتجاجات في بدايتها في الشعار الذي لعلع بدرعا وتردد في حمص ومناطق اخرى، ونعني الشعار لا ايران ولا حزب الله نريد مسلم موحد الله. والشعار مذهبي بامتياز، ويمس بالكرامة الوطنية وبالمأثرة السورية. هذا هو شعار الاخوان المسلمين القوة الاساسية الضاربة في الاحتجاجات، والتي لم تكف البتة عن نشر سمومها واكاذيبها حول حزب الله وايران. تلك الحركة المذهبية باسراف، والتي اججت من نشاطها المعادي للنظام السوري ابان العدوان على لبنان، ورفعته ابان العدوان على غزة.

في نقد التبريرية للتدخل الامبريالي والرجعي*

ان من يدعي بان الاحتجاجات المدعومة امبرياليا ورجعية عربية، ستؤتي بمستقبل افضل لسوريا، عليه ان يملك الجرأة للنظر في اعين السوريين، وان يملك الشجاعة لمخاطبة الماغوط. نتفق بان توريث السلطة مسرحية هزلية، ومع ذلك فان مسرحية الدعم الامبريالي الرجعي اصبحت من فرط التكرار مذلة لوعي الانسان.

تلك الدول لا تتقدم الا بدافع المصلحة القميئة، ومع الالمام المخابراتي بصغائر تركيبة القوى السياسية المختلفة في سوريا. وهي ما بين الهرولة للنصرة والتلكؤ والعزوب احيانا، وما بين شد وتر الهجاء للنظام وارخاء شعرة معاوية، تسعى لانتزاع اللهفة والاستجداء من قوى المعارضة لابتزازها واخضاعها، وترويض النظام من الجهة الاخرى، لتشدد قبضة الهيمنة. لكل عقوبة ثمن، ولكل نبرة صوت امبريالية، ولفتاوى ائمة الوهابية الجهادية ثمن، ان لم تدفعه قوة من المعارضة تستميل غيرها. وما بين زرع الفرقة داخل مكونات المعارضة وتأجيج صراع المعارضة مع السلطة، تسعى تلك الدول لزج مكونات الشعب السوري برمته في حرب ضروس، حرب استنزاف للوحدة والتآلف الوطني. وهي في كل ذلك تستعين بترسانة من قوة المال والاعلام والمخابرات والوزن السياسي. والدعم لا يهدف فض الصراع بما هو في مصلحة الشعب السوري، بل يسعى لاستثمار ذاك الصراع في مصلحة الدول الداعمة.

المعارضة المدعومة هي محكومة، ومن يشق عصا الطاعة ليساوم او ليتفاوض مع القيادة السورية، فقد يجد نفسه خارج السياسة والاعلام والمال. والامبريالية والرجعية تحسنان الرشوة والافساد، وشراء الذمم والمواقف، وصناعة القيادات، والترويج لها. وتتقنان الوعود واشراك اشد الفئات تناقضا في حلم السلطة، ليصبح الحلم اداة ابتزاز وتنابذ وصراع وتملق وتنافس في تقديم الخدمات. وبعد شرعنة المعارضة للتدخل الامبريالي والرجعي، تجد تلك الدول ان الدروب امامها فتحت للاتصال بكافة مكونات الشعب السوري، وذمتها تحتمل كل الوعود المتناقضة اشد التناقض، لتبقى في مقام الخصم والحكم. وقد لا تجد غضاضة في الاتصال بقوى مهترئة داخل السلطة لتستميلها، ولتنكأ في خاصرة المعارضة، لئلا تظن انها هبة الامبريالية والرجعية وبديلهما الاوحد. والدعم لا يعني الشرذمة، بل يتضمن ابتزاز العهود والاتفاقيات السرية المذلة، و املاء المديونيات المؤجلة المكبلة.

على امتداد التاريخ، كانت الامبريالية والرجعية تتربصان بانفجار الصراع الداخلي لتتسللا، ولا ننفي شبهة افتعالهما له احيانا، لذلك كانت قولة الشعوب قوة التغيير تعني سد الطريق أمام تلك الطواغيت، للتلاعب في التناقضات الداخلية. ليست كل هبة حظها النصر، وما بين كر النصر، وفر الانتكاسة، كانت الشعوب تزداد دراية.ان الدعم الامبريالي والرجعي هو دلالة فشل القيادة المتنفذة خلف الاحتجاجات، في تسعير التناقض بين السلطة والشعب الى مداه التناحري. واما الثورة الايرانية فلكونها اججت التناقض او اهتبلته في لحظته التناحرية، استطاعت ان تطلق الحشود، والتي ازدادت جماهيرية وعنفوانا مع كل طلقة رصاص من الجيش الايراني. فالبطش في لحظة التناحرية يحض ولا يفض.

في طبيعة المعركة*

على ارض سوريا اجتمعت حثالات العالم، امريكا، بريطانية، فرنسا، المانيا، اسرائيل، تركيا، سلطة قبيلة آل سعود، الكويت، قطر، الاردن، وقوى الرابع عشر من آذار بشقه الغلامي الحريري والفاشي جعجع. والمعركة سيشتد وطيسها للاعتبارات التالية:

* بوادر الوهن بادية على محيا الامبريالية الامريكية، فالازمة المالية تعصف بها اسوة بالامبرياليات الاوروبية، وبالمقابل هناك صعود لقوى عالمية، الصين والهند وامريكا اللاتينية تحديدا البرازيل، اضافة لروسيا التي تستعيد حيويتها. من هنا فان الصراع على امتلاك الموارد الطبيعية وبالاخص النفط، هو مسألة مصيرية للامبرياليات للحد من تطور القوى الصاعدة.

* والازمة التي تعصف بالامبرياليات تحفزها للاندفاع نحو المزيد من النهب والسلب على صعيد العالم كله، لتسديد فاتورة الديون والخروج من الازمة.

* بعد خروج القوات الامريكية من العراق وافغانستان، فان ما تهابه الدول الامبريالية هو ان يتسع مدى الممانعة من كونه محورا الى حزام يضم ايران والعراق وسوريا وحزب الله.

* إن خارطة الشرق الاوسط تدعو للحيطة والحذر، ذلك لان مؤدى التدخلات الامبريالية، كالتالي: دولة الشهادة الجزائر اقعدت، دولة القوة العراق تقهقرت الى ما قبل الدولة، سلة الشرق من القمح، السودان قسمت، ليبيا استنزفت ونهبت، واليمن متروك لمقادير مجهولة وان كانت لدى الرجعيات والامبرياليات معلومة، حرب اهلية. لذلك فان ما تبقى للامة العربية وللثورة المصرية تحديدا هو القطر السوري. ان خطورته في حالته الممانعة، تضاعفت بعد الثورة المصرية تحديدا، لذلك دأبت تلك الحثالات على امرين الاطاحة بالقيادة السورية، واحتواء الثورة المصرية.

* بالقمع والرشوة السلطوية، والتعتيم الاعلامي، وتواطؤ ودعم القوى الامبريالية، استطاعت اسوأ الانظمة العربية خيانة وفسادا واستبدادا ان تمحق الهبات الشعبية، او ان تخفض من لهيبها، في عمان، والاردن، والمغرب، والبحرين، ولدى سلطة قبيلة آل سعود. وامعانا في الحيطة وتأكيدا على وحدة المصير، اطلقت المبادرة لضم الاردن والمغرب الى مجلس التعاون الخليجي.

إن بقاء تلك النظم في ظل الحراك الشعبي مرهون بماهية الصراع في الشرق الاوسط، فالصراع بشكله المعادي لاسرائيل والامبرياليات يهدد نظم التواطؤ والقواعد العسكرية الامريكية. واما الصراع المذهبي السني الشيعي، فهو وحده القادر على استنزاف قوى الامة هباءً، دون خسائر للامبرياليات واسرائيل وانظمة العمالة. وسوريا بتركيبتها هي بمثابة الدحض الفعلي لمقولة صراع المذاهب والعائق امام اعادة الاصطفاف المذهبي. لذلك ليس غريبا هذا الكم الهائل من التحريض على ائمة السنة السوريين، واستهدافهم وبالاخص مفتي الجمهورية، الذي طالت يد الارهاب نجله.

حول تحديد الموقف*

* إن ما يجري في حمص من قتل على خلفية مذهبية هو خطير، ومحاولة لزج المجتمع السوري في حرب اهلية. هناك نزوع لزرع الداء الجزائري في الجسد السوري، وبالتالي انهاك القيادة السورية والجيش السوري، في معارك لاعادة النظام والسلطة للمناطق التي تهيمن عليها العصابات.

ما كان للجيش السوري ان يدخل حماة لو كانت بالحقيقة مدينة المظاهرات المليونية، فالدبابات يبطل مفعولها في المدن ذات الكثافة السكانية، هذا ما تؤكده المدن التي تصغر حماة ابان الثورة الايرانية. والحاصل ان شعب حماة ادار الظهر للقوى المتنفذة خلف الاحتجاجات، وتصرف بمقتضى المبدأ القائل بان الخلاف مع القيادة السورية شيء، والدفاع عن تلك العصابات التي احكمت السيطرة عليها واستقدمت الد اعداء الشعب السوري سفيري امريكا وفرنسا شيء آخر.

* إن التدخل السافل والسافر للامبريالية الامريكية في الشأن السوري، خاصة حضها علانية للقوى المسلحة بعدم تسليم اسلحتها، يشي بان نية امريكا وسائر الحثالات تتجه الى دفع الحالة السورية الى منزلق الاحتراب الاهلي.

* إن قرار الجامعة العربية بتجميد عضوية سوريا، اتى في اعقاب الفيتو الصيني الروسي، كمحاولة لاعادة موضعة ذاك الفيتو في خانة العداء للشعوب العربية برمتها وليس السوري فقط. وبالتالي اضفاء الشرعية العربية على عقوبات دولية مستقبلية، بما فيها التدخل العسكري. وعلى كل فالقرار هو دلالة حميّة وحماسة تلك الحثالات في التخلص من القيادة السورية بأي ثمن، وفوق اي اعتبار، ورغما عن اية محرمات.

استنادا على ما سبق نضع محاور الموقف على الشكل التالي:

* إن الامعان في رفع شعار ترحيل القيادة السورية لا يملك اي تبرير وطني، ففي الصلب يتماهى مع مآرب الامبرياليات والرجعيات. والانكى فانه شعار لا يملك اي تفويض شعبي، خاصة وان موازين القوى الشعبية ما تزال تميل الى صالح القيادة حتى في حمص التي اخرجت مظاهرات جبارة ضد قرار الجامعة العربية، هذا ناهيك عن حلب، دمشق، اللاذقية، طرطوس، الحسكة ،دير الزور، ...الخ.

* حينما تكون المعركة مع الرجعيات والامبرياليات حول الموقف من محور الممانعة. فان كل الجعجعات حول الدمقراطية والتغيير، تهدف الى المراوغة وحذف الانظار عن المسألة الاساسية تحديد موقف جلي من التحالف مع ايران وحزب الله، وبتحديد الموقف تفرز المعارضة لمتواطئة او معادية لتلك الحثالات.

* ما بين الاستعانة بالرجعيات والامبرياليات لانجاز شعار ترحيل القيادة السورية، وبين النضال ضمن موازين القوى الوطنية، لاجل المزيد من الاصلاحات السياسية والاقتصادية، ولاجل دستور وطني ديمقراطي يضمن العدالة الاجتماعية، فان الخيار الثاني هو الخيار الوطني والديمقراطي والثوري، والقادر على تعديل موازين القوى.

* لا معنى من مناهضة بطش السلطة في ظل وجود تلك الآلة التي تستبيح دماء الجنود والمدنيين على خلفية مذهبية او ترويعية. ومن يحرص على سلمية الحراك يسعى بالواقع لعزل الخلايا المسلحة. واما المحاولة لان يكون اللسان لسان برهان واليد يد الاخوان، فهي في السياسة مراوغة من النوع الرخيص.

* إن الاساس المادي للحراك السلمي الديمقراطي المعارض متاح عبر قانوني الاحزاب والتظاهر السلمي، كما ان الدستور هو المعركة الملحة، نعي بأن هناك من يسعى لاختلاس السلطة دون ان ينطق بدستوره المرغوب، ففي النطق قد تأتي العداوة من قطاعات داخل الشعب السوري.

ومن جانب آخر فان بوادر مرحلة ما بعد الاستبداد تلوح في الافق، خاصة وان القيادة السورية قد ضربت مواعيد الانتخابات المقبلة للمجالس المحلية ولمجلس الشعب. وهذه التواريخ ميادين نضال، لاجل انجاز التشاركية في الحكم وكسر الاحتكار، وان كانت خطوة في مسار دمقرطة سوريا.

إن رفض الحوار مع القيادة السورية بالتوازي مع استجداء النصرة الرجعية الامبريالية، ليس دليلا على ثورية، بل برهنة على نقيضها.

يتسم تاريخ حزبنا بالجرأة، وعدم الهروب من تحديد موقف حيال ثنائيات سياسية. فتبيان الحق من الباطل ليس في السياسة من المآثر، بل في استشفاف ذاك الخيط الرفيع الذي يفصل السوء، عن الاقل سوءا.

لم نكتب المقالة على طولها الا لنؤكد بأن الشعارات ،واداء، وتحالفات، واساليب النضال التي انتهجتها القيادة المتنفذة خلف الاحتجاجات ومن ضمنها المجلس المسمى زورا بالمجلس الوطني السوري. هي في المجمل وكل على حدة، ادت الى تنفير قطاعات من الشعب السوري من الاندماج في حركة الاحتجاجات، وهي في تحالفها مع الرجعيات والامبرياليات، اصبحت الاشد خطرا على الديمقراطية تحديدا، وعلى مستقبل الشعب السوري، اسوة ببلاده.

في الماضي ظفرت شعوب الشرق بقيادات على نسق قطز وبيبرس، التي اوقفت زحف قوى الهمجية التترية، بعد ان قضت على الخلافة العباسية، وحضارتها. واليوم فان سوريا تجد نفسها محاقة بكل الحثالات والادران، والتي تدير معركتها مع القيادة السورية بالدماء السورية، مطية الامبرياليات والرجعيات الى ان يؤكل الثور الابيض القيادة.

حيال اصطفاف تلك الحثالات يبدو مستقبل سوريا قاتما، واما الرهان والامل والتفاؤل فسيبقى منوطا بسيف المعركة الآنية، وعي الشعب السوري، وقدرته على ان يختط سبيله في النضال المركب ضد الامبريالية والرجعية واسرائيل ولاجل الديمقراطية. لعل ما تفتقت عنه ذهنية ذاك الشعب او قواه الطاغية والاساسية، يثير الاعجاب حينما نزل للشوارع تحت شعار مع القيادة السورية في نهح الاصلاح، فاذا كان الشق الاول يتضمن موقفا مناهضا للامبريالية، فان الشق الثاني يتضمن موقفا مناهضا للاستبداد، والشعار هو الوليد الشرعي لواقع مركب، لكونه يهدف الى تغيير النظام، مع الاحتفاظ بالقيادة السياسية. إن المظاهرات الحاشدة التي انطلقت تحت ذاك الشعار جديرة بالقراءة السياسية، وهي وان دلت على شيء فتدل على ذاك الرفض الشعبي للمسعى الامبريالي الرجعي، اجلاء قيادة واملاء اخرى.

بعد انقضاء ثمانية اشهر من اندلاع الاحتجاجات، فلكل ما كسبت يداه، فمن سعى الى فض التضاد بين شقي المعادلة الوطني والديمقراطي، حصده تأييدا او نفورا داخل الشعب السوري، نكتب هذه الامور لان موازين القوى ليست قدرا محتوما.


(حيفا)
25/11/2011







® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600