صفحة البداية
عن الجمعية
حق العودة
عن سحماتا
أخبار سحماتا
مواقف ونشاطات
شهادات وذكريات
مقالات و دراسات
أخبار منوعة
فن, تراث وحكايات
قوس قزح
من رياض الثقافة
والأدب
أفلام وأغاني
صور سحماتا
دنيا الأطفال
تعزيات
روابط مميزة
دفتر الزوار
اتصل بنا
English


العابرون إلى الجولان عمالقة هذا الزمان - حسن عبد الحليم

ما زال الذهول يتملك أهالي مجدل شمس وأهالي الجولان المحتل، لم يستوعبوا بعد ما حصل يوم 15 أيار، لكنهم يدركون أنه يوم تاريخي، وأن حقل الألغام الوهمي انفجر وأصابت شظاياه الوعي والمفاهيم.

تواجدت قوات عسكرية إسرائيلية كبيرة في المكان الذي كان محط أنظار العالم قبل أيام، عملت مجموعة من عساكر الاحتلال على إصلاح حقل الألغام، فيما عملت قوة أخرى على ترميم السياج الذي داسته أقدام العابرين.

تلمس رهبة الحدث في عيون الجميع..يتحدثون بانفعال وتأثّر، ويحاولون رسم معالم الحدث الجلل الذي فاجأهم، بخطوط مثقلة بالتفاصيل، ويضفون على المشهد لمسة إعجاب وإكبار لمن أسموهم "عمالقة هذا الزمان".

يشعر الزائر للجولان بالاعتزاز بهذا الشعب العظيم، الذي يصرّ أنه استمد شجاعته من بسالة العائدين. تحدّث الأهالي بمشاعر جياشة عما شهدوه وعايشوه.. وعن ساعات تنفست فيها ساحة سلطان باشا الأطرش، نسائم التحرير والحرية.. والتفح الجولان بالأحاسيس الدافئة.

كان العبور بحسب أهالي الجولان، توطئة لتأسيس مشروع عودة حقيقي، تحرّكه إرادة شعبية شحنتها الثورات العربية.

تلمس نبرة الإعجاب الشديد لدى الأهالي حين يتحدثون عن العابرين، ويؤكدون بأنهم استطاعوا فرض سطوتهم على الحدث وضبط إيقاعه، ويجمعون أن العابرين بثوا القوة في الأهالي، الأمر الذي انعكس على جنود الاحتلال بالعجز وقلة الحيلة.

لحظة العبور

وصل العابرون إلى ساحة سلطان باشا الأطرش في ساعات الظهيرة، لم يكن الأهالي قد استوعبوا ما يجري. استغرب صاحب بقالة من مشتر يعرض عليه أوراق عملة سورية، بينما لم تدرك شابة جولانية أن الشاب الذي طلب منها تبديل أوراق نقدية سورية بعملة محلية، سيظهر بعد ساعات في جميع وسائل الإعلام بصفته "العائد إلى يافا".

انتشر خبر اجتياز خط وقف إطلاق النار بين أهالي القرية ملتبسا، رافقه انقطاع الاتصالات الخارجية، وحديث عن حشود عسكرية تطوّق القرية، غير أنه بعد وقت قصير، ذاب الثلج وبان المرج: مسيرة فلسطينية جريئة في ذكرى النكبة، مرت عبر حقل الألغام.. وتخطّت الأسلاك الشائكة، لتجعل من مجدل شمس محطة عبور للعودة إلى فلسطين السليبة.

اندفع الأهالي إلى مكان الحدث وانساقوا معه بانفعال، وعلت كلمات الترحيب والتمجيد والهتافات المشتركة لفلسطين والجولان، وفي الوقت ذاته كانت القوات الإسرائيلية قد أحكمت حصار وإغلاق قرية مجدل شمس.

عناق الجولان

احتضن الأهالي العائدين بعناق التضامن والتلاحم، وكانوا الصورة الأجمل لنا، كانوا على استعداد لفدائهم بأرواحهم، وشكلوا درعا بشريا لحماية تحركهم، التحموا معهم وأربكوا جنود الاحتلال، وتوعدوهم باشتعال النار في مجدل شمس إن أقدموا على أية حماقة. لكن بعض الشبان الجولانيين يشعرون بأنه كان ينبغي تقديم المزيد، ويتملكهم إحساس بالغصّة لأن العودة لم تتحقق بشكل فعلي، وحين يُسألون ما هو المزيد الممكن؟ يخوضون في نقاش حول التمني والواقعية، والصراع بين العقل العاطفة، وترتفع الأصوات وتخفت، لكنها تتفق جميعًا على أن ما حصل أكبر من أن يستوعب.

أشبه بالحلم

وصفت الشابة الجولانية هيلانة، العبور بأنه أشبه بالحلم، واستغرقت في التفكير لاستحضار المشاهد، قبل أن تردف والانفعال يغزو قسمات وجهها متسائلة "من أين اكتسبوا هذه الإرادة والإصرار والعنفوان؟ أشعرونا كم هم كبار وهاماتهم عالية، وكم نحن..!"، توقفت لبرهة عند هذه الكلمة وقربت إبهامها من سبابتها بهدوء لتضيق المسافة بينهما، وأردفت ودمعة تلوح في عينها: "صغار."

اعترض أحد الحاضرين على كلمة "صغار"، فقالت بثقة وألم: "نحن أمامهم جبناء"، وساد الصمت.

الألغام كانت في رؤوسنا فقط

عن إرادة العودة لدى العابرين يقول أحد سكان مجدل شمس، الذين عايشوا اللحظات التاريخية: دخل العابرون إلى قرية مجدل شمس على دفعتين، الدفعة الأولى، حسب ما رووا لنا، تقدمها أربعة شبان كانوا على استعداد للتضحية بأرواحهم لشقّ الطريق أمام الآخرين، اختاروا المسارات الصخرية تجنبًا للألغام، ولكن عبور المسارات الترابية كان محفوفا بالخطر فكل خطوة تعني إما الموت بلغم أرضي، أو برصاصة جندي..لكن، من حسن حظهم أن الألغام لم تنفجر".

وأردف بحزن: "لكن بعد ذلك سقط عدد من الشهداء، رووا بدمهم أرض الجولان من أجل فلسطين.. تأسيسا لجسر العودة"، ويضيف بمرارة: "يبدو أن الألغام كانت في رؤوسنا فقط".

الشجاعة الأسطوية

يصف كهل جولاني العابرين بأنهم يتمتعون بشجاعة أسطورية، ويقول: "لم يرهبهم الرصاص، وكانوا يتعاملون مع الجنود المدججين بالسلاح باستعلاء، ويصف حادثة تدلل على ذلك، بالقول: "صوّب جندي إسرائيلي سلاحه في وجه فلسطيني ممن عبروا خط وقف إطلاق النار، فواجهه الشاب بثقة وعزم وأشهر إصبعه في وجهه صارخا: أنت جبان ،جبان جبان. نحن سنعود إلى قرانا ومدننا وبلداتنا إن رضيتم أم أبيتم...سنعود قريبا".

الحق أقوى من القوة

يقول أحد الجولانيين: "حمل الكثيرون من العابرين حفنة تراب من أرض الجولان، قبل أن يعودوا بالاتجاه المعاكس، خرجوا برؤوس مرفوعة كما دخلوا وهتفوا لفلسطين ولحق العودة، محاطين بالأهالي".

ويضيف: "خلال خروجهم، وحين وصلوا لمنزل يعتليه عدد من الجنود الإسرائيليين، رمقوهم بنظرات غضب وتعالت أصواتهم بالهتافات لفلسطين ولحق العودة.. فما كان من الجنود إلا أن طأطئوا رؤوسهم".

رضا الشهيد

يصف شاهد عيان آخر، شهيدا سقط برصاص جنود الاحتلال بالقول: "حدّقت فيه بعد أن استشهد، كانت علامات الرضى بادية على وجهه بوضوح، وشبه ابتسامة ملائكية ترتسم على شفتيه، كان في عينيه بريق مدهش، وكانت نظراته توحي بأنه شعر في لحظاته الأخيرة بأنه حقّق شيئًا عظيمًا، كانت عيناه موشحة بالكبرياء والنشوة. لن أنسى نظراته ما حييت، ولن أتمكن من وصفها والتعبير عنها".

تلة العبور

ويقول الشاب الجولاني، ناصر: "شحننا كبرياء العابرين بقوة غير عادية، فلم نعد نخشى الرصاص المتطاير حولنا، وفرضنا معًا إرادتنا على جنود الاحتلال. ويضيف "كنت ضمن مجموعة من المحليين والعابرين حين قام جندي إسرائيلي بإنزال علم فلسطيني عن السياج وجره خلفه، فضاقنا أن ينتكس العلم بهذا الشكل، فاندفعنا نحوه غاضبين مستنكرين تدنيس حرمة ورمزية العلم، فلم ينبس ببنت شفة، استكان وطوى العلم وقدمه لنا".

يقترح ناصر إطلاق اسم "تلة العبور" على التلة المعروفة باسم "تلة الصيحات"، تمجيدا لبطولات العابرين، وتأسيسًا لجسر العودة إلى الجولان وفلسطين. يعتبر ناصر العبور بطولة حقيقية قل نظيرها، ويؤكد أن العابرين بثوا قوة غير عادية، ويقول: "كنا مجردين من السلاح لكننا كنا نشعر أننا الأقوى.. لا يمكن وصف المشاعر خلال تلك الساعات، كانت الأحداث متسارعة، والمشاعر متداخلة، وبعض الحواس مغيبة لدرجة أن أحد الشبان كان ينزف جراء إصابته برصاصة دون أن يدري، ولم يعلم بإصابته إلا حينما حاولنا اقتياده للعلاج".

وعن التلاحم والتآخي بين العابرين والمحليين، يقول قيادي جولاني: "سقط شهيد على مسافة بعيدة عنا، كان حولي المئات من أهالي الجولان، فطلبت أن تتطوع مجموعة صغيرة لا تزيد عن عشرة أشخاص لانتشال جثمان الشهيد وسط إطلاق نار كثيف، لكنني فوجئت أن أكثر من مائة شخص تطوعوا للمهمة وأحضروا جثمان الشهيد، وتعالت الهتافات للشهيد من من كل صوب".

كواشين وإلحاح

حمل بعض العابرين كواشين أرضيهم، وحمل آخرون مفاتيح لم تعد أبوابها موجودة، عرّفوا أنفسهم بقراهم الأصلية.. صفد، طبريا، لوبية، حيفا والكثير الكثير من أسماء القرى والمدن الفلسطينية، كانوا مصرّين على الوصول إلى بلداتهم الأصلية باندفاع وإصرار، مهما كان الثمن ومهما كانت العقبات..

يقول جولاني: أحد الشبان رجاني بقوة أن أساعده في الوصول إلى طبريا بلده الأصلي، فوقفت أمامه عاجزًا، وقلت له إن هذا غير ممكن وغير عملي، إلا أنه ظل يلح، فأشعرني بمزيد من العجز وقلة الحيلة.. وقلت لو أنك تدري ما الذي ينتظرك خلف الساحة لما أصريت على طلبك، فرد قائلا لو كانت كل قوى الأرض خلف هذه الساحة تتربص بي.. أريد أن أعبر!".

كانوا من كافة الأجيال، قدموا من أماكن مختلفة، من أوروبا ودول عربية مجاورة، بينهم مهندسون ومحامون، ورجال أعمال، وموظفون ومهنيون، يجمعهم انتماءهم لفلسطين، وإيمانهم بحقهم المسلوب، يمتلكون إرادة صلبة لانتزاعه. وكانوا على استعداد لفداء القضية التي قدموا من أجلها بأرواحهم. تمردوا على الأنظمة وعلى الواقع، حملوا روحهم على أكفهم وانطلقوا باتجاه جسر العبور لفلسطين.

وداع مؤقت غادر العابرون مجدل شمس، محاطين بأهالي القرية، ودموع الوداع توشح عيونهم، انحنوا لالتقاط حفنة تراب من أرض الجولان، فانحنت لهم هضبة الجولان إكبارا وإجلالا، وغابوا عن الأنظار، لكن ذكراهم ووقع خطاهم ما زالت حاضرة تؤسس لمرحلة جديدة، وترفع حق العودة إلى مقام عال يليق به وببسالتهم وتضحياتهم.

غابوا لكنهم ما زالوا حاضرين في كل ركن من هذا الوطن العربي الفسيح، بعد أن منحوا دفعة غير مسبوقة لحق قديم أريد له أن يطوى في غياهب النسيان، لكنهم نفضوا عنه غبار السنين وقدموه للعالم بأبهى وأجمل صورة.

26/5/2011








® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600