صفحة البداية
عن الجمعية
حق العودة
عن سحماتا
أخبار سحماتا
مواقف ونشاطات
شهادات وذكريات
مقالات و دراسات
أخبار منوعة
فن, تراث وحكايات
قوس قزح
من رياض الثقافة
والأدب
أفلام وأغاني
صور سحماتا
دنيا الأطفال
تعزيات
روابط مميزة
دفتر الزوار
اتصل بنا
English


أي عقوبة أن تكون فلسطينياً! - نصري الصايغ
I
يموت، ويبقى في منتصف العبور الى...
يموت الفلسطيني، ولا يصل. يعيش الفلسطيني ولا يصل. أي عقوبة، أن يظل موته ناقصاً، وأن تسـتمر حياته بلا شواطئ؟
أمس، مات أبو مــاهر اليــماني، وظل موتــه ناقصــاً، قبلــه، مــات أنيسه، أنيس الصايـغ، وظل مـوته انتـظاراً. قبلـهما، مــات شفيق الحــوت، ولم نقطع به المسافة إلى نهايتـها، ومات ادوارد سعيد، وانتثر رماداً، ولم يكتمل... أما هشام شرابي، فقد حمله موته، ولم يبلغ أحضان عكا.

ولا يزال محمــود درويـش ينتظر على تلّتــه، في مثــواه ما قبـل الأخــير، أن يكتمل مع موعده، ويصبح في «حضرة الغياب».

موت الفلسطيــني نــاقص. هو بحاجة إلى أمومة تتعرف إليه ويحتضـنها بعد فــراق. مــوت أبي ماهر بحـاجـة إلى ترابه، تراب قريته، أمه التي جف عشب انتظارها.

II
أي عقوبة أن تكون فلسطينياً؟

كل منفي يبــحث في منــفاه عن وطن يكون منفــاه الدائــم، إلا الفلــسطينيين، هو المنفى وهو المنــفي وهــو المنـافي كلها. إذا أقــام، ففـي مخــيم، وإذا تحــرك، فـمن «ريح إلى ريح»، ومـن قارعة إلى قارعة.

المخيم، لا نفـــي شبــيه بــه. اقــامة في المــوت بلا جنازة. يؤنسـك الدمـع، والألم تسليــتك. تمد يـدك لتمســك بذاكــرة الوطن، فإما تعتبر متسولاً، فيذلونك، وإما يظن انك مخرب، فيعتقلونك.

منفي أنت. عنوانك اللا مكان. ولكي يقبلوك بينهم، عليك أن تعيش ميتاً.

نحن عـرب، وأوطــاننا تهــرب منا ونتهرب منها. أما أنت، فلا مفر منك. أنت وطنك. لا أحد مثلك. بعد قرن، وبعد لم تنفطم. لك بين البشر حكاية: أنت مريض جداً، مدنف جداً، ومن يشـفَ من مرضك مات.

أنـت شعـب على مواعـيد مؤجلـة. وتــدمن رسم الخرائط، مرة بالتظاهرات، وغالباً بالسلاح. وكل خريطة منفى، وفلسطين وحدها مقيـمة فيك، فيما أنت تريد اقامتها في خريطتها، من البحر إلى النهر.

أنت وطـن يبحــث عن أرضه... نحن، لديـنا أراض شاسـعة، نبـحث فيها عن وطن ولا نجده، وان وجــدناه، أغمـضنا قلوبنا عنه، كي لا نكرهه، أو نتـودد إليه نفاقاً.

III
أنــت وحــدك وطن يسيـر على قـدميه، ولا يصل إلى أرضه، ميـتاً أو حياً. أليس غريباً أن أسماء كثــيرة أعطيت لك، فحملتها عنوةً وكرهاً، فيما كنت المعنى الحقيقي لمفردات الوطن.

سموك لاجئاً. سموك مخربا. سموك إرهابيـا... انهم يخــافون مــنك ولا يخافــون عليـك. يريدونـك بلا وجه ولا وجهة ولا اتجـاه. يريدونك مصــوباً وفـاقداً لصــواب البلد. يريدونك محمولاً على الاكتـاف، للتمــتع بنهــايتك المــجيدة. نهايــة النهايات، حيث لا أنت ولا وطنك.

أي عقـوبة ان تـكون حيـاتك كلـها، بكل ما فيها من قيم، بلا قيمة. حتى أنت، كفلسطيني، قلت لحيـاتك، استـبدلك بموتي، لانتصار قضيتي. استبدلتها، ولم تنتصر. وحدك، كان لك صليب بلا قيامة، وكنت تبذل الدم ولا تصل. صرت الصليب والمصلوب.

خلقت لموتك معــنى الحياة. «تقضي البطولة أن نمد جســومنا جسراً، فقل لرفاقنا ان يعبروا». وامتــد جسر بقامة قرن. وامتد جسر بعدد لا يحصى من الشهداء، وما زال الجسر في بدايته... ولم تصل بعد.

قلت لموتك: أنت سفينتي إلى شواطئ يافا وحيفا وفلسطين. وأبحرت ولم تصل. قلت لموتك، أنت رأسمالي الذي لا ينفد. أنفقت منه دماً مثالياً، ولم ينبت بعد لك زيتونة. قلت لموتك، انفجر في كل الأمكنة، انفجرت، ولم تصل. لقَّنت موتك لغات العالم، ولم يفهم. يريدك ميتاً فقط. ميتاً صالحاً للدفن. وأنت تعصى على الكفن، وتعصى على الدفن. يريدونك ميتاً في مقبرة، أو حياً بلا حنين إلى أمومة وتراب.

وأنت، لست إلا نبوءة الصبر والتمسك بالمجاذيف، فإن خلت من أخشابها، شرعت يديك للتجذيف في «العاصفة».

IV
منذ مئة عام، وأنت بلا فلسطين، وما زلت تراها من القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي، وأكبر من القارات الخمس.

لذلك، أنت مخيف، حياً وميتاً. فلا أنت مقبول في حياتك إلا ميتاً، ولا أنت مقبول ميتاً في بلادك. حلمك بفلسطين يقض مضجع إسرائيل، ولا يريح نوم العرب، وثقيل جداً على «حزب حقوق الانسان الدولي».

فمن أنت يا أبا ماهر؟

أنت بطاقة الهوية، والعلامات الفلسطينية الفارقة، والرغبة الدائمة في الإياب. أنت، بانتظار أن تعود إلى بيتك. بيروت لا تتسع لك. بعض من فيها، يتطهرون من فلسطين بعنصريتهم. وبعض من فيها، أتعبته بحضورك، ويعافك، وبعض من آمن بك، يحمل بندقيته ونتبعه. وصيتك لنا فهمناها.

وتبقى غريباً يا أبا ماهر. تشبه أولئك الذين كتبوا وصيتهم بين هجرة وهجرة، بين منفى ومنفى، بين موت وموت. كتبت: إما أحج إلى القدس بقدميَّ ماشياً في حياتي، وإما أحج إليها بجناحين في مماتي.

نم في موتك قليلاً، بانتظار عودتك.

نم أيها الرجل. يا صاحب أجمل الألقاب: فلسطيني.



السفير
10/1/2011





® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600