صفحة البداية
عن الجمعية
حق العودة
عن سحماتا
أخبار سحماتا
مواقف ونشاطات
شهادات وذكريات
مقالات و دراسات
أخبار منوعة
فن, تراث وحكايات
قوس قزح
من رياض الثقافة
والأدب
أفلام وأغاني
صور سحماتا
دنيا الأطفال
تعزيات
روابط مميزة
دفتر الزوار
اتصل بنا
English


أبو ماهر : ناعماً كحد السيف - وليد قدورة
و أخيراً ترجل الفارس ، صارع الموت حتى آخر شهقة من أنفاسه ، سارحاً ، حالماً ، بانياً حلم العودة إلى قريته الجليلية في عبارات متقطعة ، متجزأة ، أين فيها من سيرة حياة ، لم يعرف فيها جسده الراحة ، و لا كلّت خطواته ، أو ملّت رجلاه . فقط ، الاطمئنان الداخلي و التصافح مع الذات هما ما رافقاه و صاحباه منذ لحظة الوعي إلى نهاية الرحلة الدنيوية .

توازن عجيب ، كان يميّز الرجل ، نادراً ما استطاع بشري أن يتقن ترتيبه ، قدري غير آبه بمفاتن الحياة ، و لا مأخوذاً بها ، رغم أنها أغرت كثيراً من حوله ، صائماً كل رمضان ، بصمت و تبتل رغم ما كان ذلك يثير الغرابة و الدهشة في أوساطه ، حين أضحت الأيدلوجية صارخة ، واضحة تحدد هوية الانتماء ، و تعطي لكلٍ مواصافاته ، لكنه ، لم يبد اكتراثاً إلا بتواصل يومي مع أبناء المخيمات الذين استمد زعامته الشعبية من عطائه لهم ، و اندماجه معهم . اعتزاز بأصوله الطبقية الفقيرة ، و ندية في مخاطبة من بدأوا يمتلكون التأثير في عصر جديد أضحى المال و المؤسسات و الزعامة الحزبية فيه ، عناصر تكاد تحبط ذوي الأخلاق الرفيعة مثل أبو ماهر . لم ينبهر الرجل بكل هذا و ذاك ، واثقاً بصحة إنجازاته المتراكمة وفق ما هدته روحه ، و بما أشار عليه ضميره ، مدركاً ، دون أن يصرح بذلك أو يقول أنه هو بذاته مؤسسة بعينها يسعى لاستقطابها الآخرون ، و أنه شجرة وفاء ، يستظل من يرغب بالاسترخاء تحت ظلالها ، أو قطف ثمارها ، دون تأفف أو تذمر ، فأنّى كان لك كل هذا الوقت يا أبو ماهر ؟

لم تضيّع ثانية هباءً من حياتك ، منذ رفضت مغادرة " سحماتا" و واجهت الموت منفرداً ، حتى تحويلك كل مساحة حططت بها بؤرة لأعمالك الثورية العجائبية التي جلبت لك السجون و العذاب ، مدارس " الأونوروا" التي انقلبت حينها إلى معسكرات أشبال. " مبرة الملك سعود " الثانوية التي خرّجت أجيالاً من المناضلين ، " بيت الأطفال" الذي لا يزال يذكر سلوكك المهني المخلص إبان عملك به .

ما كان هذا الجسد الضئيل النحيل ليحتمل الراحة ، و لا استكانت الهمة ، بفعل هذا العقل التفصيلي المبدع الذي وزع و عمم خلاصة ولائه الوطني أينما حل ، مخيماً أو مدينة ، شارعاً أو زقاقاً ، كنت حاضراً في " دار الفجر" و "جمعية المقاصد" و في "مكتبة منمنية" و "جريدة اليوم" وصولاً إلى إطلالتك الصباحية مبكراً في "مخيم شاتيلا" و تردادك على الإجتماعات السرية في المساء.

كل ذلك ، لم يضيّع البوصلة لديك ، فقد كان دوماً هناك وقت لزيارة "أبو صالح" و " أبو محمد" في عين الحلوة ، و أوقات لمباغتة مخيمات شاتيلا ، و أخرى لإلقاء نظرة من " مخيم الرشيدية" صوب بحر فلسطين.

كيف يقدر كائن أن يوفق بين إيقاع هذه الأماكن ، و اختلاف مكنوناتها و دهاليزها و أسرارها ، و أن يتكتم على عشرات الآلاف من القصص و الروايات التي عرفها ، فما رغب أن يطل من على شاشة تلفاز متباهياً ، فخوراً بما قدّم و أعطى ، و هو الذي كان يغذي العداء نحو العدو القومي ، بكل الطرق الممكنة بدءاً من المنشور إلى الكتابة على الحيطان ، و الانخراط في المؤسسات الوطنية ، لكنه الرزين العاقل المؤدب في الخلاف و الخصومة السياسية و التنظيمية ، المترفع عن السباب و الشتائم و الغضب المفتعل . الساعي ، رغم صرامته و حزمه ، أن يوجد نقطة لقاء بين الأطراف المتباعدة دون أن يتخلى عن ثوابته الداخلية.

و حين أصبح السلاح زينة الرجال ، لم يكن " أبو ماهر" واحداً من المتباهين بحمله ، أو المشجعين على سوء استخدامه ، و كانت النكتة البديهية جاهزة لديه ، حين يلاحظ مظاهر اختيال أو مبالغة في المظاهر المسلحة و هو الذي اعتاد العمل في الظل ، و الذي قضى ردحاً من حياته في غمار العمل السرّي.

لكن عدم حمله لسلاح فردي طوال الحقبة لم يلغِ قناعته الراسخة بضرورة حسن استخدامه و توجيهه ، بكى أبو ماهر بحرقة ، و عاد بسرعة إلى توازنه حين استشهد خالد الحاج أبو عايشة ، و تبعه شقيقة محمد " أبو هيثم" و "رفيق عسّاف" أبو نظام ، الكوكبة التي سبقت الآخرين و شقت الطريق لمن تلاها ، المجموعة التي وهبها " أبو ماهر" من دفء صدره و حنانه و إيمانه و علاقته المميزة بهم ، تبعهم آخرون ، امتلأت الدروب بالشهداء و الرفاق و الإخوان و الغائبون مجهولو المصير ، لكن دموع الرجل كانت تسبق كلماته غالب الأحيان ، لتأتي أفعاله بعد ذلك .

درك الله يا أم ماهر ، رفيقة الشدائد التي عاشت أياماً مضنية حالكة صعبة فلم تئن و لم تصرخ ، المرأة التي وقفت بجانب زوجها في كل الأحوال ، و صانته في غيابه الدائم المتكرر ، و التي أودعها أسراره ، التي عاشت قنوعة بما وهبها الله ، معتزة بسلوك زوجها ، المرأة التي تستحق أن تذكر بفخر حين نستذكر أحد الرجال القلة من الزعماء الشعبيين الفلسطينيين .


وليـد قـدورة
صيدا - سحماتا
7/1/2011





® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600