صفحة البداية
عن الجمعية
حق العودة
عن سحماتا
أخبار سحماتا
مواقف ونشاطات
شهادات وذكريات
مقالات و دراسات
أخبار منوعة
فن, تراث وحكايات
قوس قزح
من رياض الثقافة
والأدب
أفلام وأغاني
صور سحماتا
دنيا الأطفال
تعزيات
روابط مميزة
دفتر الزوار
اتصل بنا
English


كأنهم يطالبوننا باعتناق الصهيونية! - مريد البرغوثي
عندما يُفلت مقود السيارة من يد قائدها تنتفي عنه صفة القائد، لأن كتلة الحديد التي يجلس فيها سوف تتحرك كما تريد، لا كما ينوي أو يخطط. لا أتحدث عن السياسة بل عن السيارات. وعندما يسقط حجر من الطبقة العاشرة لن يتوقف في هواء منتصف الطريق أو ربعه أو ثلثه، بل لا بد من الارتطام بالأرض. لا أتحدث في السياسة بل في قوانين الجاذبية. وعندما تنزلق قدم أحدهم عن درجة في أعلى السلّم، يواصل التدحرج حتى نهايته. لا أتحدث في السياسة بل في قوانين الحركة. وأسأل النفس: هل بقي لنا مقود نتحكم فيه، أو هواء نتعلق به، أو درج يرحم خطواتنا؟ وأتمنى ألا أجد الجواب عن سؤالي لأنه سؤال مُر. لا أتحدث في السياسة بل أتحدث عن مذاق السؤال. يطالبنا المفاوض اللطيف بالاعتراف بـ«يهودية الدولة»، فتصرح السلطة الفلسطينية في رام الله بأن «هذا ليس شأننا». لا أتحدث في السياسة. أتحدث عن حيرتي كإنسان فرد في هذا العالم سمع بهذه الواقعة ويحب تفسير الكلمات. أحتار متسائلا: شأن من هو إذاً؟ وتغريني اللغة، فأتذكر أن من ينفض يديه من شأنٍ ما، يفسح في المجال لتحقق هذا الشيء من دون عرقلة منه أو اعتراض. فهل وصلنا إلى هنا؟

طويل طريق انحدارنا، وإلا فكيف اتسع لجميع هذه الأشكال من التخلي؟ يصعب تعداد التخليات المتوالية (كما يصعب نسيانها)، والمرء يستطيع أن يُقْسم ان شرط «يهودية الدولة» ليس آخر الشروط، بل مجرد محطة من محطات المطالب اللانهائية. كلما لبينا لهم شرطا أتحفونا بشرط جديد، وطالبونا بأن نلبّي أكثر. كلما اقتربنا من الوصول إلى الهدف الذي حددوه لنا ليرضوا عنا، حركوه من مكانه أمتاراً جديدة وعلينا أن نواصل الركض نحو المكان الجديد. اندهش نتنياهو من شرط تجميد الاستيطان قائلا لأوباما صاحب الاقتراح: لكنهم يتفاوضون معنا منذ عشرين سنة من دون أن يشترطوا وقف الاستيطان أو تجميده؟ ما الذي جدّ؟ لقد أفسدتَ علينا الأمر وعليك أن تتراجع برشاقة لنعود كما كنا تماماً، هم يفاوضون ونحن نستوطن. وهنا ظهر اختراع «يهودية الدولة» يطل مجدداً برأسه من أدراج الأرشيف الصهيوني بعد عشرات الشروط التي لبيناها منذ أوسلو 1993 حتى اليوم. تقول السلطة الفلسطينية «هذا ليس شأننا»، أي انها تقول لأعدائها لا مانع لدينا وعلى بركة الله! أيّ بعد نظر هذا؟ هل فكرت السلطة بمصير أهلنا المقيمين في أرضهم منذ النكبة، ورغم النكبة، عندما يواجهون الترانسفير الجديد؟ هل فكرت بأنها تُسقِط حقنا في البلاد منذ كانت البلاد؟ هذه دولة اليهود. وما دمنا لسنا يهودا فلا مكان لنا فيها. ووجودنا فيها، نعم، مجرد وجودنا، غير شرعيّ وغير قانوني. وعندما يترتب على ذلك طردنا، نقول إن هذا ليس شأننا؟ هل وصلنا إلى هنا؟ وماذا بعد هذه الهنا؟ وكيف يحق لنا نحن المسيحيين والمسلمين العرب، عندما تصبح القدس عاصمة اليهود، أن نطالب بحقنا فيها؟ اليهود إذاً، بحسب ذكاء سلطتنا، لم يصنعوا نكبتنا، ولم يمارسوا التطهير العرقي ضدنا، ولم يشردونا لاجئين في منابذ الدنيا ومنافيها، وإنما هم يهود «عادوا» إلى دولتهم اليهودية التي حُرموا منها ألفي سنة، وعيب علينا أن «نزعل» من عودتهم الميمونة، بل ربما وجب علينا تقديم التهاني لهم بسلامة الوصول! هل وصلنا إلى هنا؟ إلى اعتناق الصهيونية ذاتها كاملة كما رآها مؤسسوها الأوائل؟ هل اقتنعنا بأن أرضنا هي أرض يهود العالم كلهم، وليست أرض أي واحد منا؟ هل تعرف سلطتنا أنها بذلك تمنح تبريراً لكل حروب أعدائها الماضية واللاحقة ضدنا وضد الدول المجاورة؟ لم يكونوا في وضع «اعتداء» أبداً، وربما كنا نحن المعتدين على الدوام! وربما كان علينا أن نعوضهم معاناتهم الطويلة. بل لن يحق لنا أن نُدهش لو طالبونا فعلا بدفع مليارات الدولارات تعويضاً لكل يهودي تحمّل صعوبة البعد عن أرضه، يا حرام، وحمّلناه وزر قتلنا في سلسلة لا تنتهي من المجازر كان في غنى عن ارتكابها لو أدركنا وطأة غربته عن دياره. وليس غريباً بعد قبولنا بيهودية الدولة، أن يكون شرطهم المقبل هو «التعويضات».

لعبة تحريك الهدف سوف تستمر. ستواصل أيها الفلسطيني اللهاث لتصل إلى إرضاء أعدائك حتى يقبلوا بالجلوس معك إلى مائدة التفاوض، وحتى يعتبروك «شريكاً للسلام»، وسوف تقبل شروطهم «عشان تخلَص» وتحل الصراع وترتاح، وفجأة يزيحون الهدف بعيداً. والهثْ أيها الفلسطيني مجدداً. واصل الركض. لن تنتهي شروطهم.

إسرائيل لا تريد السلام. ولو انتخبنا شمعون بيريز ذاته رئيساً للسلطة وللمنظمة لما أعطونا دولة. مفهوم؟ وهذا كله ليس حديثاً في السياسة، إنه تأمل في أعاجيب الحال التي وصلنا إليها، وخوف من أعاجيب أخرى ستأتي لا محالة. كما أنه إصغاء قلبي الى صوت يحيط بي من الجهات الأربع ويحاول المرور من مضائق التعب ليعيد الاعتبار بثقة وهدوء ووضوح لذلك النداء البسيط: فلسطين عربية.



عن ملحق فلسطين في "السفير" عدد 7

26/11/2010





® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600