صفحة البداية
عن الجمعية
حق العودة
عن سحماتا
أخبار سحماتا
مواقف ونشاطات
شهادات وذكريات
مقالات و دراسات
أخبار منوعة
فن, تراث وحكايات
قوس قزح
من رياض الثقافة
والأدب
أفلام وأغاني
صور سحماتا
دنيا الأطفال
تعزيات
روابط مميزة
دفتر الزوار
اتصل بنا
English


النكبة والخوف! - الياس خوري



ليست النكبة ذكرى، كي توضع في متحف الذاكرة الذي يصنع النسيان. هذه هي خصوصية النكبة الفلسطينية. فالنكبة لم تحصل منذ اثنين وستين عاماً، كي تكون عنوانا للذاكرة الفلسطينية، بل تحصل اليوم ايضاً، وهي مسار لم يتوقف منذ عام 1948.

تمتلك النكبة الفلسطينية خصوصية مأسوية لا تمتلكها المآسي التاريخية الكبرى، لأنها ليست حدثاً مضى، يحتاج الى تنظيم في الذاكرة الجماعية، بل هي حدث مستمر، لم يتوقف يوماً، ويتخذ في الهجمة الاستيطانية الحالية على القدس ومناطق الضفة الفلسطينية المحتلة صفة الراهن.

تتألف النكبة من اربعة مستويات:

1- المستوى الاول هو التطهير العرقي والطرد الجماعي عام 1948، قبيل واثناء وبعيد الحرب التي خاضها الفلسطينيون دفاعا عن وجودهم، وسط عجز عربي سياسي وعسكري، ومناورات برعت فيها الانظمة العربية من اجل تجيير المأساة لمصالحها السياسية، بعدما فشلت في ميادين القتال، ووسط تأييد دولي اعمى ولا سابق له لانشاء الدولة العبرية، كمحاولة من الغرب للتكفير عن جرائمه خلال الحرب العالمية الثانية بجريمة جديدة.

2- المستوى الثاني هو معاناة ما يطلقون عليه اليوم اسم عرب 1948، وهو اسم مستعار فرضته اسرائيل من اجل محو الاسم الفلسطيني.عدا عن الاضطهاد القومي والتمييز والاخضاع والاذلال، تابعت الدولة العبرية سياسة مصادرة الاراضي، وعدم الاعتراف بعشرات القرى، والتحطيم الثقافي والسياسي المنهجي للفلسطينيين الذين بقوا في ارضهم. ربما كانت المقاومة اليومية التي صنعها فلسطينيو 1948هي احدى اكبر ملاحم المقاومة في التاريخ المعاصر. من فتات شعب ممزق ولدت ثقافة مجيدة، ومن حطام المدن والقرى صنع الفلسطينيون والفلسطينيات اسمهم مكتوبا بالعشق للأرض، والسخرية من الجلاد.

3- المستوى الثالث هو معاناة اللاجئين في البلاد العربية التي طردوا اليها. وهي معاناة لم تستمر فقط على مستوى القمع والترهيب، بل تعمدت بالدم المسفوك في الأردن ولبنان في شكل خاص، وبالسجون التي امتلأت بالمناضلين في جميع الاقطار العربية المحيطة بفلسطين.

4- المستوى الرابع هو اصرار الاحتلال بعد الهزيمة العربية الكبرى عام 1967 على استكمال النكبة في الاراضي الفلسطينية التي احتلت في ذلك العام الأسود. ولعل ملاحم الصمود في القدس وجنين ونابلس وغزة، ومقاومة تجريف الحقول والاستيلاء على الأرض، والثبات امام ركام البيوت المهدمة، هي عنوان مقاومة النكبة التي تصرّ الحركة الصهيونية بأجنحتها المختلفة على استكمالها، عبر تدمير اي احتمال لانشاء دولة فلسطينية مستقلة، وتحطيم اي امل للفلسطينيات والفلسطينيين بالعيش بكرامة في بلادهم.

تتداخل هذه المستويات الاربعة لتقدم لوحة فريدة في التاريخ المعاصر. لم يسبق لكارثة وطنية ان تحولت مساراً مستمر لا يتوقف، ولم يسبق لشعب ان قاوم خلال اكثر من ستين عاما عدوا متفوقا مدججا بالسلاح، لا شيء يشبع نهمه المتواصل لابتلاع ارض سكان البلاد واصحابها الشرعيين.

لذا لا نستطيع ان نقرأ النكبة في وصفها ذاكرة، فذاكرة النكبة لم تنته، وهي ليست مرشحة للانتهاء، لأن جنون الاحتلال والغطرسة والعنصرية لا حدود له، ولأن اسرائيل تشعر بأنها قادرة على الاستمرار في ممارساتها، لأن لا احد يردعها.

النكبة ليست لحظة للذاكرة، بل هي لحظة للنظر في الحاضر. الممارسة الاسرائيلية التي تجعل من النكبة حاضرا تريد الحاق الحاضر الفلسطيني بماضيه. اي ان النكبة المستمرة هي محاولة لتحويل الماضي مستقبلا.

لذا تصبح الذاكرة مرآة الحاضر واحتماله الوحيد. هذا ما سعت اسرائيل وتسعى الى تحقيقه، ان لا يكون للفلسطينيين حاضر كي لا يكون لهم مستقبل. ثم يأتيك مشروع القانون الجديد الذي يحظّر على الضحايا تذكّر النكبة كي يقفل الزمن على الفلسطينيين. الحاضر هو الماضي، والماضي ممحو، اي ان على الفلسطينيين ان يتجردوا من الوجود، كي يتلاءموا مع الواقع الاسرائيلي.

وهذا لم يحصل ولن يحصل.

بل على العكس تحولت الذاكرة ، وتحول واقع استمرار النكبة الى رفض لها، وتحولت الحياة اليومية الى فعل مقاومة.

في هذا السياق يجب ان نقرأ خبر اعتقال المناضلين الفلسطينيين عمر سعيد وامير مخول. فالتهم الأمنية التي تسوقها المخابرات الاسرائيلية، ومن ضمنها تهمة التعامل مع حزب الله والتجسس! ليست سوى خرافة. مجموعة الأكاذيب والافتراءات التي فبركتها اجهزة الاستخبارات الاسرائيلية، لا هدف لها سوى تحطيم الحركة الوطنية الفلسطينية، عبر اشاعة الخوف والترهيب. هذا هو المعادل السياسي- الاجتماعي للنكبة المستمرة. يمنعون الفلسطينيين من التعامل مع حاضرهم ويصادرون ماضيهم، وهذا لا يتحقق الا عبر اشاعة الخوف والترهيب، وفرض الصمت المطلق على الضحية.

هذه ليست ممارسات اسرائيلية جديدة، فالفلسطينيون في وطنهم تعلموا ان يعيشوا مع تجربة مقاومة الخوف، وصنعوا من زنازينهم واحات لحرية الكلمة المقاومة. وما اعتقال امير مخول وعمر سعيد الا حلقة في السلاسل التي يصنعها الاسرائيليون من اجل تكبيل الفلسطينيين وفرض الصمت عليهم.

في ذكرى النكبة ارادت السلطات الاسرائيلية تذكير رعاياها / ضحاياها من الفلسطينيين انها دولة بوليسية، وان كل الكلام عن الديمقراطية وحرية التعبير ليس سوى اوهام. فالاحتلال العسكري لا يبني سوى دولة بوليسية، والهوس الاستيطاني المستمر منذ اثنين وستين عاما لا يؤسس سوى لبناء نظام ابارتهايد سوف يكون اكثر سوءا ووحشية من نظيره الأفريقي الجنوبي.

تبدأ ذاكرة النكبة بالتبلور كرفض للخوف. هكذا تصير الحقوق المدنية لفلسطيني الداخل مرادفا للنضال ضد الاحتلال في الضفة والقدس وغزة، وجزءا من حق عودة اللاجئين من شتات مخيماتهم.






20/5/2010



® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600