صفحة البداية
عن الجمعية
حق العودة
عن سحماتا
أخبار سحماتا
مواقف ونشاطات
شهادات وذكريات
مقالات و دراسات
أخبار منوعة
فن, تراث وحكايات
قوس قزح
من رياض الثقافة
والأدب
أفلام وأغاني
صور سحماتا
دنيا الأطفال
تعزيات
روابط مميزة
دفتر الزوار
اتصل بنا
English

مقالات و دراسات


جـمـيـع الـحـقـوق مـحـفـوظــة، لـــلاّجـــئـــيـــــــن

هشام نفاع السبت 12/5/2007


*عن الفيلم الوثائقي القصير "قصص نساء فلسطينيّات"، تصوير وإخراج رنين جريس، الذي حاز على المرتبة الثالثة لجائزة العودة – مضمار الأفلام الوثائقيّة * النكبة بصوت نساء يقدّمن ملامح من 1948 * حين تختلط القوّة بهشاشة الانكسار، لتقدّم صوتًا واضحًا للحقيقة.. تلك المركّبة دومًا من النقائض*

لأسباب عديدة ظلّت رواية النكبة الفلسطينية تراوح بين طرفين: البطولة والضحويّة، بمعنى تمثُّل دور الضحيّة. ليست هذه ميزة تاريخية حصرية للنكبة ولا هي كذلك لشعبنا الفلسطيني. لربّما أنّ الأحداث التي تكون بهذا الحجم والوقع تتألف من النقائض. كالحقيقة تمامًا، مؤلفة من تفاعل النقائض بحسابات جدليّة.


الفيلم الوثائقي "قصص نساء فلسطينيات"، تصوير وإخراج رنين جريس، يسير بالضبط على ذلك الحدّ الذي يفصل الضحية عن بطولتها. لكنه، وبالتزامن، يسير على الخيط نفسه الذي يجمع الضحيّة ببطولتها، ببقائها. وقد فاز بجدارة بالمرتبة الثالثة لجائزة العودة السنوية 2007 في مضمار "الأفلام الوثائقية"، والتي ينظّمها "بديل/ المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين".

قبل هذا لا بدّ من ملاحظة منهجية وضرورية، وهي أنّ هذه القراءة لا تقع في باب النقد السينمائي. فلا أنا ناقد سينمائي ولا أنا خبير بأدوات هذا الفن. كلّ ما في الأمر قراءة قد تكون انطباعية، وبالتأكيد سياسيّة، لهذا العمل.
كان يمكن القول إنّ ميزة الفيلم هي صوت المرأة الحصريّ فيه. سواء أكان في هوية ومنظور مخرجته، أو أصوات النساء اللاتي يقدّمن قصصًا تتعادل قوّتها وتراجيديّتها. هنا بالضبط، بفعل هذا التعادل، تتجاوز ميزة الفيلم الصوت المحدّد، مبقيةً على أهمّيته، لتصل إلى ميزة
أخرى: قصص لا تدّعي البطولة الذكورية المعهودة التي عادة ما تتلفـّع إمّا بصمت يخفي المسكوت عنه، وإمّا ببلاغة تكشف الكثير الذي يظلّ مسكوتًا عنه. لربّما أنّ الميزة هي الصوت الذي يروي القصة ببساطتها دون تهيّب من المصارحة ولا شعور بالحاجة في تهذيبها لتلائم "القصة الواجب إنتاجها". هكذا تكتسب القصة قدرتها الخاصة بها والكامنة فيها. هنا تكتسب الفرضيّة القائلة إن أبلغ القصص وأعمقها هي تلك التي تحتكم مرجعيّتها للعفوية، دليلا جديدًا وقويًا.

تتراوح مشاهد الفيلم من الناحية البصرية بين النساء الستّ، وكلّ تتحدث في بيتها الحالي، ما عدا إحداهنّ في قريتها المهجّرة، وبين صور باتت معاني فلسطينية رمزيّة مشفّرة: عقود حجرية، أشجار زيتون، خرائب باقية تجمعها خلفية باقية من الشجر الأخضر؛ صور لدمارٍ باقٍ. أهو دمار أم بقاء؟ مفارقة صعبة. ولكن، مرّة أخرى، هذه هي عناصر الحقيقة: تناقضات تميل للثنائيّة الحادّة. لو كان الدمار ماحقًا لما بقي أثر للبقاء، ولو تواصل البقاء دون نكبة فلم يكن الدمار ليحلّ. إنّه الحدّ/الخيط.
منذ أولى مشاهد الفيلم تأتي مقولة في غاية القوّة: فالسيّدة خزنة سمعان، سحماتا المهجّرة، تتذكّر كيف كانت المرأة تعمل كالرجل على قدم المساواة في زراعة التبغ. ثمّ، وكأن السيدة مرتا يوسف سوسان، ترشيحا، تتلقف المقولة دون أن تسمعها فتواصل بنفس النّفَس الحديثَ ذاته قائلة: "كنا متعوّدين إنو المَرَه زيّ الزلمه.. بتشتغل زيّ الزلمه".

لا ينقطع سيل الرواية هنا، لأنّ السيدة تفاحة أحمد ناطور، عمقا المهجّرة، تتابع فيما هي تواصل حركتها الرتيبة بسُبحتها، لتصف كيف عملت النساء في الحقول، وبعضهن كنّ يصطحبن أطفالهنّ الرضّع معهنّ. وكيف كُنّ جزءًا من المسير الى عكّا لبيع الغلّة، "بدها تعيش العالَم يا خالتي"، تردف وهي تخاطب المخرجة. أما غوسطا دكور، ترشيحا، فتستعيد طفولتها العمّالية الغضّة حين كانت تلحق بوالدتها وهي تجمع الحطب: "هي تحطّب وأنا ألمّ".

هنا تنتقل الصورة الى قرية الشّجرة المهجّرة (بلد الفنّان الشهيد ناجي العلي). السيّدة نجيّة ديابات تقدّم، من خلال سرد قصتها، معلومة تاريخيّة مقرونة بإسم، تستحق التقصّي. فقد اختبأت النساء المسنّات في تلك الأيام القاتمة في قبوٍ ما. كان معهنّ فتى عمره 16 عامًا. وقد "أخرجوه" مع النساء، ثم "أخذوه" قبل أن "يقتلوه" بطلقة من الرصاص. إسمه ياسر عيلوطي.

السيّدة لطفية مبدّا سمعان، سحماتا، تتذكّر كيف رأت "كبوش الدخّان ملقّحة زيّ الغنم من حمّ الطيّارة". وكيف "طلعت أختي على السدّة" لتأخذ ما أمكنها من أعمال النسيج والحياكة قبل أن تهرب بحثًا عن منجاة (من الطائرات المقاتلة!). وفي ترشيحا، تحت قصف جوّي مشابه، صرخ أبو محمود الهوّاري "راح بيتنا"، كما تستعيد السيدة غوسطا. "أوّل وحده طلّعوها كانت أخته فوزيّة". تتذكّر أن شعرها كان أشقر. "أمّا مرت (زوجة) كامل وبنت كامل، طلّعوهن محروقين".
تفصيل واحد من الصعب تخيّله: حين عاد أهالي ترشيحا إلى بلدتهم كانت جثامين الضحايا لا تزال ملقاة هنا وهناك. أحدها، وهي لطفلٍ، كانت تنهشها الكلاب. "قعدت مدّه طويله أحلم في الولد"، تقول السيّدة غوسطا بما يبعث على القشعريرة.

قرب الختام مُغنّاة:
"نِزِل دمعي على خدّي غريبَه
وتبكي العين عَشنّا غريبه
يا ربّي لا تموّتني غريبَه
إلا غير بين أهْلي ولِصْحاب

وْدمعي يا يمّا على خدّي حابِسْ
وشبه السّيل بِلْوديان حابس
أمانة يا يمّا إن مُتتْ حُطّوني بنواعشْ
واقبروني بالوطن عَدروب لِحباب"

في غنائها/نواحها البيت الأخير، تُجهش السيّدة لطفيّة بالبكاء، وليس وحدها..

هذا وجه واحد لخاتمة الصورة. لكن هناك خاتمة ثانية مكمّلة، سبقتها بقليل، تُصاغ بكلمات السيّدة تفاحة. هي تتحدّث كيف ذهبت الى الكرم وسط أزيز الرّصاص. وكيف رأت رصاصة تفجّر "الفقّوسة" بقرب عينيها. ألم تشعُري بالخوف، تسألها المخرجة. فتضحك تفّاحة، وتقول: "أنا قويّة القلب".

لربّما أن ذلك الحد/الخيط هو بين تفاعل هشاشة الدّموع الساخنة، وبين استعادة لحظات المجازفة بضحكةٍ لا تقلّ عن ذلك الدّمع حزنًا.
فيلم رنين جريس تمحور في أصوات نساء جليليّات. يجب أن نأمل أنه حلقة أولى ضمن سلسلة ستمتدّ أصواتها على مختلف مواقع التهجير الفلسطينية. إنّه مشروع جديّ ويتطلّب جهدًا. ولكن، ما حققته أولى الحلقات من نجاح وتأثير، يصبح تحديًا ومطلبًا وتوقّعًا لرؤية الإستمراريّة. فهذا الصوت يجب أن يتّسع ويعلو، وهذه هي مساهمة رنين جريس الهامّة.

هناك نوافذ عديدة للإطلال على نكبة 1948. إحدى النوافذ الجديدة اللافتة هي تلك التي تعرضها حركة "زوخروت – ذاكرات" العربية-اليهودية. وهي "تهدف إلى الاعتراف بالمسؤولية الأخلاقية عن الغبن التاريخي الذي ألحقته دولة إسرائيل ومؤسساتها بالشعب الفلسطيني، وإلى العمل على تحقيق العودة للاجئين واللاجئات الفلسطينيين". فيلم رنين جريس هو من إنتاج "زوخروت- ذاكرات"، وقد جاءت آخر صوره على شكل إهداء مُرهف الحسّ:
"جميع الحقوق محفوظة لمن اقتُلعوا من بيوتهم"!

لمشاهدة الفيلم أنقر هنا

* عن موقع الجبهة



® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600