العودة الى صفحة " مواقف ونشاطات"


في الذكرى ال 60 للنكبة سحماتا تولد من جديد و لكن في زيورخ
بقلم: مالك أيوب

كنا قد فرغنا للتوّ من إعداد الصالة. فهناك علمان لسويسرا قد علقا على طرفي الشاشة. على الطرف الأيمن للصالة وإلى يسار العلم علقت خارطة لفلسطين تبين حدود المناطق التي احتلتها إسرائيل عام 1948. وعلى الطرف الأيسر علق فوق العلم السويسري علم صغير لفلسطين وبالقرب منه صورة كبيرة لقرية سحماتا وبيوتها قبل التدمير.

كانت الزميلات منهمكات في إعداد المشروبات والأطعمة اللذيذة التي تعكس صورة الشرق، تلاحمت فيه فلسطين مع لبنان وسوريا في صورة يندر وصفها. فياسمين قد أعدت شرائح المعجنات الملفوفة بزعتر الناصرة الفلسطيني وميشلين قد أحضرت النمورة (الهريسة) المشربة بالقطرالشهي وناديا قد جهزت البقلاوة بالجوز واللوز والقطر الممزوج بشراب الورد أما رنا فكانت تتنقل بين المطبخ والصالة تساعد هنا وهناك قبل أن تتولى لاحقا مهمة التصوير، أما سامي ابن جنين فقد أعد الفلافل على الطريقة الفلسطينية الخاصة بشمال الضفة الغربية، إضافة إلى متبّل الحمص والبابا غنوج اللذين كنت قد أعددتهما خصيصا لهذه المناسبة.

ما إن حلت الساعة السابعة مساء يوم الخميس 15 أيار 2008 حتى كانت صالة المركز المشترك في ريزباخ في مدينة زيورخ قد غصّت بحوالي سبعين من المدعوين، كان بينهم رجال الشرطة من كنتون زيورخ العاملون حاليا والمتقاعدون، أطباء و مهندسون، مترجمات و مترجمون وكذلك رجال ونساء من مختلف الأعمار والاتجاهات، إضافة إلى مجموعة من نادي السفراء وهو ناد يضم متقاعدين وعاملين من مختلف نواحي الحياة السويسرية.

بدأتُ المحاضرة باستعراض سريع لمعنى النكبة، فقد كان عنوان المحاضرة ( ماذا حصل سنة 1948؟ ). وحتى أستطيع أن أوضح معنى هذه الجملة، بدأتُ بعرض تاريخي للفترة الزمنية منذ عام 1897 أي منذ المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل السويسرية وحتى عام 1948. فقد تطرقتُ للحديث عن الصندوق الوطنى اليهودي ودوره في إنشاء ودعم المستوطنات المقامة في فلسطين ثم إلى معاهدة سايكس- بيكو ووعد بلفور وظهور نجم الحاج أمين الحسيني وعبد القادر الحسينى ثم إلى ثورة الـ 36 و الشيخ عز الدين القسام وأخيرا إرسال جيش الإنقاذ العربي إلى الجليل الفلسطيني. ثم شرحت بعد ذلك بإسهاب أحداث عام 1948 منذ عودة عبد القادر الحسيني من منفاه واستشهاده في القسطل مرورا بمجزرة دير ياسين وتوافد الجيوش العربية إلى فلسطين. كما شرحت بالتفصيل خرائط المعارك التي بدات في 15 أيار 1948 بمرحلتيها الأولى والثانية مع تحديد سير المعارك ومواقع الكتائب العربية والصهيونية.

نالت هذه المعلومات إعجاب الحاضرين نظرا إلى التفاصيل البصرية والسمعية الممتزجة بالمؤثرات التقنية والعرض السلس والمنطقي للأحداث التي سهلت على الحاضرين فهم ما وقع في تلك الفترة الزمنية بصورة بسيطة. حتى إن الكثير منهم قال لي لاحقا إنه قد شاهد شريطا وثائقيا وليس مجرد محاضرة.

بعد هذه الفقرة قرأت مقاطع باللغة الألمانية من كتاب ( الوجه الآخر للعملة ) للكاتب اليهودي أوري أفنيري الناشط في مجال حقوق الإنسان والذي كان في عام 1948 جنديًا في وحدة الجيش الخاصة. وقد استخلصت من هذا الكتاب الفقرات التي تبين الطريقة الوحشية التي استعملت من قبل العصابات الصهيونية لاحتلال القرى الفلسطينية ثم أتبعتها بصور للنكبة للمشردين الفلسطينين أثناء نزوحهم وطردهم من موطنهم وقراهم، جعلت الحاضرين يعيشون تلك اللحظات بكل ما فيها من أحاسيس ومشاعر.

بعد إستراحة استمرت حوالى النصف ساعة أو يزيد تناول فيها الحاضرون الأطعمة الشرقية والمشروبات المتنوعة أظهرت حسن الضيافة والكرم العربي لدى كل الزائرين.

في الفترة الثانية من المحاضرة، استعرضت قصة قرية عمواس التي كانت تقع على بعد 28 كلم غرب مدينة القدس والتي تم تدميرها عام 1967. و قد تم كالعادة زراعة المنطقة المدمرة بالأشجار العالية الممولة من تبرعات اليهود في كندا ومن الحكومة الكندية مما دعا السلطات الإسرائلية إلى إطلاق اسم "حديقة كندا" على المكان دون أن يعلم المتبرعون ماهية هذه الحديقة أو قصتها. لقد كان إسحاق رابين هو بعينه الذي أصدر الأمر الشخصي لتدمير القرية. وقد أجرت القناة الخامسة الكندية في منتصف السبعينات مقابلة تلفزيونية معه اعترف فيها بذلك، إضافة إلى تحليل كامل لقصة عمواس. وقد وزعت في المحاضرة أسطوانة مضغوطة لهذه المقابلة التي يمكن أن تكون في المستقبل شاهدا على هذا العمل الإجرامي. أردت بهذه الفقرة أن أدلل على أن النكبة ليست هي فقط الأحداث التي جرت عام 1948 ولكنها هي الأحداث التي بدأت في ذلك العام و ما زالت متواصلة إلى اليوم.

في الفقرة الأخيرة من المحاضرة، استعرضت القصة الكاملة لقرية سحماتا كمثال لمئات القرى التي تم تديمرها في تلك الحقبة من قبل العصابات الصهيونية، بدأت من الموقع الجغرافي وعدد السكان مرورا بمخاتير القرية والمناسبات التي عاشها أهلها وأنشطتهم والعلاقة المتميزة التي ربطت وتربط المسلمين والمسيحيين من أهل القرية. وقد طلبت من مشلين التي كانت قد رافقتنا في رحلتنا إلى سحماتا العام الماضي وهي التي تنحدر من أب فلسطيني يافاوي وأم لبنانية، طلبت منها أن تشرح لنا شعورها عما رأته وأحسته أثناء وجودها في سحماتا. فذكرت بتلقائية وسلاسة عفوية أحاسيس نابعة من القلب، وكان مما أثر في الحاضرين حين تطرقت إلى ما أخبرتها إياه السيدة لطفية سمعان أمام بقايا كنيسة سحماتا التي كانت تشهد تجمعاتهم وأعراسهم وأفراحهم وحتى أحزانهم. ثم استعرضت صورًا من القرية تبين الرحبة وأهالي سحماتا الذين تجمعوا لاستقبالنا العام الماضي وكذلك صورًا لأشجار الزيتون والتين وبقايا المنازل المدمرة.

كانت المحاضرة ناجحة بكل معنى الكلمة. فردود الأفعال كانت إيجابية بالكامل حتى إن كثيرا من الحاضرين ذكر لي ( الآن بدأت أعرف لماذا يسمي الفلسطينيون هذه الأحداث بالنكبة..الآن صرت أعرف ماذا جرى عام 1948 ).

قبل نهاية المحاضرة، تم توزيع ملحق على الحاضرين يبين تاريخ فلسطين الحديث إضافة إلى نموذج فيه صورة لقرية سحماتا ورابط لصفحة الإنترنت الخاص بالقرية لكي يستطيع الحاضرون من خلاله تسجيل دعمهم للقرية واحتجاجهم على سلب أجزاء من أرضها لإقامة المستوطنات عليها.

شكرا للزميلات اللواتي ساعدن في إنجاح هذا العمل المتواضع.
شكرا لياسمين وميشلين و ناديا ورنا
شكرا لسامي ونيللي وسارة و توي وجوزيف



















العودة الى صفحة " مواقف ونشاطات"


® All Rights Reserved, ABNAA' SUHMATA Association
  Best experienced using MS Internet Explorer 6.0, Screen is optimised for viewing at 800 x 600